|
|
تَرْجَمَةٌ: قصة قصيرة: -تمرد الموتى-/بقلم لويس فرناندو إيميدياتو - ت: من الإسبانية أكد الجبوري
أكد الجبوري
الحوار المتمدن-العدد: 8838 - 2026 / 9 / 24 - 20:19
المحور:
الادب والفن
تَرْجَمَةٌ: قصة قصيرة: "تمرد الموتى"/بقلم لويس فرناندو إيميدياتو - ت: من الإسبانية أكد الجبوري اختيار واعداد إشبيليا الجبوري - ت: من الإسبانية أكد الجبوري
إضاءة سريعة: تُعد قصة "تمرد الموتى"()-التي نُشرت في عامي 1977 و1980() جزءاً من مجموعة تضم خمس قصص قصيرة وروايتين قصيرتين للكاتب البرازيلي لويس فرناندو إيميدياتو (مواليد 1951)()، الذي كان يبلغ من العمر 28 عاماً آنذاك.() وقد فازت المجموعة -التي تحمل العنوان نفسه- بمسابقة مدينة بيلو هوريزونتي عام 1977()، بعد اختيارها من بين أكثر من 40 كتاباً مشاركاً.() ومع ذلك، وفور الفوز بالجائزة، اصطدم الكتاب على الفور بمسؤولي الرقابة المحليين؛ وتحديداً "أمانة الثقافة والسياحة والصادرات"() في (بيلو هوريزونتي)، والبلدية المحلية التي كانت قد رعت المسابقة في المقام الأول.() فبعد أن تسلّم إيميدياتو ميدالية ووُعد بشيك بقيمة 25 ألف كروزيرو، أُبلغ بعد أسبوع واحد بأن تسليم المبلغ والموافقة على الكتاب مشروطان بموافقته على حذف فقرات معينة وُصفت بأنها “تحريضية"()؛ وهي تعديلات كان من شأنها تقليص حجم الكتاب من 175 صفحة إلى 52 صفحة فقط.() اعترض المؤلف على ذلك، فعدّل الرقباء أسباب مطالبتهم بالتغييرات، زاعمين أن الفقرات المثيرة للجدل كانت "غير أخلاقية" وليست "تحريضية سياسياً".()
أثارت هذه القضية جدلاً واسعاً؛ إذ اقترح رئيس البلدية ضمّ رقيبٍ إلى لجنة تحكيم المسابقة، بينما كتب الشاعر والكاتب البرازيلي المرموق كارلوس دروموند دي أندرادي (1902-1987)() مقالاً ساخراً في صحيفة "جورنال دو برازيل" () يشير فيه إلى أن على الكتاب، عند تقديم أعمالهم للمسابقة الرسمية في "مدينة بيلو هوريزونتي المثقفة"()، أن يدركوا أنهم "يخاطرون بمخاطرة جسيمة، ألا وهي الفوز بالجائزة"().
يُذكر أن الرقابة المسبقة على المطبوعات قد أُلغيت رسمياً في البرازيل منتصف عام 1979()، وذلك في إطار عملية الانفتاح السياسي التي قادتها حكومة الجنرال جواو فيغيريدو(1918-1999)(). ورغم أن هذه العملية لم تكن واضحة المعالم تمامًا. ولا تزال بعيدة عن الاكتمال، إلا أن كتباً مثل "تمرد الموتى" أصبحت قابلة للنشر في الوقت الراهن.
النص: ("ما هي الحقيقة؟ أعطني حقيقةً، أو حدثاً غير متوقع، أو أمراً صادماً، أو -على النقيض من ذلك- شيئاً عادياً. سأصفه وفقاً لتصوري له، واهتمامي وقدرتي، سواء كنت أخدم مصالحي الخاصة، أو مصالح سيدي، أو مصالح الجنس البشري. ماذا تريد مني؟ أنا كما أنا.")
بدأ تمرد الموتى في ذلك الصباح الكئيب من الأول من أبريل عام 1964، بعد ساعات قليلة من إعلان جنرال ممتلئ الجسم، تزدحم سترته بالنجوم والأوسمة، في سماء برازيليا: "لقد انتصرنا، وهُزم جواو غولار". تقلّب الموتى في قبورهم، وعجزاً منهم عن تقبّل سوء الطالع الذي كان سيحل بالشعب البرازيلي منذ تلك اللحظة، نهضوا بعزم، وغادروا مساكنهم الخانقة، وانطلقوا في احتجاج صامت ضمن "المسيرة الكبرى" نحو برازيليا.
