أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - اغتراب السوسيولوجيا الليبية: عودة إلى سؤال لماذا نكتب في علم الاجتماع؟














المزيد.....

اغتراب السوسيولوجيا الليبية: عودة إلى سؤال لماذا نكتب في علم الاجتماع؟


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 18:47
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


قبل شهور، كتبتُ مقالاً تساءلت فيه: لماذا نكتب في علم الاجتماع؟ لكن تلك الكلمات مرت دون أن تثير نقاشًا يُذكر في محيطنا الأكاديمي. دفعني هذا الصمت إلى كتابة مقال ثانٍ أحاول فيه تحريك المياه الراكدة، وكانت النتيجة صمتًا مماثلًا. واليوم، أجدني مدفوعًا لكتابة المقال الثالث، حاملًا السؤال ذاته الذي يرفض أن يغادر مخيلتي.
لقد تملّكني هذا التساؤل فور عودتي مؤخرًا للتدريس في قسم علم الاجتماع بجامعة طرابلس، بعد سنوات قضيتها في العمل البحثي بالهيئة الليبية للبحث العلمي. إن العودة إلى قاعات الدراسة والالتقاء بالزملاء وضعتني مباشرة أمام واقع القسم وأزماته الراهنة.
وتظل الأزمة الأكثر قلقًا اليوم هي ظاهرة عزوف الطلبة الملحوظ عن تخصص علم الاجتماع. هذا الواقع يفرض علينا مواجهة أنفسنا بسؤال نقدي جاد: لمن نكتب؟ وما جدوى تخصص يفقد جمهوره من صناع المستقبل؟
رغم أن أهمية علم الاجتماع تبدو بديهية لنا كمتخصصين، إلا أنها لا تزال غامضة وغير مفهومة في الوعي المجتمعي العام. وهنا، يجب أن نتحلى بالشجاعة الأكاديمية ونعترف بالملخص الصادم: لقد فشلنا في إثبات الأثر الحقيقي لعلم الاجتماع في واقعنا، وعجزنا عن إبراز قيمته العملية، خاصة لدى صُنّاع القرار ورسامي السياسات في مؤسسات الدولة.
فمنذ عام 1954م، حين بدأت الجامعة الليبية في تدريس علم الاجتماع، وحتى يومنا هذا، أي على مدار سبعة عقود تقريبًا، لم ينجح التخصص في ترك أثر ملموس في الفضاء العام. لم يشارك في هندسة السياسات الاجتماعية، ولم يقدم حلولًا جذرية للأزمات الوطنية المتلاحقة.
لقد تحول علم الاجتماع شأنه شأن بقية تخصصات العلوم الإنسانية إلى مجرد رافد لمهنة التدريس؛ حيث كان الخريج يتجه تلقائيًا نحو قطاع التعليم نتيجة غياب مراكز البحوث في العقود الماضية. ورغم ما نشهده اليوم من طفرة في هذه المراكز، وعلى رأسها الهيئة الليبية للبحث العلمي، إلا أن هذه المؤسسات لم تستثمر تخصص علم الاجتماع بالشكل المطلوب حتى الآن.
إن هذا الغياب المؤسسي لم يكن وليد الصدفة. فلربما فعلت أربعة عقود من النظام السياسي السابق فعلتها في هذا القسم العريق؛ حيث جُرِّد العلم من وظيفته النقدية، وفقد بريقه وقدرته على تشخيص الأزمات والتحولات المجتمعية الحقيقية.
واليوم، يتجلى هذا الإخفاق في غياب الندوات والمؤتمرات العلمية الفاعلة التي تعيد تقديم القسم والمجتمع لبعضهما البعض. والنتيجة الحتمية لهذا المسار التاريخي هي فشلنا الجماعي في إثبات جدوى علم الاجتماع، والإجابة عن سؤال: لماذا نكتب فيه أصلًا؟
لكن ما يبعث على القلق البالغ حقًا، هو حالة عدم المبالاة والسكون المعرفي السائدة حتى بين الأساتذة أنفسهم تجاه هذا الانحدار الحاد، والنزيف المستمر في أعداد الطلبة المقبلين على هذا التخصص.
بناءً على ذلك، يشهد واقعنا الأكاديمي اليوم مفارقة صارخة تلخص أزمة التخصص: ضمور حاد في أعداد الطلبة، يقابله تضخم كمّي في أعداد الأقسام والأساتذة! ففي الوقت الذي تنتشر فيه عشرات أقسام علم الاجتماع في الجامعات الليبية، نجد هذا العزوف الصادم من الطلبة.
إن هذا التراجع يحدث بالرغم من أن التحولات الكبرى والأزمات المركبة التي مرت بها ليبيا، لا سيما بعد عام 2011، كانت تمثل فرصة تاريخية لعلم الاجتماع؛ فرصة للخروج من الشرنقة التي طُوّق بها لعقود واستعادة دوره كأداة للفهم والتشخيص وطرح الحلول والمعالجات.
بيد أن الواقع المرير يكشف عن أن حدود هذه الشرنقة قد تجاوزت جدران الجامعة، لتمتد للأسف الشديد وتُحكم قبضتها على عقول الأساتذة أنفسهم؛ حيث انكفأ كثير منهم على الأنماط التقليدية والتدريس النظري الجامد، المعزول تمامًا عن نبض الشارع وتحولاته.
وهنا، أجدني مدفوعًا للقول بأن هذا السياق المتأزم يحتاج إلى مراجعة جذرية شاملة. إن لم نعد تعريف علم الاجتماع في الوعي المجتمعي بوصفه حقلًا استراتيجيًا يستقطب عقولًا متميزة تجيد التفكير النقدي وتتقن أدوات البحث، فإننا نحكم على التخصص بالفناء. إن الإجابة عن أسئلتنا الوجودية المؤجلة أصبحت معركة بقاء تتلخص في ثلاثة أسئلة مصيرية مترابطة:
1. كيف سنكتب؟ كيف ننتقل من الكتابة النظرية الجامدة والمعزولة إلى كتابة سوسيولوجية حية، تشخص الأزمات وتساهم فعليًا في هندسة السياسات العامة للدولة الليبية؟
2. كيف نجعل الآخرين يقرؤون ما نكتب؟ كيف نهدم الجدران العازلة بين الجامعة والمجتمع، لتصل أبحاثنا وتصل الصورة الواقعية بكل تجرد وعمق إلى صُنّاع القرار، والفاعلين، والجمهور العام في الفضاء المشترك؟
3. وكيف نُنشئ جيلاً يكتب؟ وهو السؤال الأهم لعلاج نزيف وعزوف الطلبة.
إن كل ذلك يدفعنا إلى القول بأننا بحاجة ماسة ومستعجلة إلى إطلاق مشروع وطني حقيقي لعلم الاجتماع في ليبيا. مشروع يتأصل في عمق المجتمع، ويرتبط ارتباطًا عضويًّا بمشاريعه التنموية، ويساهم مساهمة فعلية في بناء السياسات العامة وهندستها.
إننا بحاجة لإعادة تعريف علم الاجتماع في الوعي المجتمعي، بوصفه حقلًا استراتيجيًا يتطلب مدخلات متميزة من الطلاب والباحثين عقولًا تجيد التفكير النقدي، وتتقن أدوات البحث العلمي، وتمتلك القدرة على ابتكار الحلول والمعالجات للأزمات الراهنة.
فمن خلال تنظيم ملتقى وطني يجمع الخبراء بصناع القرار وتفعيل الدور التنموي للعلم، ربما نعيد بريق التخصص ليكون جاذبًا لصناع المستقبل.
وهذا يعني بأننا لا نكتب لمجرد التدوين؛ بل نكتب كي يعيش علم الاجتماع، وكي نمنح الجيل القادم الأدوات ليقرأ، ويفهم، ويشخص واقع بلاده من جديد ويضع المعالجات المطلوبة.



