حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)
الحوار المتمدن-العدد: 8788 - 2026 / 8 / 5 - 12:22
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
إلى أين تتجه ليبيا؟ سؤالٌ جوهري لا يزال يؤرق النخبة والمواطن على حد سواء، كلما عصفت بالبلاد دورات جديدة من النزاع المسلح والانسداد السياسي. في ظل المشهد الراهن المتمثل في الانقسام الحكومي بين الشرق والغرب، وتعدد الفاعلين المسلحين في المنطقة الغربية، يبدو أن بوصلة بناء الدولة قد فُقدت. وهنا يبرز السؤال السوسيولوجي الأهم: هل تمتلك ليبيا مقومات بناء مؤسسات الدولة الصامدة في وجه الهزات الارتدادية للأزمات؟
إن الإجابة عن هذا التساؤل تستدعي بالضرورة استدعاء الذاكرة الجمعية الليبية؛ باعتبارها مخزنًا للخبرات التاريخية ومحددًا لفرص الاستقرار والاندماج الاجتماعي. فالروابط والمشتركات الوجدانية والتاريخية والآلام والآمال المشتركة بين الليبيين تفوق عوامل التجزئة والانقسام.
وإذا ما فككنا المشهد سوسيولوجيًا وتاريخيًا، نجد تشابهًا بنيويًا مع نهاية الدولة القره مانلية (عهد يوسف باشا)، حيث دخلت البلاد بعد سقوطها في أتون حرب أهلية واقتتال داخلي بين معسكر علي بن يوسف ومعسكر ابن أخيه محمد بن محمد. هذا الفراغ السياسي أدى إلى حالة عارمة من التشتت، وبروز انتفاضات وحركات مسلحة كبرى كحركة غومة المحمودي وعبد الجليل سيف النصر. ولم تسترد البلاد استقرارها النسبي إلا بعد التدخل العثماني الثاني وإعادة تنظيم الإدارة عام 1850.
إن تلك المرحلة التاريخية تخبرنا بأن استعادة وحدة البلاد وبناء مؤسساتها استغرق زهاء خمسة عشر سنة من عدم الاستقرار. واليوم، ونحن في عام 2026، يواجه المجتمع الليبي ذات السؤال حول أسباب تعثر الاستقرار وتأخر إرساء السلم والاستقرار الأهلي.
لمعالجة هذه الفرضية، يطرح المنهج السوسيولوجي تساؤلاً كلاسيكيًا: مَن المستفيد من استدامة الفوضى؟
تشير القراءة البنيوية للمشهد إلى تشكّل نخبة أزمة وطبقة سوسيولوجية هجينة نمت وتغذت على هذا الانقسام والتفكك السياسي، حتى أضحت تسيطر على المقدرات الاقتصادية وتمتلك القوة العسكرية الحمائية. ولعل التجاوزات المالية التي ترصدها بانتظام تقارير ومحاضر مكتب النائب العام، والتي تتحدث عن هدر واختلاس ملايين بل مليارات الدينارات، تمثل دليلاً إمبيريقياً (واقعيًا) يثبت فرضية أن استدامة الوضع القائم هي فعل عقلاني وممنهج تقوده القوى المستفيدة من غياب الدولة لصالح شرعنة شبكات الفساد واقتصاد الظل.
بناءً على ما تقدم، يتبين سوسيولوجيًا أن الفراغ السياسي والانتكاسات المؤسسية تُنتج حتمًا زعامات محلية تقتات على غياب المركزية؛ حيث تحل سلطة الميليشيا بدلاً من سلطة الدولة. وإذا كانت هذه الزعامات قد تمثلت تاريخيًا في عهد الفراغ القره مانلي (1835) في بعض الزعامات القبائلية الجهوية، فإنها تتجسد في المشهد الليبي ما بعد 2011 في صورة جماعات مسلحة وطبقة هجينة من أمراء الحرب والاقتصاد.
ولا يمكن فصل هذا التمدد الداخلي عن العامل الخارجي؛ فالتاريخ يعيد إنتاج آلياته؛ إذ شهد عام 1835 تداخلاً فرنسي - بريطاني ساهم في إطالة أمد الفراغ عبر دعم أطراف متصارعة ضد أخرى. واليوم، يبدو النزاع الليبي مدفوعًا بتدويل الأزمة؛ مما يخلق تحالفًا مصلحيًا غير مكتوب بين مستفيد خارجي (يبحث عن النفوذ والامتيازات) ومستفيد داخلي (يبحث عن الشرعية والتمويل). ولأن الخارجي يتكئ بالضرورة على وكلاء في الداخل، فإن تشريح هذه الطبقة المستفيدة يكشف عن آليات قهرية استطاعت من خلالها قوى لا عقلانية اختراق مفاصل الدولة ورهن مؤسساتها السيادية.