حينها بدأت المسيرة الكبرى نحو برازيليا، لكن أحداً من الأحياء -باستثناء استثناء أو اثنين نادرين- لم يستطع رؤية ذلك الرتل الطويل من الجثث الممتد كحشرة "أم أربعة وأربعين" عملاقة على طول الطريق السريع الصامت والخانق الحرارة. لقد نظّم الموتى -القادمون من الشمال والجنوب- أنفسهم في جيش، وساروا بحزن، ولكن بعزم أيضاً، نحو الهضبة الوسطى حيث كان الصراع الذئبي على السلطة قد بدأ في أروقة الخوف الخفية.
كان الموتى بسطاء، بلا أسماء، أناساً تواروا في صمت عبر السنين، منذ أن سُمعت أول صرخة بشرية في أرض البرازيل. كانوا بشراً بلا وجوه ولا ألوان ولا شعارات نبيلة؛ آلاف وآلاف من حيوات لم تُدوّن في السجلات، وكانوا يسعون الآن -بحضورهم المتجرد من الأنانية- إلى فرصة جديدة في أرض الأحياء؛ لقد كانت لحظة درامية لن يرويها التاريخ أبداً دون اللجوء إلى العبث والزيف.
وقد خصص كاتب شهير -سمع لاحقاً، ولا أحد يدري كيف، بتلك المسيرة الحزينة عديمة الجدوى- أحد كتبه العديدة لسرد قصتها؛ فأضفى على ذلك الجيش الرثّ أسلحةً وأوسمة، وأدرج في قائمة قادته كل أشباح التاريخ الوطني. حمل الكتاب عنوان "المسيرة الكبرى"، وبيعت منه خمسمائة ألف نسخة -تضج بالأخطاء والأوهام- في طبعته البرتغالية، بينما ظهرت في الوقت ذاته ترجمات له بلغات لا حصر لها في شتى أنحاء العالم، لتأسر أجيالاً بأكملها؛ أجيالاً من الشباب المثاليين، فضلاً عن كبار السن والمحبطين والضجرين من الحياة.
عُثر على الكاتب ميتاً في شقته، وذلك في الليلة نفسها التي كان من المقرر أن يُطلق فيها الطبعة الثلاثين من عمله الاستثنائي خلال حفل اجتماعي حافل. وكانت قد سرت شائعات آنذاك عن نية تحويل الكتاب إلى فيلم سينمائي في هوليوود، يتولى إخراجه جون هيوستن، وينتجه المليونير دينو دي لورينتس بميزانية مفتوحة. وفي تلك الليلة الكئيبة - التي أصدر فيها رئيس الجمهورية مرسوماً بإعلان الحداد الوطني لمدة أسبوع- وُجد الكاتب منكبّاً على مكتبه، حيث كان قد حاول كتابة رسالة أخيرة. كانت يده اليسرى تستقر بين الصفحتين 148 و149 من كتاب "المسيرة الكبرى"، وهناك -على قصاصة ورق بيضاء- كان بوسع المرء قراءة الكلمات التالية: "في وقتٍ يصدّق فيه جميع البرازيليين هذا السيلَ الذي لا ينقطع من الأوهام، أجد لزاماً عليّ -الآن وقد بدأت قواي تخور- أن أوضح كل شيء؛ ولهذا السبب قررت أن أبدأ بـ..." باغتت الشرطة السرية صحفياً شاباً وهو يحمل تلك القصاصة وصادرتها منه. حاول ذلك الصحفي -وهو شاب متمرد، ضئيل البنية وفاتح الشعر- الاحتجاج على هذا الإجراء التعسفي صارخاً: "لا يمكنكم إخفاء الحقيقة!". لكنه اختفى في ظروف غامضة بعد أسبوع واحد، وذلك عقب كتابته مقالاً لصحيفته يتكهن فيه بوجود مغالطات تاريخية محتملة في كتاب "المسيرة الكبرى”.
