أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أكد الجبوري - رْويقَة: قصيدة إلى العندليب/ بقلم جون كيتس* - ت: من الإنجليزية أكد الجبوري















المزيد.....


رْويقَة: قصيدة إلى العندليب/ بقلم جون كيتس* - ت: من الإنجليزية أكد الجبوري


أكد الجبوري

الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 09:51
المحور: الادب والفن
    


رْويقَة:
قصيدة إلى العندليب/ بقلم جون كيتس* - ت: من الإنجليزية أكد الجبوري
اختيار واعداد إشبيليا الجبوري - ت: من الإنجليزية أكد الجبوري


يؤلمني قلبي، ويغمر حواسي خدرٌ ونعاسٌ ثقيل،
كأنني تجرّعتُ سُمَّ الشوكران،
أو أفرغتُ جرعةً من أفيونٍ مُخدِّرٍ في عروقي
منذ لحظةٍ خلت، وغصتُ في غياهب نسيان "ليثي":
ليس حسداً لمصيرك السعيد،
بل لفرطِ سعادتي بسعادتك الغامرة،-
يا حوريةَ الغابةِ خفيفةَ الجناح
في بقعةٍ شجيّةِ الأنغام
بين أشجار الزان الخضراء والظلال التي لا تُحصى،
تُغنّين للصيف بصوتٍ طلقٍ وعذب.

آهٍ لجرعةٍ من خمرٍ مُعتّقٍ عريق!
بُرِّدَ دهراً طويلاً في جوف الأرض العميق،
يحملُ عبقَ "فلورا" واخضرارَ الريف،
ورقصاتِ "بروفانس" وأغانيها،
ومرحَ الحياة تحت شمسها الدافئة!
آهٍ لكأسٍ تفيض بدفء الجنوب،
تزخرُ بماء "هيبوكرين" الأصيل المُورِّدِ الخدود،
تتراقصُ على حافتها فقاعاتٌ لؤلؤيةٌ برّاقة،
وتصبغُ الشفاهَ بلونٍ أرجوانيّ؛
لأشربَ منها، وأغادرَ العالمَ دون أن يراني أحد،
وأتلاشى معكِ في ظلال الغابة الكثيفة:

أتلاشى بعيداً، وأذوب، وأنسى تماماً
ما لم تعرفيه أنتِ أبداً بين الأوراق:
السأمَ والحمّى والقلقَ والهموم
هنا، حيث يجلسُ البشرُ ويسمعُ بعضُهم أنينَ بعض؛
حيث يرتجفُ الشللُ في خصلاتِ الشيبِ القليلةِ الحزينةِ الأخيرة،
وحيث يذوي الشبابُ شاحباً هزيلاً كالأشباحِ ثم يمضي للموت؛
حيث مجردُ التفكيرِ يملأُ النفسَ شجناً
ويأسًا ثقيلاً كأغلالِ الرصاص،
وحيث لا يبقى للجمالِ بريقُ عينيهِ المتألق،
ولا يظلُّ الحبُّ الجديدُ يصبو إليهما بعد الغد.

بعيداً! بعيداً! فسأطيرُ نحوكِ،
لا على عربةِ "باخوس" التي تجرُّها النمور،
بل على أجنحةِ الشعرِ الخفيّة،
رغم ما يُثقلُ العقلَ ويُعيقُه من حيرةٍ وبلادة:
ها أنا معكِ الآن! يا له من ليلٍ رقيق،
ولعلَّ "الملكةَ-القمرَ" تتربّعُ على عرشها،
تحيطُ بها حورياتُها النجمياتُ في حشود؛
لكن لا ضياءَ هنا،
سوى ما تحملهُ النسماتُ من السماء
عبر الظلالِ الخضراءِ والدروبِ الملتويةِ المكسوةِ بالطحالب.
لا أرى الزهورَ القابعةَ عند قدميَّ،
ولا أشمُّ شذى البخورِ الناعمِ المعلقِ بالأغصان،
لكنني -في ظلامٍ مُعطَّرٍ- أحزرُ كلَّ عبيرٍ
يُسبغهُ الشهرُ المواتي للفصلِ
على العشبِ، والأجمةِ، وشجرةِ الفاكهةِ البريةِ؛
وزهرِ الزعرورِ الأبيضِ، والنسرينِ الريفيِّ؛
وزهراتِ البنفسجِ الآفلةِ سريعاً والمختبئةِ تحت الأوراق؛
وبكرِ منتصفِ شهرِ مايو،
وردةِ المسكِ الواعدةِ، المترعةِ برحيقِ الندى،
ومأوى الذبابِ الطنّانِ في أمسياتِ الصيف.