وتتجلى هذه الفرضية بوضوح عند إخضاع ظاهرة عبد الغني الككلي (غنيوة) للتحليل السوسيولوجي كنموذج تطبيقي؛ حيث تحول هذا القائد العسكري من فاعل مسلح يسيطر على أجزاء واسعة من العاصمة، إلى ركيزة أساسية تُمارس الزبائنية السياسية والضغط القهري على السلطة التنفيذية. إن عمق نفوذ هذا النموذج وتغلغله في مفاصل الدولة يعكس بوضوح سيكولوجية أمير الحرب الذي يفرض على الحكومات المتعاقبة إتاوات مالية صريحة، ويوجه بوصلة الإنفاق العام والقرارات الوزارية بما يخدم شبكات مصالحه الاقتصادية والعسكرية.
ولم يقتصر هذا النفوذ الاستثنائي على السيطرة الأمنية، بل امتد ليتخذ أبعادًا جيوسياسية واقتصادية داخل بنية الدولة؛ من خلال التغلغل في العشرات من الشركات الاستثمارية العامة، وفرض شخصيات موالية في وظائف سيادية وهيئات عامة، وصولاً إلى تعيين سفراء في الخارج. ولعل اللقاءات الرسمية والصور المشتركة التي جمعت رؤساء الحكومات مع هذا القائد ترسم دلالة رمزية واضحة على اختلال موازين القوى، حيث تبدو السلطة السياسية في موقف التابع أو المستوعب لسطوة السلاح. إن هذه الظاهرة الممتدة تمثل النموذج الأبرز لآلية خصخصة الدولة واستثمار الانقسام لضمان استدامة الفوضى كمصدر وحيد للشرعية والتمويل.
إن تفكيك المشهد الليبي المعاصر يكشف عن آليات معقدة لإعادة إنتاج السيطرة؛ فكلما خفت نفوذ فاعل مسلح أو تراجعت ظاهرة بعينها، برز أمراء حرب آخرون يتقاسمون التركة والنفوذ في عملية تدوير مستمرة للأزمة. لقد تشكلت لدى هذه النخبة المسلحة رغبة بنيوية في الإبقاء على حالة اللا- دولة والسيولة المؤسسية؛ باعتبارها الأداة الوحيدة لشرعنة هيمنتها؛ مِمَّا يجعل من رهان الانتقال نحو مؤسسات الدولة الرسمية والمستقرة غايةً بعيدة المدى؛ في ظل تنامي نفوذ الفواعل الداخلية (أو القوى الموازية) التي ترتبط استمراريتها الهيكلية والمصلحية باستدامة حالة الهشاشة القانونية والمؤسسية.
ولا يمكن فهم استدامة هذه الظاهرة دون رصد تحالفها العضوي مع طبقة مالية ريعية، نطلق عليها سوسيولوجيًا برجوازية الأزمات أو طبقة الاعتمادات المستندية. وتتقاطع التقارير الرقابية الصادرة عن مصرف ليبيا المركزي مع هذه الفرضية؛ إذ تشير المؤشرات الكمية إلى أن الجزء الأكبر من الاعتمادات المالية في مراحل الانقسام السياسي قد احتُكرت من قبل عائلات وشبكات مصالح محددة ومقربة من مراكز النفوذ. إن هذا التحالف المصلحي النفعي بين الفواعل المسلحة ورؤوس الأموال القائمة على ريع الاعتمادات المستندية، يُنتج بنية اقتصادية موازية تعتمد استمراريتها على حالة التجزئة المجتمعية، وتشكل عائقاً بنيوياً أمام أية مساع لإعادة بناء الدولة ومأسستها.
وفي موازاة ذلك، تبرز معضلة الهويات دون- الوطنية المتمثلة في تغوّل النفوذ القبلي والمناطقي على حساب سيادة الدولة المركزية. لقد تحولت القبيلة أو المنطقة في كثير من الأحيان إلى جماعة ضغط قهرية تفرض إرادتها على السلطة التنفيذية؛ لدرجة أن مجرد التلويح بتحرك جهوي أو قبلي نحو العاصمة كان كفيلاً بإجبار الحكومات على إلغاء قرارات سيادية أو تعديلها.