كتب الصحفي: "تشير كل الدلائل إلى أن كتاب المسيرة الكبرى يفتقر إلى الدقة في مواضع معينة، لا سيما فيما يتعلق بهوية المشاركين في المسيرة نحو برازيليا صباح الأول من أبريل. إذ يبدو أن قائد ذلك الجيش المريع من المتمردين لم يكن الملازم "تيرادينتس" -كما ذكر المؤلف الراحل في عمله- بل كان عاملاً في مصنع للصلب يُدعى “عثمان" أو "عسمار". وبالمثل، فإن الرجل الثاني في القيادة لم يكن ذلك الطيف المهيب -وإن كان عاجزاً- للمحارب المقدام “أنهانغيرا"، كما أراد لنا المؤلف سيئ الحظ لهذه الدراسة التاريخية أن نعتقد. بل على العكس من ذلك، فإن الرجل الثاني في القيادة -الذي حاول عبثاً في الخامس من أبريل دخول "قصر الفجر" منتصراً، متسلحاً بعصا بدائية غير مرئية، لا بـ... "رمح شجاع ومتين ورثه عن أشجع زعماء الهنود"- لم يكن سوى الخزّاف الأسود "بينيديتو أيراو" (وهو الاسم الذي أُطلق عند التعميد على العبد “كاكينتا" من عرقية البانتو)، الذي أُسر في أفريقيا حوالي عام 1835 وقُتل على يد صائد عبيد عام 1888؛ حين كان شيخاً منهكاً عاجزاً عن العمل، وقد نال حريته بموجب "القانون الذهبي" الذي دخل حيز التنفيذ في 13 مايو من ذلك العام".
أمر وزير العدل على الفور بمصادرة الصحيفة التي نشرت المقال المثير للجدل، معتبراً إياه مسيئاً للأخلاق والأعراف الحميدة وأمن البلاد. ومع ذلك، استمر تداول بضع نسخ، وانتقلت من يد إلى يد على مدى سنوات عديدة، حتى أصبحت بالية لدرجة أنه بات من شبه المستحيل فك رموز الحروف التي كادت تُمحى تماماً بفعل كثرة التداول. ولكن في اليوم نفسه الذي اقتحمت فيه الشرطة مكاتب الصحيفة المتمردة وصادرت ما في أكشاك بيع الصحف، صدرت طبعة خاصة من مجلة "الحقيقة" تضمنت تقريراً مصوراً عن حياة وموت المؤلف الشهير لعمل "المسيرة الكبرى".
ووفقاً لهذا التقرير -الذي أوصى أساتذة الجامعات في جميع أنحاء البلاد بقراءته ودراسته ضمن مقررات الاتصال الاجتماعي- فإن مؤلف "المسيرة الكبرى" كان قد توفي بعد أن قدّم خدمة جليلة للأمة من خلال سرده لذلك الحدث العظيم، "مسيرة الموتى إلى برازيليا"، وهي بادرة دعم مؤثرة لثوار عام 1964، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن الله برازيلي، وأنه كان حاضراً لمساعدة المتمردين في وقت كانوا يحاولون فيه تخليص البلاد من تهديد شيوعي ملحد، وذلك عبر إعادة الموتى إلى الحياة ليساهموا بقوتهم الخارقة في انتصار تلك الانتفاضة الوطنية الشجاعة والبطولية. ومضى التقرير -الذي عُدّل لاحقاً ووُزّع على المدارس الابتدائية ككتاب للقراءة الأولية- ليذكر أن المؤلف الذي لا يأتيه الخطأ في عمله، مؤلف "المسيرة الكبرى"، قد توفي أثناء محاولته كتابة ملحق لعمله، بهدف واضح يتمثل في إكمال العمل عبر تقديم تحية عادلة ومجيدة لقادة "ثورة التحرر الوطني" الوطنية الذين كانوا لا يزالون على قيد الحياة. وقد عُثر على قلمه محشوراً بين أصابع يده اليمنى، وتحته وُجدت ورقة شبه فارغة كُتبت عليها الفقرة الأولى من هذه الإضافة القيّمة.