أصغي في الظلمة؛ ولطالما
راودني حنينٌ خافتٌ للموتِ المريحِ،
وناديتُهُ بأسماءَ رقيقةٍ في قصائدَ تأمليةٍ،
ليحملَ أنفاسي الهادئةَ ويذروها في الهواء؛
والآن، يبدو الموتُ غنياً ومغرياً أكثرَ من أيِّ وقتٍ مضى،
أن تنطفئَ الحياةُ عند منتصفِ الليلِ بلا ألمٍ،
بينما أنتِ تفيضينَ بروحِكِ في الخارجِ
في غمرةٍ من النشوةِ العارمةِ!
ستظلينَ تغنّينَ، وتكونُ أذنايَ بلا جدوى-
إذ سأغدو تراباً هامداً أمامَ مرثيتِكِ الساميةِ.

لم تُخلقي للموتِ، أيتها الطيرُ الخالدة!
لن تسحقَكِ أجيالٌ جائعةٌ؛
فالصوتُ الذي أسمعُهُ في هذه الليلةِ العابرةِ، قد سَمِعَهُ
في غابرِ الأزمانِ الإمبراطورُ والمهرّجُ على حدٍّ سواء:
ربما هي الأغنيةُ ذاتُها التي شقّت طريقَها
إلى قلبِ "راعوثَ" الحزينِ، حينَ أضناها الحنينُ للوطنِ،
فوقفتْ دامعةً وسطَ حقولِ القمحِ الغريبةِ؛
وهي ذاتُها التي طالما
سحرتْ نوافذَ خرافيةً، تطلُّ على زبدِ
بحارٍ محفوفةٍ بالمخاطرِ، في أراضٍ قصيّةٍ موحشةٍ.

موحشةٌ! إنَّ الكلمةَ ذاتَها تشبهُ جرسًا
يقرعُ ليعيدَني من عالمِكِ إلى ذاتي المنفردة!
وداعاً! فالخيالُ لا يستطيعُ الخداعَ ببراعةٍ
كما يُشاعُ عنهُ، ذلك الجنيُّ المخادعُ.
وداعاً! وداعاً! تتلاشى ترنيمتُكِ الشجيةُ
مبتعدةً عن المروجِ القريبةِ، وعابرةً فوقَ الجدولِ الساكنِ،
وصعوداً نحو سفحِ التلِّ؛ والآنَ دُفنتْ عميقاً
في أرجاءِ الوادي المجاورِ:
هل كانت رؤيةً، أم حُلماً وأنا مستيقظٌ؟
لقد ولّت تلك الموسيقى: هل أنا مستيقظٌ أم نائمٌ؟




يتبع مختارات جون كيتس الشعرية.

* جون كيتس (1795-1821)() شاعراً غنائياً إنجليزياً ينتمي إلى المدرسة الرومانسية، وقد كرّس حياته القصيرة لإتقان شعرٍ تميز بصورٍ حية وجاذبية حسية فائقة، وسعى من خلاله للتعبير عن فلسفة معينة عبر توظيف الأساطير الكلاسيكية. إن شئتم.