##حسين_مرجين (هاشتاغ)       Hussein_Salem__Mrgin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ديناميكيات القوة وسيولة التحالفات في المشهد الليبي بعد عام 2 ...
- سوسيولوجيا الحقل المعرفي في بيئات الهشاشة: صراع الحوكمة والم ...
- إعادة هندسة علم الاجتماع في الجامعات الليبية: المسارات الوظي ...
- قراءة نقديّة في حوكمة المناهج التعليمية الليبية
- من شرنقة المعرفة المريحة إلى سوسيولوجيا الاشتباك: بيان لتثوي ...
- الجودة والاعتماد في المؤسسات التعليمية الليبية : الإشكاليات، ...
- قراءة تفكيكية في الاستراتيجية الوطنية الليبية للشباب (2026-2 ...
- علم الاجتماع في الجامعات الليبية: من شرنقة التدجين المنهجي إ ...
- مؤتمر الخبراء الليبيين: تشتت البوصلة بين خطاب الطموح وواقع ا ...
- سوسيولوجيا الحياة اليومية في ظل الأزمات المستدامة: تشريح لآل ...
- تآكل الضبط الاجتماعي في ليبيا: نحو استراتيجية وطنية لترميم ا ...
- عقلية الكدوة: نمط حياة وصنع قيم التضامن والضبط الاجتماعي في ...
- البحث الاجتماعي: من سوسيولوجيا الغوص في الميدان إلى وجبات ال ...
- نحو سوسيولوجيا تطبيقية: مرحلة هندسة الأدلة في علم اجتماع الأ ...
- نحن بحاجة إلى معايير ومؤشرات الصمود للمؤسسات التعليمية الليب ...
- معايير ومؤشرات الصمود لضمان جودة التعليم في بيئات النزاع الع ...
- تشريح سوسيولوجي لظاهرة أمراء الحرب وخصخصة الدولة في ليبيا
- كيف نرى الجودة وضمانها في التعليم بليبيا ؟ أطر الحوكمة ورهان ...
- الانقلاب على حتحات على ما فات: هندسة الذاكرة الليبية سيكولوج ...
- تأصيل التفاهة وتأميم الذاكرة: قراءة في المتخيل القبلي والسيا ...


المزيد.....




- تضامنًا مع CNN.. شبكات تلفزيونية ترفض إرسال طاقم التغطية الم ...
- 86 نائبا يتهمون رئاسة مجلس النواب الليبي بمنعهم من ممارسة مه ...
- ترامب متردد بشأن ضرب الحوثيين.. هل تنجح ضغوط السعودية في تغي ...
- السلطات التونسية توقف 15 شخصًا عقب تحركات تضامنية مع معتقلي ...
- هل تقلق موسكو؟ .. مناورات تجمع أمريكا وليبيا والمغرب والجزائ ...
- ترامب: الحرب في أوكرانيا يجب أن تنتهي
- آلاف الروس يدلون بأصواتهم في انتخابات مجلس الدوما في مصر
- ترامب: نستهدف -الأخبار الكاذبة- لا حرية الصحافة
- ترامب يعرب عن إعجابه بقيادة الرئيس اللبناني ويشكره على وسام ...
- -روسيا الموحدة- بصدد الحصول على عدد قياسي من مقاعد مجلس الدو ...


المزيد.....

- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - اغتراب السوسيولوجيا الليبية: عودة إلى سؤال لماذا نكتب في علم الاجتماع؟