كما أشار التقرير -الذي طبعته الحكومة بطريقة "برايل" ليتمكن المكفوفون من قراءته- إلى أن مؤلف "المسيرة الكبرى" توفي وكان عمله الذي لا يُنسى مفتوحاً على الصفحة 77، التي كان يمكن قراءة ما يلي فيها: "تقدمت المسيرة الكبرى ببطولة على طول الطريق السريع الرابط بين ريو وبرازيليا، بقيادة أكثر... يتقدم الموكبَ القائدُ الذي يحظى بتقدير واسع: ذلك الطيف النحيل والذكي لـ "خواكيم خوسيه دا سيلفا كزافييه" (المعروف بلقب "تيرادنتس")، مرتدياً زيَّه العسكري برتبة ملازم وحليقَ اللحية؛ مما كشف أن العلي القدير قد رأى من المناسب إعادته إلى الحياة وهو في ريعان شبابه المجيد. وخلفه سار الرجل الثاني في القيادة، الزعيم الشجاع "أنهانغويرا"، متزيناً بألوان الحرب وواضحَ التأثر بروح وطنية عميقة؛ إذ كان يضرب صدره بين الحين والآخر بقوة مذهلة ويطلق صرخةً مدويةً تهتف: "تحيا البرازيل!".
كان الملازم المقدام يقود طابور المسيرة الممتد بلا نهاية بكبرياء ووقار يثيران الإعجاب، ممتطياً صهوة جواد أبيض أنيق تزيّنه ريشات خضراء وصفراء، في مشهدٍ أكّد النوايا النبيلة لذلك القائد الشجاع. أما "أنهانغويرا" فقد سار خلفه على قدميه -على طريقة الهنود- دون أن تظهر أي علامات إرهاق على ساقيه المفتولتي العضلات، رغم أنه كان قد قطع بالفعل -في سياق هذا المشهد- مسافةً تناهز ألفاً وثمانمائة كيلومتر.
وفي استجابةٍ طيّعةٍ لهذين الزعيمين الوطنيين، وتأكيداً لرغبتهما في تقديم الدعم السياسي والعسكري، سارت أطياف كل من "دوق كاكسياس" والمشير "فلوريانو بيكسوتو". إن الزعم القائل بأن الدعم السياسي والعسكري لـ "طابور الموتى" قد جاء من الثوري اليساري "إرنستو غيفارا" (المعروف بلقب "تشي") هو ادعاء عارٍ تماماً عن الصحة؛ وكذلك لا أساس لها من الصحة تلك الرواية التي تزعم أن جثمان "كارل ماركس" قد غادر قبره في أوروبا للانضمام إلى الطابور، في محاولة ديماغوجية وعديمة الجدوى لتوفير غطاء أيديولوجي. لقد كانت "ثورة الموتى" ذات طابع وطني خالص، ولم تكن بأي حال من الأحوال حركة فوضوية أو إلحادية، كما لم يتبنَّ أعضاؤها أي معتقدات أيديولوجية غريبة؛ ناهيك عن أنهم لم يكونوا ليسمحوا أبداً باختراق حركةٍ بهذا الزخم والأهمية من قِبَل أقليات متطرفة أو راديكالية.
"ولا صحة لما قيل عن وجود نساء بين أولئك المدافعين البواسل عن الحرية والأعراف القويمة؛ وذلك رغم أن مؤرخاً -مُحبطاً ومُستبعَداً لحسن الحظ من أوساط النخبة المثقفة البرازيلية- قد كتب في إحدى الصحف الصفراء البغيضة، وبأسلوب ركيك ومغالِط، أن صفوف "طابور المتمردين" قد تعززت بانضمام مجموعة نسوية بقيادة روزا لوكسمبورغ وأنيتا غاريبالدي وماريا بونيتا. لم يكن كل ذلك سوى محاولة خبيثة ومقيتة ومثيرة للاشمئزاز تهدف إلى تحريض القراء البرازيليين -ممن يسهل خداعهم- والذين طالما ثبت انجرافهم وراء قصص رومانسية غير واقعية تُمجّد دور عامة الشعب وتُضفي عليه طابعاً مثالياً، وذلك عبر قلبٍ زائف وشرير ومُشين لأسمى القيم الوطنية.