نشأ جون كيتس -وهو ابنٌ لمدير إسطبلات- في كنف عائلة لم توفر له قدراً كبيراً من التعليم الرسمي؛ إذ توفي والده عام 1804،() وسرعان ما تزوجت والدته مرة أخرى. وقد حافظ كيتس طوال حياته على روابط عاطفية وثيقة بأخته "فاني" وشقيقيه "جورج" و"توم".() وعقب انهيار زواج والدته الثاني، عاش أبناء عائلة كيتس مع جدتهم الأرملة في منطقة "إدمونتون" بمقاطعة ميدلسكس.() التحق جون بمدرسة في "إنفيلد" -التي تبعد ميلين عن منزله- وكان يديرها جون كلارك، الذي لعب ابنه "تشارلز كاودن كلارك" (1787-1877) ()-وهو محرر وناقد أدبي إنجليزي- دوراً كبيراً في تشجيع تطلعات كيتس الأدبية. عُرف كيتس في المدرسة بكونه صبياً مشاكسًا وميالاً للشجار، ولم تكن تظهر عليه أي بوادر اهتمام بالأدب، إلا أنه بدأ في عام 1809() يلتهم الكتب بنهمٍ وشغف. وبعد وفاة والدة الأطفال عام 1810()، عهدت الجدة بشؤونهم إلى وصيٍ يُدعى "ريتشارد آبي"()؛ وبناءً على توجيه من آبي، بدأ كيتس عام 1811() فترة تدريب مهني لدى جراح في "إدمونتون". غير أنه قطع تدريبه عام 1814() وانتقل للعيش في لندن، حيث عمل مساعداً جراحياً (أو جراحاً مبتدئاً) في مستشفيي "غاي" و"سانت توماس"(). كانت اهتماماته الأدبية قد تبلورت بحلول ذلك الوقت، وبعد عام 1817() تفرغ كلياً للشعر؛ ومنذ تلك اللحظة وحتى وفاته المبكرة، أصبحت قصة حياته مرادفة -إلى حد كبير- لقصة الشعر الذي أبدعه.

إذ كان "تشارلز كاودن كلارك" هو من عرّف كيتس الشاب بشعر الشاعر الإنجليزي إدموند سبنسر (1552-1599)() وشعراء العصر الإليزابيثي، وقد شكل هؤلاء الشعراء نماذجه الأدبية الأولى. تُعد قصيدة "عند النظر لأول مرة في ترجمة تشابمان لهوميروس" (1816)() -وهي من نوع السوناتة- أولى قصائده الناضجة؛ وقد استلهمها من قراءته الحماسية للترجمة الكلاسيكية التي أنجزها الشاعر والكاتب المسرحي الإنجليزي جورج تشابمان (1559-1634) ()لملحمتي "الإلياذة"() و"الأوديسة"() في القرن السابع عشر. كما عرّف كلارك الشاعرَ كيتس بالكاتب والناقد والصحفي والشاعر الإنجليزي لي هانت (1784-1859)()، ومن خلال دائرة هانت، كوّن كيتس صداقات مع الشاعر والناقد والكاتب المسرحي والساخر الإنجليزي الشاب جون هاميلتون رينولدز (1794-1852)()، وكذلك مع الرسام والكاتب والمحاضر البريطاني بنجامين روبرت هايدون (1786-1846)(). نُشر كتاب كيتس الأول، "قصائد" ()، في مارس 1817()، وكان قد كُتب إلى حد كبير تحت تأثير أسلوب هانت؛ ويتجلى ذلك في المشاعر العفوية المنسابة بحرية، وفي استخدام كيتس لصيغة متحررة من "البيت المزدوج البطولي"() وقوافٍ خفيفة. وتُعد قصيدة "النوم والشعر" (1817)() أكثر قصائد هذا الديوان إثارة للاهتمام، إذ يتضمن قسمها الأوسط رؤية استشرافية لمسيرة كيتس الشعرية؛ فهو يرى نفسه في تلك المرحلة غارقاً في تأمل مبهج لجمال الطبيعة الحسي، لكنه يدرك ضرورة تجاوز ذلك لفهم "معاناة القلوب البشرية وصراعها"(). وفيما عدا ذلك، يتميز الديوان ببعض الملاحظات الدقيقة للطبيعة وببعض التأثيرات الواضحة لأسلوب الشاعر سبنسر.

