أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حسين سالم مرجين - نحن بحاجة إلى ليبية التطوير والتحصين: نقد لأوهام الرتق الجزئي في التعليم العالي















المزيد.....

نحن بحاجة إلى ليبية التطوير والتحصين: نقد لأوهام الرتق الجزئي في التعليم العالي


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 8869 - 2026 / 10 / 25 - 04:47
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


على الرغم من الوجاهة الفنية والظاهرية لمشروعات التدويل الأكاديمي والمواءمة مع منظومة بولونيا الأوروبية، مثل مشروع أرمونيا، إلا أن تدقيق والتمعن النظر فيها يكشف عن إشكالية بنيوية؛ فهي لا تعدو كونها ترميمًا جزئيًا لمنظومة تعليمية مأزومة تحتاج في الأصل إلى مراجعة شاملة وإصلاح جذري. كما إن حصر المشهد في سياقات إجرائية محددة، مثل آليات احتساب الساعات التدريسية وأعباء التعليم والامتحانات، يغفل حقيقة أن الأزمة الكبرى في التعليم العالي الليبي ليست أزمة حساب تلك الساعات، وإنما هي أزمة منظومة مشلولة تفتقر إلى أهم مقومات النجاح، وعلى رأسها الاستقرار السياسي والأمني والتشريعي؛ إذ كيف يمكن بناء نظم مرنة ودولية وسط بيئة تفتقر إلى الاستقرار المؤسسي المستدام؟ والكتابة هنا هي نافذة إلى الحرية، وهي طريقة لإزاحة القيود قليلًا من أجل جرعات أمل.
وبالتالي، فإن السؤال الجوهري الذي يقفز إلى الذهن هنا هو: ما حجم العائد الفعلي والفائدة الملموسة التي سيجنيها الطالب أو الخريج الليبي من هذه المشروعات حاليًا؟ إن الفائدة الأكاديمية المرجوة من تسهيل القبول الدولي، رغم أهميتها الإجرائية في تسريع الاعتراف بالشهادات ومعادلتها، تظل فائدة قاصرة ومحصورة في فئة محدودة جدًا من الطلبة؛ أولئك الذين يملكون القدرة على الهجرة أو مواصلة الدراسات العليا في الخارج، خاصة وأن الخريج الليبي يُقبل بوضعه الحالي في كبريات الجامعات العالمية. أما من الناحية الاقتصادية والتنموية في الداخل، فإن ربط هذه المشروعات بفرص التوظيف والتدويل المتبادل يظل أمرًا مستبعدًا ومحاطًا بعقبات سياسية ودبلوماسية تتجاوز حدود أسوار الجامعة. كذلك فإن الانكفاء على إصلاح القشور الرقمية للساعات المعتمدة، دون معالجة عمق المنظومة وتوفير بيئتها السياسية الحاضنة والداعمة، يهدد بتحويل هذه المشاريع الدولية إلى مجرد حبر على ورق، وتطبيقات شكلية تعجز عن ملامسة طموح الطالب أو تغيير واقع الخريج الميداني.
وتتبدى المفارقة الكبرى في هذا السياق عند النظر إلى واقع الخطة الاستراتيجية المنظِّمة للتعليم العالي سواء الرسمية التي قام بها المجلس الوطني للتخطيط، أو تلك الخطة التي قامت بها الوزارة نفسها؛ إذ يغيب هذا المسار تمامًا عن مستهدفاتها المعلنة، فضلًا عن كونه يصطدم بعقبة تشريعية بالغة التعقيد. حيث إن الانتقال نحو فلسفة جديدة لاحتساب الساعات المعتمدة لا يتطلب مجرد تعديلات طفيفة في اللوائح الداخلية للجامعات، بل يستلزم تغيرات تشريعية في اللائحة العامة للتعليم العالي التي تملك وحدها سلطة تحديد الساعات والدرجات والأنظمة الأكاديمية على مستوى الدولة. بناءً على ذلك، فإن مخرجات مثل هذه المشروعات الدولية تتجاوز بوضوح صلاحيات ومسؤوليات رؤساء الجامعات، لتضع الأمر برُمّته أمام مجلس التخطيط الوطني؛ كونه الجهة السيادية المناطة قانونًا بناء الخطط الاستراتيجية للدولة وتطوير منظومة التعليم، والتي لم تُدرج هذا التحول ضمن أجندتها الحالية.