وحتى يظل البرازيليون يتذكرون دائماً مكانة أولئك الذين بعثهم المولى عز وجل لخدمة قضية التحرر الوطني، سنورد فيما يلي أسماء قلة من أبرز "رسل القانون والنظام" هؤلاء. وهم: المشير ديودورو دا فونسيكا؛ والحاكم "ميم دي سا" الذي -رغم كونه برتغالياً- كان برازيلياً مخلصاً في صميم قلبه؛ وابن أخيه "إستاسيو"؛ والهندي "أراريبويا"؛ والمستيزو "فيليبي كاماراو" (الذي لا يزال حاضراً في ذاكرة تاريخ شمال شرق البرازيل)؛ وعالم الاجتماع "جيلبرتو فريري" (الذي بعثه الله من الموت وهو لا يزال حياً ليخدم قضية التقاليد الوطنية الأصيلة المذكورة آنفاً)؛ والمحافظ الكاثوليكي "غوستافو كورساو" (الذي بُعث للسبب ذاته)؛ والديكتاتور السابق "جيتوليو دورنيليس فارغاس" (الذي أُخرج من قبره وهو لا يزال في أوج شبابه)؛ والماركيز دي بومبال والفيكونت دي بارباسِينا (اللذين -رغم وجودهما في العالم السفلي- كانا يدركان خيانة النظام الحالي في البرتغال، ويشعران بالأسى لكونهما لم يخونا بلدهما)؛ وأخيراً الشخصية المرموقة للرئيس السابق "جوسيلينو كوبيتشيك"، الذي رفع عينيه نحو السماء وأشار مبتسماً إلى سربٍ شبحي أُسقط فوق إيطاليا على يد طياري سلاح الجو الألماني سيئي السمعة. "إضافة على ذلك، كان من الواضح أن "تمرد الموتى" حظي بدعم ليس فقط من أفواج المشاة والخيالة، بل ومن القوات الجوية أيضاً؛ إذ استفاد الطابور من وجود "قوة الاستطلاع البرازيلية" التي تعرضت لنيران الرشاشات..." ...في "مونتي كاستيلو" و"كاستيل نوفو"، حظيت القوة أيضاً بدعم سلاح الجو البرازيلي، إذ كان الطيارون ينقضّون أحياناً بطائراتهم فوق المسيرة، بهدفٍ واضحٍ يتمثّل في شحذ همم المشاركين في رحلتهم الشاقة.
وسيتم تناول شخصيات بارزة أخرى من هذا الرتل الاستثنائي -مع استعراضٍ موجزٍ لحياتهم ومآثرهم البطولية- في فصلٍ مستقل؛ فقد كان لزاماً على المؤلف أن يخصّهم بهذا التكريم، ليس فقط بدافع الامتنان الخالد، بل أيضاً انطلاقاً من شعورٍ عميقٍ بالعدالة. ويكفي القول هنا إن الجيش زحف نحو "برازيليا" بمواكبةٍ من سلاح الجو البرازيلي، وما إن وصل إليها حتى اتخذ مواقع تمركزٍ حول "قصر الفجر"، وذلك لضمان إنجاز التغييرات الضرورية -حتى النهاية- في أمةٍ أنهكتها الفوضى والمعاناة.
عند هذه النقطة انتهى نص المقتطفات المأخوذة من كتاب "المسيرة الكبرى" والمنشورة في العدد الخاص من صحيفة "الحقيقة". وفي صفحةٍ تالية، عُرضت نسخةٌ موجزةٌ للعمل بأكمله، إلى جانب إشاداتٍ عديدةٍ بإنصاف المؤلف وحياديته. وعلاوةً على ذلك، أُفيد بعباراتٍ بليغةٍ بأن الحكومة أمرت بإقامة تمثالٍ نصفيٍ ضخمٍ له في الساحة الرئيسية لبلدته "غراندي فالي"، وأنه في يوم إزاحة الستار عن النصب التذكاري، أُقيمت للسكان -البالغ عددهم خمسة آلاف نسمة في هذه البلدة الصغيرة والنائية- مأدبة شواءٍ هائلةٍ تضمنت ذبح نحو ثلاثمائة ثور.