في عام 1817()، غادر كيتس لندن لفترة وجيزة في رحلة إلى جزيرة وايت وكانتربري، وبدأ العمل على قصيدته الطويلة الأولى "إنديميون"(). وعند عودته إلى لندن، انتقل للسكن في منطقة هامبستيد مع إخوته، وصدرت قصيدة "إنديميون" عام 1818(). ينقسم هذا العمل إلى أربعة أقسام يبلغ مجموع أبياتها أربعة آلاف بيت، وقد كُتبت أبياتها بأسلوب الأبيات المزدوجة المقفاة المتحررة من القيود الصارمة. تسرد القصيدة نسخة من الأسطورة اليونانية التي تتناول قصة حب إلهة القمر (التي عُرفت بأسماء متعددة مثل ديانا وسيليني وأرتميس، وأطلق عليها كيتس اسم "سينثيا")() للراعي البشري "إنديميون"()؛ غير أن كيتس يصبّ تركيزه على حب إنديميون للإلهة بدلاً من حبها له.() لقد أعاد كيتس صياغة الحكاية ليعبّر عن ثيمة رومانسية شائعة تتمثل في السعي للعثور في الواقع على حب مثالي لم يُلمس من قبل إلا في تطلعات الخيال وأشواقه. وتتجسد هذه الثيمة من خلال مغامرات خيالية واستطرادية، وعبر أوصاف حسية غنية ومترفة. ففي رحلة ترحاله، يقع إنديميون في خطيئة خيانة ظاهرية لإلهة القمر()؛ التي رآها في رؤاه،() إذ يقع في حب فتاة أرضية تنجذبه إليها مشاعر التعاطف الإنساني؛ لكن يتضح في النهاية أن الإلهة والفتاة الأرضية هما في الواقع شخص واحد. وتساوي القصيدة بين شغف إنديميون الرومانسي الأولي وبين سعيٍ أعمق وأشمل نحو حالة من السمو المتجاوز للذات -الذي قد يفني الذات- حيث يمكنه تحقيق وحدة شخصية مفعمة بالنعيم مع سائر المخلوقات. ومع ذلك، لم يكن كيتس راضياً عن القصيدة بمجرد الانتهاء من كتابتها.

في صيف عام 1818()، انطلق كيتس في رحلة سيراً على الأقدام شملت منطقة البحيرات (في شمال إنجلترا) واسكتلندا بصحبة صديقه تشارلز براون()؛ وقد تسببت ظروف الطقس القاسية والإجهاد المفرط خلال تلك الرحلة في ظهور الأعراض الأولى لمرض السل الذي أودى بحياته لاحقاً. وفور عودته إلى لندن، نُشر نقدٌ لاذع لقصائده المبكرة في مجلة “بلاك/وود"()، تلاه هجوم مماثل على قصيدته "إنديميون" في مجلة "كوارترلي ريفيو"(). وعلى خلاف ما زُعم لاحقاً، واجه كيتس هذه الانتقادات بثقة هادئة في موهبته، وواصل كتابة الشعر بثبات. غير أن متاعب عائلية كانت بانتظاره؛ فقد كان شقيقه توم يعاني من مرض السل منذ فترة، وقام الشاعر برعايته خلال مرضه الأخير في خريف عام 1818(). وفي الفترة نفسها تقريباً، التقى كيتس بفاني براون (1800-1865)() -التي كانت تسكن بالقرب منه في منطقة هامبستيد- وسرعان ما وقع في حبها حبّاً عاصفاً ومأساويّاً. كان لعلاقته بفاني أثرٌ حاسم في تطور كيتس؛ إذ يبدو أنها كانت شابة عادية، تتمتع بشخصية قوية وكريمة، وتكنّ مشاعر طيبة تجاه كيتس. لكنه كان يتوقع المزيد -ربما أكثر مما يمكن لأي شخص أن يمنحه- وهو ما يتضح جلياً من رسائله المفعمة بمشاعر جياشة ومضطربة. وعلى أية حال، حال وضعه المادي غير المستقر وتدهور صحته دون أن تأخذ علاقتهما مساراً طبيعياً. وبعد وفاة توم (وكان شقيقه الآخر جورج قد غادر بالفعل إلى أمريكا)()، انتقل كيتس للسكن في منزل "وينتوورث بليس"()مع صديقه براون، وفي أبريل 1819() أصبحت براون ووالدتها جارتين له في المنزل المجاور. في حوالي شهر أكتوبر من عام 1819()، خطب كيتس فاني...