وفي هذا الصدد، فإن التبشير بآليات احتساب الساعات التدريسية، وأعباء التدريس والواجبات المنزلية والتحضير، وساعات الامتحانات، هو بلا شك إطار نظري جيد في أدبيات الجودة؛ لكن إدخال هذه المصفوفات الرقمية دون إصلاح فلسفة التقييم المساندة وبناء قدرات عضو هيئة التدريس، هو محاولة لبناء السقف قبل إرساء القواعد. فالساعات المعتمدة وحساب جهد الطالب هي نتاج حتمي لطرق تدريس حديثة تتمحور حول الطالب، وليست قالباً رقمياً يُفرض قسرًا على عقليات تُدار بالتلقين والصراع.
وهذا يدفعنا إلى القول بأن المصارحة تقتضي الاعتراف بأننا بحاجة ماسة ومستعجلة لإعادة النظر في جل برامجنا الأكاديمية؛ بدءًا من طرق التدريس والتقييم، وصولًا إلى مراعاة الفروق الفردية وآليات التعامل مع الطالب باعتباره محور العملية التعليمية وشريكًا فيها، لا طرفًا في صراع شخصي. وهنا نسارع إلى القول إن علينا أن نقر بشجاعة بأن قسمًا من أعضاء هيئة التدريس في جامعاتنا اليوم لم يتلقوا أي تدريب تربوي يؤهلهم لمهنة التدريس، ولم ينخرطوا يوماً في دورات تخصصية في مجالي التدريس والتعلم؛ إذ غدا العبور إلى الجامعات مرهونًا بحمل الشهادة الأكاديمية وحدها، دون النظر إلى الكفايات التربوية، وهو التحدي الأكبر.
وتستحضرني هنا واقعة حية رُصدت في إحدى الكليات تعكس هذا الخلل البنيوي في ممارسات التقييم؛ حيث تقدم أحد الطلبة بطعن رسمي لمراجعة درجاته في مقرر شارف فيه على النجاح بفارق درجتين أو ثلاثة، أملًا في أن تنظر لجنة الدراسة والامتحانات في حالته، غير أن الطعن رُفض بشكل قاطع. والمفارقة تجلت عند استيضاح الأسباب من إدارة الكلية، حيث تبيّن أن أستاذ المقرر يتبنى موقفًا مبدئيًا برفض الطعون من أساسه، لدرجة تسببه في رسوب حالات أخرى على درجة ونصف دون أي اعتبارات أكاديمية أو تربوية! وعند تتبع السيرة المهنية لهذا الأستاذ، اتضح أنه وفد إلى الجامعة من قطاع آخر مستفيدًا من قوانين تسوية الأوضاع؛ مما يعني أنه لم يتلقَّ أي تأهيل أكاديمي أو تربوي يؤهله للوقوف في المدرجات، هذه معلومة مقتضبة ولكنها أقرب للواقع المسكوت عنه.
وأضف إلى ما سبق حقيقة أخرى وهي إن هذه النماذج الدخيلة لم تعد حالات فردية، بل أصبحت ظاهرة تتكاثر في جامعاتنا اليوم. وأمام هذا الواقع المأزوم، يصبح السؤال الأكبر المطروح على خبراء الجودة وصناع القرار: كيف سنراجع ونفكك هذا الواقع المشوه؟ وكيف يمكن معادلات الساعات المعتمدة والأوزان الأوروبية أن تُصلح عقليات وسلوكيات أساتذة لم يتعلموا يومًا كيف يكونون معلمين؟
إن هذا المشهد المربك يدفعنا متسارعين نحو ضرورة ضبط البوصلة وتحديد الغاية الحقيقية من عمليات التطوير والتحصين داخل الجامعات الليبية ويطرح السؤال البارز هو: هل الهدف هو مجرد التماهي الشكلي ومواكبة الجامعات الأوروبية في جزئية إجرائية محددة كطريقة احتساب قيم الساعات؟ أم أن المرحلة تقتضي مراجعة شاملة للمنظومة برمتها؟
وتأسيسًا على ذلك، فإننا بحاجة ماسة إلى مشروع نهضوي يكون ليبي التطوير والتحصين في جوهره وأهدافه؛ يركز على تأهيل وتدريب الأساتذة، وإصلاح اللوائح والسياسات، وضمان الاستقرار الحاضن، بدلًا من الانسياق وراء نماذج مستوردة تجعل من تعليمنا العالي مجرد واجهة أوروبية الشكل، هجينة المضمون، تعجز عن ملامسة الهوية الوطنية والاحتياجات الفعلية للمجتمع. وبالتالي، فإن أي بوصلة لا تشير إلى ليبية التطوير والتحصين، ستكون بوصلة عمياء، فشروق الشمس لا ينتظر النائمين.



