أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أكد الجبوري - إضاءة: هايدغر بين مأزق الوجود و آنقذاف اللغة/ إشبيليا الجبوري - ت: من اليابانية أكد الجبوري















المزيد.....

إضاءة: هايدغر بين مأزق الوجود و آنقذاف اللغة/ إشبيليا الجبوري - ت: من اليابانية أكد الجبوري


أكد الجبوري

الحوار المتمدن-العدد: 8857 - 2026 / 10 / 13 - 00:06
المحور: الادب والفن
    


"ثمة حاجة إلى انتباه جديد للغة، لا إلى اختراع مصطلحات جديدة كما ظننتُ يوماً؛ بل يتطلب الأمر العودة إلى المضامين الأصيلة للغتنا كما جرى تصورها، وهي مضامين تتعرض لعملية تآكل مستمرة"().
- الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر (1889-1976)()

في عام 1969، أجرى مارتن هايدغر -الذي كان يبلغ حينها ثمانين عاماً- مقابلة تلفزيونية مع البروفيسور ريتشارد فيسر (1927-2019)(). [سُجِّلت المقابلة في 17 سبتمبر 1969()، وبُثَّت على التلفزيون الألماني في 24 سبتمبر 1969]().

جاءت هذه المقابلة في مرحلة كان هايدغر يتجه فيها نحو مسار جديد يُكمّل فكره الأصلي؛ مسارٍ يتجاوز "الماهية الميتافيزيقية" التي أسبغها الفلاسفة على الفلسفة منذ عهد أفلاطون (428/427 - 424/423 ق.م)()، وهو تفكير يتخطى الذاتية ويسعى لتقويض سلطة "الذات". إنه تفكير يتوقف فيه كل شيء على تجربة "الكينونة"، حيث يدرك الإنسان ذاته ككائن منفتح على "الوجود"، وحيث يتجلى الوجود للإنسان في صورة "انكشاف"، مما يتيح للإنسان أن يُظهر حقيقة ذاته.

والجديد هنا هو ما خلص إليه هايدغر في تلك المقابلة، إذ رأى أن هذا النمط الجديد من التفكير "يتطلب يقظة جديدة تجاه اللغة، لا اختراع مصطلحات جديدة... بل يتطلب عودةً إلى المضامين الأصيلة للغتنا كما جرى تصورها، وهي مضامين تتعرض لعملية تآكل مستمرة"().

ففي ("رسالة في النزعة الإنسانية". 1947)()، يخبرنا هايدغر بأن عصرنا الحديث يشهد "دماراً للغة ينتشر على نطاق واسع وبسرعة فائقة"(). وقد وقع هذا الدمار لأن اللغة -في ظل هيمنة الميتافيزيقا الحديثة القائمة على الذاتية- "تخرج من عنصرها الأصلي خروجاً يكاد يكون غير قابل للإصلاح"، ومن ثم "تحجب عنا جوهرها"().

"...تُسلِّم اللغةُ نفسَها لمجرد إرادتنا وممارساتنا العملية بوصفها أداةً للهيمنة على الموجودات. وتظهر الموجودات ذاتها بوصفها وقائع فعلية ضمن تفاعل السبب والنتيجة؛ فنحن نواجه الموجودات كوقائع فعلية بأسلوب حسابي نفعي، وكذلك بأسلوب علمي وفلسفي، عبر التفسيرات والبراهين"().

إن الهدف المباشر لما أسماه هايدغر "العناية أو اليقظة الجديدة"() يتمثل في إيلاء اهتمام جديد باللغة، وإعادة اللغة إلى مسارها الصحيح. من خلال هذا الاهتمام، ينبغي لنا أن نتخلى عن فكرة أن اللغة مجرد أداة تُستخدم لتحقيق التقدم البشري، وأن نراها بدلاً من ذلك وسيلةً تتيح للإنسان أن يوجد -في جوهره- داخل عالمه.

وكما يقول هايدغر، فإن الأمر لا يتعلق باكتساب "معلومات علمية وفلسفية"، بل بخوض تجربة مع اللغة؛ أي معايشة الكيفية التي "تحلّ بها اللغة علينا، وتصيبنا، وتغمرنا، وتستولي علينا، وتُحدث فينا تحولاً"() (في كتاب "الطريق إلى اللغة". 1959)(). إن الرد السليم على ما تتعرض له اللغة من دمار لا يكمن في التخلي عنها واختراع "لغة جديدة" بشكل اعتباطي، بل يكمن في النقيض تماماً: أي إحياء تلك "التجارب الأولية"... "الكلمات الجوهرية التي يُعبّر فيها الـ "الوجود عن نفسه"() ("الوجود والزمان". 1927)()، و"التي توصلنا من خلالها إلى طرائقنا الأولى لتحديد ماهية الوجود؛ وهي الطرائق التي ظلت ترشدنا منذ ذلك الحين” (نفس المصدر)(). لقد كان ما يطرحه هايدغر هو أنه إذا ما استطعنا العثور على "طريقٍ إلى اللغة"، فإننا لن نتعلم فحسب كيف نتحدث بطريقة جديدة، بل سنتعلم كيف "نكون" بطريقة جديدة. فبالنسبة لهايدغر، لا تقتصر مسألة ماهية اللغة على "الدلالات اللفظية" فحسب، بل هي "مسألة تمسّ صميم جوهر وجودنا" ("الطريق إلى اللغة". 1959)().