كان كيتس قد كتب قصيدة "إيزابيلا" (1817-1818)() -وهي اقتباس لقصة "وعاء الريحان"() الواردة في كتاب "الديكاميرون" (1349-1353)() للشاعر والعالم الإيطالي جيوفاني بوكاتشيو (1313-1375)()- وذلك بُعيد انتهائه من قصيدة "إنديميون"، إلا أنه لم يكن راضياً عن عمله ذاك. وفي عام 1819()، كُتبت أعظم أعماله الشعرية، وهي: ("لاميا". 1820)()، و"عشية القديسة أغنيس" (1848)()، والقصائد الغنائية الكبرى (مثل "في الكسل"()، و"في جرة إغريقية"()، و"إلى سايكي"()، و"إلى العندليب"()، و"في الكآبة"()، و"إلى الخريف")()، بالإضافة إلى النسختين من قصيدة ("هيبريون". 1856)(). نُظمت هذه القصائد تحت وطأة المرض وتنامي مشاعر الحب تجاه "براون"، وهي تشكل مجموعة أعمال مذهلة تتسم بتطور مدروس ومتأنٍ على الأصعدة الفنية والعاطفية والفكرية. ورغم أن قصيدة "إيزابيلا" -التي وصفها كيتس بنفسه بأنها "قصيدة تعاني من نقاط ضعف"- تحتوي على بعض العيوب العاطفية التي شابت "إنديميون"، إلا أن قصيدة ("عشية القديسة أغنيس". 1819()) تُعد تتويجاً مثالياً لأسلوب كيتس الشعري المبكر؛ إذ كُتبت في غمرة بدايات علاقته بـ "براون"، وتنقل أجواءً من الشغف والإثارة من خلال وصفها لهروب حبيبين شابين معاً. صِيغت القصيدة باستخدام مقاطع "سبنسرية"()، وعالجت موضوعها برقة لا تضاهى، وإن كانت لم تُظهر تقدماً فكرياً ملحوظاً مقارنةً بأعمال كيتس السابقة. أما قصيدة "لاميا"()، فهي قصيدة سردية أخرى تمثل محاولة متعمدة لمعالجة بعض نقاط الضعف الفنية في "إنديميون"()؛ حيث وظّف كيتس فيها أبياتاً مزدوجة () أكثر إحكاماً وانضباطاً، واعتمد نبرة أكثر ثباتاً ووصفاً أكثر دقة وتحكماً.

تُعد "القصائد الغنائية المطولة"() أبرز إنجازات كيتس الشعرية وأكثرها تميزاً؛ فهي في جوهرها تأملات وجدانية تتمحور حول موضوع أو سمة معينة تحفز الشاعر على مواجهة النزعات المتصارعة في أعماق ذاته، والتأمل في تطلعاته وعلاقتها بالعالم الأوسع من حوله. كُتبت جميع هذه القصائد في الفترة ما بين شهري مارس ويونيو من عام 1819()، باستثناء قصيدة "إلى الخريف"() التي كُتبت في شهر سبتمبر. وتتمحور الصراعات الداخلية في هذه القصائد حول الثنائية القائمة بين المُثُل العليا الخالدة والمتسامية من جهة، وبين زوال العالم المادي وتغيره من جهة أخرى. لقد فُرض هذا الموضوع على كيتس بفعل الوفاة المؤلمة لشقيقه وتدهور صحته الشخصية، وتُبرز هذه القصائد سعيه الدؤوب نحو الوعي بالذات واليقين عبر القوى المُحرِّرة لمخيلته. ففي قصيدة ("إلى العندليب". 1820)()، تبرز مفارقة بين السعادة المتسامية النابعة من التناغم مع العندليب وغنائه، وبين الثقل الجاثم للحزن والمرض البشريين، وزوال الشباب والجمال - وهي حقائق تجلت لكيتس بقوة في الأشهر الأخيرة إثر وفاة شقيقه. ويُنظر إلى غناء العندليب بوصفه رمزاً للفن الذي يتجاوز حياة الفرد الفانية؛ وهي تيمة تتجلى بوضوح أكبر في قصيدة "قصيدة عن جرة يونانية"(). إذ تصبح صور العشاق المرسومة على الجرة اليونانية بالنسبة له رمزاً لشغفٍ خالدٍ ولكنه غير مكتمل، وهو ما يناقض ببراعة وخفاء الخاتمة الشهيرة للقصيدة: "الجمال هو الحقيقة، والحقيقة هي الجمال؛ هذا كل ما تعرفونه على الأرض، وكل ما تحتاجون إلى معرفته"(). أما "قصيدة عن الكآبة" فتُقر بأن الحزن رفيق حتمي للشغف والسعادة الإنسانيين، وأن زوال الفرح والرغبة هو سمة حتمية للعملية الطبيعية؛ غير أن الإيقاع الغني والمتأني لهذه القصيدة - وغيرها من القصائد - يوحي بمتعة ذات كثافة وعمق يجعل اللحظة أبدية. وتُعد قصيدة ("إلى الخريف". 1820)() في جوهرها توثيقاً لمثل هذه التجربة؛ إذ لا يُنظر إلى الخريف بوصفه زمناً للذبول والاضمحلال، بل كفصلٍ للنضج والاكتمال التام، ولحظة توقف في الزمن حيث تبلغ الأشياء ذروة ثمارها، وحيث تكاد مسألة الزوال لا تُطرح أصلاً. وتُعتبر هذه القصائد - بما تحمله من تفاصيل حسية غنية وفائقة الروعة وعمق تأملي - من أعظم إنجازات الشعر الرومانسي. ويجب أن نذكر إلى جانب هذه الأعمال قصيدة "البالاد" (القصصية الغنائية)() المعنونة "الجميلة بلا رحمة"() -التي نُشرت عام 1820 وتعود للفترة الزمنية نفسها تقريباً- إذ تكشف هذه القصيدة عن الوجه الآخر المدمّر للحب المثالي الحالم الذي صوّره كيتس في قصيدة "عشية القديسة أغنيس".