وتكمن المفارقة السوسيولوجية الأعمق في الاعتماد المتبادل والالتجاء الوظيفي من قِبل الحكومات الضعيفة إلى هذه القوى المسلحة والجهوية لحمايتها عند الأزمات الوجودية. ويتجلى ذلك إمبيريقيًا (واقعيًا) في استدعاء السلطة التنفيذية للمجموعات المسلحة (مثل نموذج الككلي وغيره) للدفاع عن العاصمة طرابلس في محطات النزاع الكبرى، سواء في حرب عام 2019، أو أثناء محاولات الحكومة المكلفة من البرلمان برئاسة فتحي باشاآغا دخول العاصمة عام 2022.
إن هذا الاعتماد الحكومي قد منح الجماعات المسلحة شرعية وظيفية بديلة وعزز من قدرتها على فرض الفواتير والامتيازات السياسية والمالية على صانع القرار. ونتيجة لذلك، أضحت هذه القوى على دراية كاملة بمدى هشاشة المؤسسات الرسمية وضعف أدائها؛ مما رسّخ لديها قناعة حتمية بأن الحفاظ على الوضع القائم ومقاومة أي تحول نحو الاستقرار المؤسسي الحقيقي هو الضامن الوحيد لاستمرار امتيازاتها الوجودية.
تأسيسًا على هذا التشريح البنيوي، يتضح أن نخبة الأزمة المحلية باتت تدرك جيدًا أن ديمومة نفوذها مرهونة بتوفر غطاء إقليمي ودولي؛ وهو ما تفسره سوسيولوجيًا ظاهرة العلاقات العابرة للحدود بين المجموعات المسلحة وقوى خارجية، والتي تتجسد في زيارات متبادلة بين سفراء دول فاعلة وقادة هذه الجماعات. إزاء هذا المشهد، تصبح معالجة المعضلة الليبية مستحيلة دون تفكيك لشبكات الهجينة (العسكرية والاقتصادية) التي نمت في ظل سيولة الدولة، حتى غدت كيانات موازية تناظر المؤسسات الرسمية وتتفوق عليها قوةً وتأثيراً.
وفي هذا السياق، يتردد في بعض الأدبيات السوسيولوجية والسياسية طرحٌ شعبوي يدعي أن الوطنية الليبية ماتت بسقوط رأس النظام السابق. إلا أن القراءة السوسيولوجية الرصينة تدحض هذه الفرضية؛ فما سقط عام 2011 لم يكن الدولة بمفهومها الاجتماعي والحضاري، بل سقط نمط الإدارة القائم على شخصنة السلطة واختزال المؤسسات في فرد واحد.
إن غياب المأسسة طيلة العقود الماضية هو ما جعل انهيار السلطة السياسية مؤديًا بالضرورة إلى انهيار الهيكل الإداري والأمني للدولة ككل، وهي الحقيقة السوسيولوجية التي يجب الانطلاق منها لتشخيص الأزمة.
بناءً على ذلك، تبرز الحاجة الملحة إلى مشروع وطني عقلاني لإعادة بناء الدولة، وهو مسار شاق يتطلب الموازنة بين الوعي المجتمعي الداخلي والمقاربات الدولية الداعمة. وتجنبًا لسيناريوهات التدخل العسكري الخارجي التقليدي أو القوات الأممية، يمكن الاستعاضة عن ذلك بأدوات الردع القانوني والمالي الدولي؛ مثل تفعيل ملاحقات المحكمة الجنائية الدولية، وفرض العقوبات الذكية، وإدراج أمراء الحرب وشبكات الفساد في قوائم حظر التعامل المالي الدولي؛ مما يساهم بشكل فعال في تقويض قدراتهم وتحجيم نفوذهم.
ختاماً، تؤكد الذاكرة الجمعية والتاريخية الليبية حقيقة سوسيولوجية ثابتة: وهي أن الليبيين - رغم دورات النزاع المسلح والحروب الأهلية- يمتلكون عقيدة جمعية راسخة ترفض بشكل قاطع مسألة تقسيم الوطن. إن جغرافيا الآلام والآمال المشتركة تشكل حائط صد منيعًا أمام مشاريع التجزئة؛ مما يجعل إمكانية إعادة إنتاج الدولة الوطنية الموحدة خيارًا حتميًا ومتاحًا، شريطة نزع شرعية قوى الأزمة وإعادة صياغة الحلول بعيدًا عن تكييفها لصالح النخب المستفيدة.
##حسين_مرجين (هاشتاغ)
Hussein_Salem__Mrgin#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