ينبع هذا التطور جزئياً من تعامل هايدغر مع الأعمال الفلسفية والشعرية اليونانية واللاتينية القديمة وترجمتها. ويمكن القول -إلى حد كبير- إن فلسفة هايدغر حول اللغة (التي تمثل عودة إلى "المضامين الأصيلة" للغة) تتجلى بأكثر صورها فاعلية في فلسفته الخاصة بالترجمة. كما أن حب هايدغر للغة الألمانية، وشغفه المطلق باللغة اليونانية، يُعدّان عاملين رئيسيين لا بد من أخذهما بعين الاعتبار؛ إذ تمثلت التحديات التي لم ينجح هايدغر حقاً في تجاوزها في "استحالة ترجمة روح اللغة اليونانية"()، وما اقترن بذلك من "غياب للأصل" فيها. ويعود السبب في ذلك إلى أن الجوهر في عملية الترجمة -وفقاً لهايدغر- يكمن في إنجاز "الانتقال من روح لغةٍ ما إلى روح لغةٍ أخرى"() (في نص "ترنيمة هولدرلين": نهر الإيستر"()).

يسعى هايدغر إلى تطوير "طريقة" في الترجمة ترقى إلى مستوى مهمة الحفاظ على المعنى الأصلي الذي كانت تحمله هذه الكلمات بالنسبة للمفكرين الذين نطقوا بها. وهو يدرك تماماً العواقب الوخيمة التي نجمت عن الترجمات اللاتينية (الرومانية) للمصطلحات الفلسفية اليونانية. إذ يتعين على نهج هايدغر في الترجمة أن يحقق ما يبدو مستحيلاً: تجاوز التقاليد و"الوقوعية التاريخية" (أو الانقذاف التاريخي) التي نعيشها، وذلك عبر الحفاظ على نمط تفكير غريب تماماً عنا داخل أفكارنا وكلماتنا التي تحكمها الميتافيزيقا (وهو الأمر الذي أخفق الرومان في فعله).

وتتعارض فلسفة هايدغر في الترجمة أيضاً مع ما يفعله -دون أي شعور بالذنب- كثيرٌ من المترجمين الذين أعرفهم؛ ألا وهو تحويل الأعمال الأصلية الأجنبية لتلائم ثقافة ونمط تفكير القراء في اللغة الهدف. (وهذه في الوقت ذاته وسيلة بارعة لإخفاء جهلهم بثقافة ونمط تفكير المؤلفين الأصليين).

إن حقيقة فكر هايدغر في هذا الصدد يلمسها بلا شك كل من يمتلك معرفة عملية باللغة اليونانية القديمة، واطلع في الوقت نفسه على ترجمات للنصوص اليونانية إلى الإنجليزية أو أي لغة أخرى. فحتى في حالة ترجمات العهد الجديد -التي نُقلت عن شكل أبسط من اليونانية القديمة يُعرف بـ "اليونانية الكوينيه"()- ورغم الجهود المضنية التي بذلتها فرق من العلماء والمترجمين، فإنهم نادراً ما نجحوا في نقل التجربة ذاتها.

لقد استخدم هايدغر مصطلحه الفلسفي الجوهري (الانكشاف أو عدم الاحتجاب) لترجمة الكلمة اليونانية (أليثيا)(). ورغم أن الترجمة المتعارف عليها لكلمة "أليثيا" هي "الحقيقة"() بالألمانية، إلا أن هايدغر آثر اعتماد ترجمة حرفية؛ إذ أن المعنى الحرفي لـ "أليثيا" هو "عدم الاحتجاب"() أو "ما ليس مخفياً". ويعود ذلك إلى اعتقاده بأن مفهوم الحقيقة لدى اليونانيين الأوائل كان يتمحور -في المقام الأول- حول إظهار شيء كان مخفياً أو محجوباً من قبل، وجعله متاحاً ومكشوفاً وبارزاً للعيان.