لقد كُتبت ملحمة كيتس الشعرية غير المكتملة "هيبيريون"() في نسختين؛ فالنسخة الثانية هي مراجعة وتعديل للأولى مع إضافة مقدمة طويلة بأسلوب جديد، مما جعلها تبدو وكأنها قصيدة مختلفة تماماً. بدأ كيتس العمل على "هيبيريون" في خريف عام 1818()، وأنجز كل ما هو متاح من النسخة الأولى بحلول شهر أبريل من عام 1819.() وفي سبتمبر، كتب كيتس إلى صديقه رينولدز يخبره بأنه تخلى عن "هيبيريون"، إلا أنه يبدو أنه واصل العمل على النسخة المعدلة -التي حملت عنوان "سقوط هيبيريون"()- خلال خريف عام 1819.() وتغطي نسختا "هيبيريون" الفترة التي شهدت أكثر تجارب كيتس كثافة وعمقاً، سواء على الصعيد الشعري أو الشخصي. وتُعد هذه القصيدة محاولته الأخيرة -في ظل تدهور حالته الصحية وإخفاقه في الحب- للتصالح مع الصراع بين القيمة المطلقة والزوال الفاني، وهو صراع ظهر بأشكال أخرى في قصائده السابقة. يتمحور موضوع الملحمة حول إزاحة الآلهة اليونانية القديمة (الجبابرة)() وحلول آلهة الأوليمب اللاحقة محلهم. وتتضح رغبة كيتس في كتابة عمل يختلف عن الأسلوب المسترسل والمترف في قصيدة "إنديميون"()؛ إذ سعى بوعي لمحاكاة الشموخ الملحمي الذي اتسمت به ملحمة "الفردوس المفقود"() للشاعر جون ميلتون (1608-1674)()، الذي شغل سابقاً منصب أمين اللغات الأجنبية لدى مجلس الدولة في الكومنولث.. تستهل القصيدة أحداثها والجبابرة قد سقطوا بالفعل -على غرار ملائكة ميلتون الساقطين- ويبرز "هيبيريون"، إله الشمس، بوصفه أملهم الوحيد في مواصلة المقاومة، تماماً مثل شخصية "الشيطان" عند ميلتون. ورغم وجود سمات أسلوبية عديدة تحاكي أسلوب ميلتون، إلا أنها خفّت حدتها في النسخة المعدلة نظراً لعدم رضا كيتس عنها؛ إذ يتضح في النهاية أن جوهر الكتابة يعكس أسلوب كيتس الخاص ولكن بصورة أكثر رصانة وانضباطاً. ورغم أن المادة السردية المتاحة لا تكفي لتوضيح المسار النهائي للقصيدة، إلا أنه يبدو أن بطلها كان سيكون "أبولو" الشاب، إله الشعر. وهكذا، فكما كانت "إنديميون" رمزاً (أليغوريا)() لمصير عاشق الجمال في هذا العالم، ربما كان يُراد لـ "هيبيريون" أن تكون رمزاً للشاعر بصفته مبدعاً؛ وهي تيمة يتناولها كيتس صراحةً في المقدمة الجديدة للنسخة الثانية.