غير أن أحداث "تمرد الموتى" لم تجرِ وفقاً لما دوّنه المؤلف الشهير لكتاب "المسيرة الكبرى". وبالمثل، فإن الرواية التي كتبها ذلك الصحفي المندفع -الذي حاول في المقال المذكور آنفاً تقويض استقرار الثورة عبر انتقاداته اللاذعة- كانت زائفةً تماماً كزيف القصة التي أوردها العدد الخاص من صحيفة "الحقيقة".
لقد كان كتاب "المسيرة الكبرى" -كما رأينا- بعيداً كل البعد عن الكمال؛ فقد استند مؤلفه -وهو كاتبٌ نزيه- في سرد الأحداث إلى معلوماتٍ استقاها من صحافة ذلك العهد التي لم تكن خاضعةً للرقابة بعد، مستعيناً في الوقت ذاته ببعض الشهادات القليلة لشهود العيان. غير أن الحماس الوطني جرفه، فأصرّ على نسبة تعاونٍ -يستبعد حدوثه- في "ثورة الموتى" لشخصيات تاريخية مثل "تيرادينتس" و"أنهانغويرا" وغيرهما، في حين أن ذلك الجيش المكوّن من أفرادٍ رثّي الثياب، والذي زحف نحو برازيليا، كان يتألف بالكامل من بسطاء مغمورين.
تجدر الإشارة إلى أن مؤلف كتاب "المسيرة الكبرى" كان رجلاً يتمتع بالنزاهة، رغم عدم التزامه بالحقائق التاريخية، ولم يحاول إخفاء مشاعر الإحباط القوية الكامنة وراء ذلك التمرد: فقد كان الموتى يزحفون نحو "برازيليا" التي استولى عليها متمردون عسكريون تحركوا ضد الحكومة الشرعية. وفوق كل شيء، كان المشاركون في المسيرة -على حد ما يمكن تقديره- ساخطين على الوداعة البليدة للأحياء، الذين وقفوا يراقبون تطورات الموقف بلامبالاة. ومن الدقة القول بأنه ليس صحيحاً تماماً وصف تمرد الخارجين من القبور بأنه كان ذا طابع "غولارتي" (نسبة إلى غولارت) في جوهره؛ إذ لا توجد أدلة تاريخية كافية تدعم هذه الفرضية. فمن المسلّم به عموماً اليوم أن "تمرد الموتى" كان حركة مستقلة، قادها أولئك الذين ضاقوا ذرعاً -من عالمهم الآخر- بكل تلك الثورات والانقلابات العقيمة وغير المجدية؛ تلك التحركات التي لم تقدم شيئاً لعامة الشعب البرازيلي، لكنها أتاحت لأقلية ضئيلة من الناس جني المكاسب من التغييرات الصادمة الناجمة عن التعديلات الدستورية المتكررة والمُنهِكة.
ومن ناحية أخرى، لم يكن المقال -الذي خضع للرقابة- بقلم ذلك الصحفي الشاب الأشقر (الذي اختفى في ظروف غامضة بينما كانت الشرطة لا تزال تبحث عن تلك الورقة) خالياً تماماً من الحقيقة. فقد انتقد المقال بقوة وصدق المغالطات التاريخية الواردة في الكتاب، لا سيما فيما يتعلق بهوية المشاركين في المسيرة، لكنه حاول في الوقت نفسه -وبنبرة تنطوي على شيء من المزاح- الكشف عن الهويات المجهولة لأولئك المشاركين، لدرجة أنه زعم أن قائد تلك الحملة البائسة كان عاملاً في مصنع للصلب يُدعى "عثمان" أو "أوسمار". والحقيقة أنه لم يكن من الممكن كشف سر كهذا، لا سيما إذا وضعنا في الاعتبار أن الصحفي لم يكن يتجاوز مرحلة الطفولة وقت وقوع التمرد، وبالتالي لم يكن بوسعه أن يشهد الحدث بنفسه. وعلاوة على ذلك، فمن المعلوم أن قلة قليلة ممن رأوا ذلك الرتل -نظراً لأن التمرد كان غير مرئي عملياً- قد أكدوا بوضوح تام أنهم لم يتعرفوا على أي من المشاركين في المسيرة.