ومن خلال هذه التجربة اليونانية، اتخذ مفهوم "التفكير" ذاته منحىً مختلفاً لدى هايدغر؛ فمسألة اللغة ومسألة الترجمة ليستا من نوع الأسئلة التي يمكن الرد عليها بحجج وبراهين متماسكة.

أخيرًا. عود إلى بدء. فاللغة في فكر هايدغر ليست أمراً بسيطاً، ولا تقتصر مجرد كونها مجموعة من المفردات والقواعد النحوية. إنها متجذرة في البنية الوجودية لانكشاف "الوجود"؛ إذ تنطوي على دلالة أنطولوجية ووجودية تتمثل في الكشف عن "كَوْنِ الوجود في العالم". إنها اللغة التي لا تكتفي بالإشارة إلى الأشياء وخلق المعنى فحسب، بل تعبّر أيضاً عن "حالة الكينونة الوجدانية"، وعن تجاربه وفهمه، وعن كينونته ذاتها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Copyright © 2026
المكان والتاريخ: طوكيو ـ 10/13/26
ـ الغرض: التواصل والتنمية الثقافية
ـ العينة المستهدفة: القارئ بالعربية (المترجمة).



#أكد_الجبوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تَرْويقَة: قصيدتان +2/بقلم آن كارسون الشعرية* - ت: من الإنجل ...
- فوز نافي بيلاي بجائزة نوبل للسلام/الغزالي الجبوري - ت: من ال ...
- تَرْويقَة: -ثباتٌ جامح- - بقلم آن كارسون* - ت: من الإنجليزية ...
- إضاءة: فوز -آن كارسون- بجائزة نوبل للآداب/- ت: من اليابانية ...
- امضى الطريقُ - ابوذر الجبوري - هايكو التانكا - ت: من اليابان ...
- إضاءة موسيقية؛ رحلة مع آلة الساكسفون/إشبيليا الجبوري - ت. من ...
- تَرْويقَة: قصيدتان+ 2/ بقلم فينتشينزو كارداريلي* - ت: من الإ ...
- نيتشة والعدمية العملية: قيمة الفن ومأزق الوجود (13-15)/ إشبي ...
- تَرْويقَة: قصيدتان+ 2/ بقلم والاس ستيفنز* - ت: من الإنجليزية ...
- تَرْويقَة: قصيدتان/ بقلم فرنسيس جامَه* - ت: من الفرنسية أكد ...
- عرض ونقد (الحلقة 2-2): -الحقيقة والأشكال القانونية-/بقلم ميش ...
- مُوسِيقى: روبرت شومان - مدخل (9-17)/ إشبيليا الجبوري - ت: من ...
- الأوبرا - إضاءة: فينتشينزو بيليني (2-3)/إشبيليا الجبوري - ت: ...
- أولويات الفكر الاستراتيجي الصيني للبحار/الغزالي الجبوري - ت: ...
- المغامر يغني ترقبًا - تانكا / أبوذر الجبوري - ت: من الياباني ...
- مغادرة الوفود قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة/الغزالي الجب ...
- عرض ونقد (الحلقة 1-2): -الحقيقة والأشكال القانونية-/بقلم ميش ...
- من الأدب الياباني: حكاية -أوراشيما الصياد- - ت: من اليابانية ...
- لحن البحيرة يحلق - هايكو
- تَرْجَمَةٌ: قصة قصيرة: -تمرد الموتى-/بقلم لويس فرناندو إيميد ...


المزيد.....




- احتجاز الممثلة سلمى بلير في نيويورك بعد اتهامها بالاعتداء عل ...
- وزير الثقافة والسياحة يعزي مدير عام هيئة الآثار في سيئون بوف ...
- أدب الحرب وثقافة المقاومة – 8
- الفن في زمن الحرب.. فنانون يمنيون يروون ثمن الموقف
- إيلون ماسك وسام ألتمان.. عملاقا التكنولوجيا يعترضان على صورت ...
- المدير الفني لمهرجان القاهرة السينمائي لـ-الجزيرة نت-: تعديل ...
- -السنافر: المغامرات الخالدة 2-.. السينما لا تقبل إعادة التدو ...
- فيلم -البحث عن رسول- يفتتح الدورة الـ13 لمهرجان بيروت الدولي ...
- نتنياهو يطالب بالتحقيق مع صنّاع فيلم -نازا- ومحاكمتهم
- نتنياهو يطالب بمحاكمة صنّاع فيلم «نازا».. ما القصة؟


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أكد الجبوري - إضاءة: هايدغر بين مأزق الوجود و آنقذاف اللغة/ إشبيليا الجبوري - ت: من اليابانية أكد الجبوري