تُعد النسخة الثانية من قصيدة "هيبيريون" واحدة من أبرز الأعمال الكتابية في مسيرة كيتس؛ إذ يتسم الشعر المرسل فيها بطاقة وسرعة جديدتين، وتُعرض الرؤية الشعرية بأسلوب يتسم بعظمةٍ تتجنب التكلف، لتبلغ ذروتها في لحظة التجلي التي تظهر فيها الإلهة "مونيتا"() لتكشف للحالم عن دور الشاعر في العالم؛ فمن واجبه أن ينأى بنفسه عن مجرد كونه حالماً، وأن يشارك البشرية في معاناتها. ورغم أن هذه الفكرة ليست جديدة على كيتس -إذ ظهرت في بواكير شعره- إلا أنها تتجلى هنا بكثافة وعمق أكبر بكثير.() ومع ذلك، ونظراً لتهديد الموت المحدق به، لم يتمكن كيتس من المضي قدماً في ذلك المسار الذي كان يراه صائباً، فظلت القصيدة عملاً غير مكتمل.

لم يتبقَّ ما يُذكر عن مسيرة كيتس الشعرية؛ فقد نُشرت قصائد "إيزابيلا"() و"لاميا"() و"عشية القديسة أغنيس" ()و"هايبريون"() ومجموعة القصائد الغنائية() جميعها في المجلد الشهير الصادر عام 1820()، وهو العمل الذي يُبرز المدى الحقيقي لقدراته الإبداعية. صدر هذا المجلد في شهر يوليو، وهي الفترة التي كان فيها مصير كيتس المحتوم قد بات واضحاً؛ إذ كان يعاني من تدهور صحي متزايد طوال عام 1819()، وبحلول مطلع عام 1820()، ظهرت بوضوح علامات إصابته بمرض السل. لقد أدرك كيتس أن هذا المرض بمثابة حكم بالإعدام عليه، ومنذ ذلك الحين، أصبح مواصلة العمل أمراً مستحيلاً. وقد تولى أصدقاؤه -براون، وعائلة هانت، وفاني براون ووالدتها- رعايته بتفانٍ طوال ذلك العام. وعندما علم الشاعر الإنجليزي بيرسي بيش شيلي (1792-1822)() بحالته، كتب إليه يعرض عليه استضافته في مدينة بيزا، إلا أن كيتس لم يقبل العرض. وحين أُمر كيتس بالانتقال إلى الجنوب لقضاء فصل الشتاء، تطوع الرسام الإنجليزي جوزيف سيفيرن (1793-1879)() لمرافقته إلى روما. أبحر الاثنان في سبتمبر 1820()، وانتقلا من نابولي إلى روما، حيث عانى كيتس من انتكاسة صحية في أوائل ديسمبر؛ فوافته المنية في روما بعد أن حظي برعاية مخلصة من سيفيرن حتى لحظاته الأخيرة.

تُعد رسائل كيتس المصدرَ الأهم لفهم حياته وتطوره الشعري؛ فهذه المراسلات -التي جمعته بإخوته وأخته وأصدقائه المقربين وفاني براون- ترسم صورةً بالغة الخصوصية والصدق لنزاهة شخصيته المتميزة، وتتيح للقارئ تتبع تطور أفكاره حول الشعر، سواء شعره هو أو شعر الآخرين، عن كثب.()

وتكشف رسائله عن عمقٍ في التفكير يقترن باستجابة نقدية تتسم بالسرعة والحساسية والبعد عن النزعة التعليمية المباشرة. إنها رسائل تجمع بين العفوية والبساطة وعمق الفكر وصدق الشعور، وتُصنَّف بلا شك ضمن أفضل الرسائل التي كتبها أي شاعر إنجليزي؛ فهي لا تكتفي بكونها تعليقاً على أعماله الأدبية، بل تتمتع بقيمة أدبية مستقلة بحد ذاتها.()

الخلاصة: من المستحيل تحديد حجم ما فُقِدَ جراء الوفاة المبكرة للشاعر كيتس. لقد تنامت شهرته باطراد طوال القرن التاسع عشر، وإن كان الرسام البريطاني المنتمي لجماعة "ما قبل الرافائيلية"()، ويليام هولمان هانت (1827-1910)()()، لا يزال يصفه -حتى في أربعينيات ذلك القرن- بأنه "شاعرٌ قليل الشهرة". وتتجلى بصمته بوضوح في الشعر الرومانسي الزاخر بالصور والزخارف الفنية إبان العصر الفيكتوري، بدءاً من الأعمال المبكرة للشاعر الإنجليزي ألفريد، اللورد تينيسون (1809-1892)() وما تلاها. وقد حظيت نزعته العاطفية العامة ودقته المتناهية في رصد الطبيعة بإعجاب كبير لدى فناني "ما قبل الرافائيلية"، الذين استلهموا روحه الشعرية في أعمالهم الأدبية وصوّروا مضامينها في لوحاتهم الفنية. ومع ذلك، فإن أتباع كيتس في القرن التاسع عشر قد ركّزوا -في مجملهم- على الجوانب السطحية من أعماله، ليكون القرن العشرون هو الذي أدرك -إلى حد كبير- الأبعاد الكاملة لإنجازاته الفنية والفكرية.