أما حقيقة الأمر، فلن تُعرف أبداً على وجه اليقين. إن رواية الصحفي -كما رأينا- لا تقل خطأً عن رواية المؤلف المكلوم لكتاب "المسيرة الكبرى"، وإن كانت مبالغات كليهما لا تضاهي تلك الأباطيل التي أوردتها مجلة "الحقيقة" . ومما لا شك فيه أن اللغز كان سينجلي لولا وفاة مؤلف "المسيرة الكبرى" في تلك الليلة التي عُثر عليه فيها منكبّاً على مكتبه؛ ذلك المكتب الذي جلس إليه -بلا ريب- ليصحح المغالطات الواردة في كتابه.
والأمر الوحيد الذي يمكننا الجزم به -لكونه يقترب من المعقول- هو أن "تمرد الموتى" -المؤلف من برازيليين بسطاء ومغمورين من مختلف الأعمار والأجناس، وممن ينتمون إلى شتى الحقب التاريخية- قد اندلع في صباح الأول من أبريل عام 1964. ويبدو أن الجيش قد احتشد عند أطراف الطريق السريع الرابط بين ريو وبرازيليا، ثم طوّق "قصر الفجر" فور وصوله إلى عاصمة الجمهورية. وهناك، حاولوا جاهدين حشد صفوفهم لتنفيذ خطتهم القاضية باحتلال القصر، ثم التصدي - في مجموعات صغيرة وبلا خوف- لزحف "اللاشرعية" بأجسادهم العارية؛ إذ لم يكن بوسعهم أن يموتوا مرتين.
غير أن كل جهودهم الخارقة للعادة لجعل أنفسهم مرئيين ذهبت سدى؛ فقد كانت قلة قليلة جداً من الأحياء هي التي تمكنت من رؤية أجساد أولئك العائدين من الموت. ومن بين تلك القلة، طالت المأساة الأشخاص التالية أسماؤهم: 1. موظف في وزارة الخزانة أُصيب بالجنون من شدة الرعب ونُقل إلى مستشفى للأمراض العقلية. 2. جنرال مسن برتبة "أربع نجوم"، انتحر في صباح اليوم التالي بعد أن عانى من كوابيس مروعة. 3. نائب شاب -وإن كان فاسداً- استقال من منصبه وانخرط في سلك الرهبنة الفرنسيسكانية، وفاءً بعهدٍ قطعه قبل سنوات لجده المحتضر. 4. وزير سابق للداخلية قضى بقية حياته يردد بلا انقطاع صلاةً غير مفهومة. 5. كاهنٌ زاهدٌ وخادمٌ مخلصٌ لله والقديسين؛ إذ أصابه الذعرُ مما رأى، رسم إشارة الصليب سبع مرات وحاول طرد ما ظنَّ أنه جيشٌ من الشياطين، ثم آثر الصمتَ واعتزل، ولم يعد قادراً قط على إقامة القداس، ضحيةً لهذيانٍ صوفيٍّ مأساويٍّ وجارف.
أدرك الموتى أن خططهم قد باءت بالفشل، فنظروا بأسىً نحو مجموعةٍ صغيرةٍ من العمال الذين بدا أنهم رأوهم، لكنهم عجزوا مجدداً عن التواصل معهم، رغم ما بذلوه من جهودٍ عبر الكلمات والإيماءات والموسيقى. وحين لمحوا في تلك الوجوه المكلومة نظرةَ يأسٍ مطلقٍ إزاء المأساة الوشيكة، تلاشوا في الهواء، تاركين للأحياء مهمةً شاقةً لإنجازها، لكنهم باتوا يدركون أنها ستُنفَّذ يوماً ما، سواءً كان ذلك خيراً أم شراً.