##حسين_مرجين (هاشتاغ)       Hussein_Salem__Mrgin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ديناميكيات الاحتجاجات الشبكية لجيل زد: من التعبئة الخوارزمية ...
- الجامعات الليبية بين سراب التصنيفات الدولية وأولويات غائبة ف ...
- الذكاء الاصطناعي وتحولات البحث السوسيولوجي: نحو سوسيولوجيا خ ...
- أثر مخرجات التعليم في السلوك الاحتجاجي الطلابي : قراءة سوسيو ...
- قياس الأثر في الجامعات العربية: من المنهجية الواحدة إلى مرون ...
- وهم تصنيف ستانفورد: لماذا تحتاج العلوم الاجتماعية في العالم ...
- الذكاء الاصطناعي تسونامي معرفي: مقاربة سوسيولوجية في الإكراه ...
- هل الجامعات العربية مستعدة لجامعات المستقبل؟
- 7 أكتوبر بين الاختزال النفسي والزلزال الجيوسياسي: مراجعة فكر ...
- غابات المشكلات وبذور التحول المؤجل
- كيف هندس نظام التفاهة انهيار مؤسسات الدولة في ليبيا؟
- المناهج التعليمية في ليبيا بين وهم الجودة وسوسيولوجيا التشظي ...
- اغتراب السوسيولوجيا الليبية: عودة إلى سؤال لماذا نكتب في علم ...
- ديناميكيات القوة وسيولة التحالفات في المشهد الليبي بعد عام 2 ...
- سوسيولوجيا الحقل المعرفي في بيئات الهشاشة: صراع الحوكمة والم ...
- إعادة هندسة علم الاجتماع في الجامعات الليبية: المسارات الوظي ...
- قراءة نقديّة في حوكمة المناهج التعليمية الليبية
- من شرنقة المعرفة المريحة إلى سوسيولوجيا الاشتباك: بيان لتثوي ...
- الجودة والاعتماد في المؤسسات التعليمية الليبية : الإشكاليات، ...
- قراءة تفكيكية في الاستراتيجية الوطنية الليبية للشباب (2026-2 ...


المزيد.....




- أوباما يخاطب عبدالرحمن السيد بعد هجمات ترامب عليه بسبب اسمه ...
- السيسي يرد على من يراهن بقبول مصر فرض الأمر الواقع أو التفري ...
- بيسكوف: روسيا سترحب بترشيح أوروبا مبعوثا للتفاوض حول أوكراني ...
- حقبة جديدة من التهديدات الإرهابية في بريطانيا
- لقطات توثق أعمال التخريب والاشتباكات في شوارع برشلونة مساء أ ...
- التحالف يعلن اعتراض صاروخ ثان أطلقه الحوثيون باتجاه السعودية ...
- الأحد الحاسم.. البرازيل تصوت بين خبرة لولا ووعود بولسونارو ا ...
- ألمانيا تعلن مشاركتها بأول مناورة عسكرية لـ-تحالف الراغبين- ...
- بلغاريا تنتخب رئيسها.. وإيوتوفا في الصدارة
- الخليل تحت الحصار.. يوم ثان من الغاز والاقتحامات قبل الانتخا ...


المزيد.....

- التخطٌط ودوره في استثمار صحراء البصرة لتنمية السياحة البيئي ... / سيف سعد سلمان
- التربية الرقمية للكاتبة د-انتصار الخشت / انتصار كامل جفلان الخشت
- الكنز المخفي / انتصار كامل جفلان الخشت
- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حسين سالم مرجين - نحن بحاجة إلى ليبية التطوير والتحصين: نقد لأوهام الرتق الجزئي في التعليم العالي