- توفي في 23 فبراير 1821، روما، الولايات البابوية - إيطاليا.()
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Copyright © 2026
المكان والتاريخ: طوكيو ـ 09/13/26
ـ الغرض: التواصل والتنمية الثقافية
ـ العينة المستهدفة: القارئ بالعربية (المترجمة).



#أكد_الجبوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تحديات قمة -البريكس- على المحك في نيودلهي/الغزالي الجبوري - ...
- تَرْويقَة: قصيدتان/بقلم كويزومي ياكومو* - ت: من اليابانية أك ...
- تَرْويقَة: لا تسألني كيف يمضي الوقت/ بقلم خوسيه إميليو باتشي ...
- تَرْويقَة: لا تسأليني كيف يمضي الوقت/ بقلم خوسيه إميليو باتس ...
- مُوسِيقى: روبرت شومان - مدخل (7-17)/ إشبيليا الجبوري - ت: من ...
- ألمانيا و أنتصار اليمين المتطرف/الغزالي الجبوري - ت: من الفر ...
- المرأة الراعية لتشايكوفسكي/إشبيليا الجبوري - ت: من اليابانية ...
- اليمن: من المعاناة المُتجاهلة إلى تجدد الحرب الأهلية/الغزالي ...
- صراع الثقافة العلمية من تسويق اليقين (1-5)/ أبوذر الجبوري - ...
- صراع الثقافة العلمية من تسويق اليقين/ أبوذر الجبوري - ت: من ...
- الأوبرا: أوبرا -البوهيمية-/إشبيليا الجبوري - ت. من اليابانية ...
- تَرْويقَة: قصيدتان + 2/ بقلم ألبرت فيرفي* - ت: من الألمانية ...
- إضاءة: رحلة عزاء أوتار العازف الخالدة/ إشبيليا الجبوري - ت: ...
- نيتشة والعدمية العملية: قيمة الفن ومأزق الوجود (12-15)/ إشبي ...
- تَرْويقَة: الطيور/بقلم فريدريش فون شليغل* - ت: من الألمانية
- تَرْويقَة: قصيدتان/بقلم كارل ثيودور كورنر* - ت: من الألمانية ...
- السينما والحرب/ إشبيليا الجبوري - ت: من اليابانية أكد الجبور ...
- الموقف الصيني من العقوبات الامريكية على إيران/ الغزالي الجبو ...
- العقوبات الامريكية ورد فعل إيران من عزلها/ الغزالي الجبوري - ...
- تَرْويقَة: خمس قصائد/ بقلم روبرت هيريك* - ت: من الانجليزية أ ...


المزيد.....




- بعد غياب استمر 6 سنوات.. سيلين ديون تحيي أول حفل لها في باري ...
- كالأفلام.. امرأتان تكتشفان أنهما شقيقتان بعد عقود من صداقتهم ...
- قراءات أدبية إخترنا لك: رواية -ليديا - تاليف: الكاتب عادل ا ...
- فيلم وثائقي عن الضحايا المدنيين في غزة يفوز بجائزة لجنة التح ...
- بوتين وولي عهد أبو ظبي يتفقان على ترجمة نتائج قمة -بريكس- إل ...
- سيلين ديون تعود إلى المسرح في باريس بدموع الفرح بعد غياب 6 س ...
- دليل المفاهيم التنظيمية: هيكلية منظمة العمل العربية ونظام ال ...
- -الأطفال يستحقون الأفضل-.. يوتيوبر يقتحم المسرح خلال كلمة رئ ...
- كمال ميرزا: متلازمة إدوارد سعيد تكشف أزمة النخبة العربية
- كاظم الساهر.. كيف صنعت القصيدة واللحن والهوية جمهورا لا يشيخ ...


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أكد الجبوري - رْويقَة: قصيدة إلى العندليب/ بقلم جون كيتس* - ت: من الإنجليزية أكد الجبوري