هذه هي الرواية التي يُفترض أنها الأقرب إلى الحقيقة، وإن كان من المستحيل الجزم بخلوّها من أي أخطاء أو عدم دقة؛ وهي أخطاءٌ تظل -بطبيعة الحال- أمراً يمكن التغاضي عنه نظراً لما تتسم به تلك الأحداث من طابعٍ جدليٍّ ومثيرٍ للانقسام. ومع ذلك، ثمة من يزعمون -مدفوعين بمآرب خبيثة- أن هذه الرواية زائفةٌ هي الأخرى، وأنها تخدم مصالح خفية ومجهولة. ورداً على هؤلاء النقاد، أقول: إن الحقيقة واحدةٌ لا تتعدد، وإذا ما ساورهم الشك بشأنها، فعليهم دحضها عبر تقديم الحقائق؛ إذ إن ذلك وحده يتيح لنا التوصل إلى تفسيرٍ صادقٍ لأحداث الماضي، مستعينين في ذلك بالمنهج العلمي والمبادئ الراسخة للأمانة والحياد. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ Copyright © 2026 المكان والتاريخ: طوكيو ـ 09/24/26 ـ الغرض: التواصل والتنمية الثقافية ـ العينة المستهدفة: القارئ بالعربية (المترجمة).
#أكد_الجبوري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ترْويقَة: قصيدتان +1/ بقلم كريستينا بيري روسي* - ت: من الإسب
...
-
ما مصير الشعوب أمام مخطط جديد للحوكمة العالمية؟/الغزالي الجب
...
-
تسيس الخوف لبناء قوى السوق/الغزالي الجبوري - ت: من الفرنسية
...
-
لباليه: عرض باليه: -جين إير-/إشبيليا الجبوري - ت: من اليابان
...
-
الباليه: عرض باليه: -سيدة الأفعى البيضاء-/إشبيليا الجبوري -
...
-
مُوسِيقى: روبرت شومان - مدخل (8-17)/ إشبيليا الجبوري - ت: من
...
-
صراع الثقافة العلمية من تسويق اليقين (2-5)/ أبوذر الجبوري -
...
-
تَرْويقَة: قصائد/ بقلم أومبرتو سابا* - ت: من الإيطالية أكد ا
...
-
الأوبرا - إضاءة: فينتشينزو بيليني (1-3)/إشبيليا الجبوري - ت:
...
-
تَرْويقَة: قصيدتان+ 1/ بقلم ويليام كارلوس ويليامز* - ت: من ا
...
-
مأساة غزة؛ أرتفاع حصيلة ضحايا الأنهيار/الغزالي الجبوري - ت:
...
-
مراجعات: مراجعة كتاب: -مقدمة ل-ظاهراتية الإدراك عند ميرلو-بو
...
-
قبضة الحوثيون على باب المندب/الغزالي الجبوري - ت: من الفرنسي
...
-
العراق. انفلات الفصائل بالهجوم على السعودية/الغزالي الجبوري
...
-
عبر قمة البريكس إيران تتحدى بالمواجهة/الغزالي الجبوري - ت: م
...
-
ترْويقَة: إلى بحر وطني/ بقلم خوسيه بلاثيذو سانسون* - ت: من ا
...
-
رْويقَة: قصيدة إلى العندليب/ بقلم جون كيتس* - ت: من الإنجليز
...
-
تحديات قمة -البريكس- على المحك في نيودلهي/الغزالي الجبوري -
...
-
تَرْويقَة: قصيدتان/بقلم كويزومي ياكومو* - ت: من اليابانية أك
...
-
تَرْويقَة: لا تسألني كيف يمضي الوقت/ بقلم خوسيه إميليو باتشي
...
المزيد.....
-
إسرائيل: بعد شطب قائمتين عربيتين.. هل يغيب التمثيل العربي عن
...
-
-سويوزمولتفيلم- يحتفل بتسعين عاما.. أفلام روسية تعبر الحدود
...
-
مصر.. تطورات جديدة في مقتل الفنان سعيد مختار بعد اتهامه لزوج
...
-
الفيلم الملحمي -الانتفاضة-.. حين يتحول الغضب إلى معركة لانتز
...
-
رحيل الكاتب العُماني محمد بن عيد العريمي.. مسيرة أدبية بدأت
...
-
مخرجون شباب من 9 دول بينها السعودية يجتمعون في موسكو لصناعة
...
-
من كعكات القمر إلى رقصة الأسد.. كيف تحتفل آسيا بعيد منتصف ال
...
-
الجزائر ترشح فيلم -رقية- للمخرج يانيس كوسيم للمنافسة على أوس
...
-
رجل عصر النهضة في القرن التاسع عشر.. فلاديمير دال على طاولة
...
-
تراجع غربي وصعود آسيوي في عالم الثقافة
المزيد.....
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|