أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حسين سالم مرجين - رؤية تفاعلية لإعادة هيكلة أنظمة الجودة وضمانها في التعليم بليبيا















المزيد.....

رؤية تفاعلية لإعادة هيكلة أنظمة الجودة وضمانها في التعليم بليبيا


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 10:02
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


لا يزال مفهوم الجودة وضمانها في البيئة التعليمية الليبية يواجه تحديات هيكلية وإجرائية تعيق تطبيقه بفعالية على أرض الواقع. ويتجلى ذلك في حزمة من التساؤلات المحورية داخل المؤسسات التعليمية، أبرزها: تحديد نقطة الانطلاق الفعلية لنظام الجودة وضمانها، وآليات تفعيل مؤشرات الاعتماد الوطني والالتزام بمعاييرها. وتتضاعف هذه الإشكالية في ظل بيئة تشغيلية معقدة تتسم بمحدودية الموارد المالية وغياب الاستدامة، إلى جانب نقص الكوادر البشرية المؤهلة والمدرّبة.
ويُضاف إلى ذلك ضعف القناعة الراسخة لدى بعض القيادات العليا بأهمية الجودة بوصفها خيارًا استراتيجيًا؛ كما يفاقم مناخ العمل حالة الإحباط المهني لدى أعضاء هيئة التدريس نتيجة عدم استقرار بيئة العمل. فضلاً عن أن الانقسام السياسي يلقى بظلاله على كفاءة وحوكمة مؤسسات الدولة، في ظل غياب منظومة وطنية فاعلة لتحفيز المؤسسات المتميزة ماديًا ومعنويًا. ونتيجةً لذلك، تتباطأ وتيرة التحول نحو ثقافة الجودة وضمانها
أمام هذه الشبكة المعقدة من التحديات الهيكلية في البيئة التعليمية الليبية، يبرز تساؤل جوهري: هل يُعقل أن نكتفي بالتنظير وتبرير العجز، والاستسلام للثقوب السوداء التي تعيق التغيير؟ إن الانتقال من مرحلة رصد الأزمات إلى مرحلة صياغة خارطة طريق فاعلة يفرض علينا مراجعة الفرضيات التقليدية، وأبرزها فرضية إمكانية صياغة خارطة طريق موحدة وعابرة لجميع المؤسسات.
إن النظر إلى المؤسسات التعليمية بمسطرة قياس واحدة يمثل خللًا منهجيًا؛ إذ توجد فروقات حادة في الإمكانات والظروف بين المناطق المختلفة. فالقوالب الجاهزة لمعايير الجودة والاعتماد الوطني بما في ذلك مؤشرات القياس تنظر إلى المؤسسات جميعًا بعين واحدة، وهنا يكمن الإجحاف الحقيقي: لا يمكن مساواة مؤسسة تعليمية في الحواضر الكبرى بمثيلاتها في عمق الصحراء الليبية؛ إذ تفرض الجغرافيا شروطها، وتتفاقم أزمات البنية التحتية، ويشتد شح التمويل، وتتواصل تداعيات الانقسام السياسي.
لذلك، فإن العدالة التقويمية تتطلب اعترافًا صريحًا بهذه الفجوات، وتطوير معايير مرنة تراعي السياقات المحلية، بدل إسقاط مؤشرات موحدة بصورة مجحفة.
إن الفهم الحقيقي لضمان الجودة يخرج بها من إطار الجمود والنصوص الصامتة إلى مفهومٍ ديناميكي ينبض بالحياة؛ فهي المرآة التي تجعلنا نرى مؤسساتنا بالوضوح الذي يراه الآخرون، ونظام الحماية الذي يحصن المؤسسات التعليمية. وإذا استلهمنا النموذج الديني في مرونته ومراعاته للمتغيرات الحياتية، سنجد أنه يمثل منظومة متكاملة لم تفرض قوالب جامدة؛ فما يصلح في السلم قد لا ينطبق في الحرب، وجاءت رُخص التشريع لتراعي البيئة والمناخ، ولولا هذه المرونة لنفرت النفس البشرية.
ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة الملحّة في المشهد الليبي إلى النظر للجودة بعين ثالثة تفكك المؤشرات وتُعيد تصنيفها وفق سياقات الأمن والتمويل والجغرافيا. وهنا يمكن استعارة نموذج الدوري الرياضي لتقسيم المؤسسات التعليمية إلى مستويات وتصنيفات فئات أو درجات؛ تمنح المؤسسة في البداية مرونة اختيار الفئة القياسية التي تتناسب مع إمكاناتها الراهنة، ليأتي التقييم بعدها بوصفه حافزًا لآلية صعود وهبوط. فالمؤسسة التي تستوفي شروط مستواها وتحسن أداءها ترتقي إلى درجة أعلى، والتي يتراجع أداؤها تهبط إلى تصنيف أدنى.
وبذلك يتشكل حراكٌ تنافسي عادل يراعي الفروقات، ويضمن التحسين المستمر، بدلًا من تحويل الجودة إلى امتحان واحد للجميع لا يعترف بالاختلافات.
بناءً على ذلك، يتأكد لنا أن الجودة ليست قوالب تنظيرية جامدة قابلة للإسقاط العابر فوق أي زمان أو مكان؛ بل هي منظومة مرنة تُحكمها ظروف البيئة ومحدداتها اللوجستية. والأهم من ذلك، أن الجودة في جوهرها تحمل بُعدًا إنسانيًا عميقًا؛ فهي تمثل الركيزة الأساسية في التعاطي مع المشكلات التعليمية وحلّها.
إذ تهدف بالدرجة الأولى إلى حوكمة وضبط العلاقات الإنسانية والروابط المهنية داخل الحقل التربوي. ويشمل ذلك؛ هندسة العلاقة بين الطالب والأستاذ، وتأمين التفاعل الإيجابي بين الطالب وبيئته التعليمية، فضلاً عن تنظيم الروابط التكاملية بين مكونات المؤسسة (من معلمين وطلبة وإداريين) وبين المجتمع المحيط بها.
إن هذه المنظومة المعقدة من العلاقات الإنسانية تتمايز في ظروفها، وتتفاوت في إمكاناتها من منطقة إلى أخرى؛ وهو ما يستوجب بالضرورة الكف عن النظر إليها بمعيار تقييمي موحّد، أو مسطرة قياسية واحدة لا تراعي هذه الخصوصية البشرية والاجتماعية.
يأخذنا البُعد الإنساني للجودة إلى مربع القيادة الفاعلة؛ حيث يبرز نموذج الفريق الرياضي كاستعارة مثالية لتفسير نجاح المؤسسات التعليمية أو إخفاقها. فالفرق الرياضية لا تتلاقى مع النجاح مصادفة؛ بل ترتقي عندما تحظى بمدرب قائد يمتلك القدرة على فهم سيكولوجية الفريق، وتوظيف مهارات الأفراد، وتوزيع الأدوار بدقة داخل الملعب. كما يستثمر الإمكانات المتاحة المادية واللوجستية بأقصى كفاءة ممكنة. وإن كان سعي الأندية الدائم لاستقطاب الكفاءات التدريبية المتميزة وتجنب القيادات الضعيفة هو ما يجب أن يتمثل في المنظومة التعليمية، فإننا نجد أن المنظومة التعليمية اليوم تفتقرغالبًا إلى هذه الفلسفة.
لذلك، نحن بحاجة ماسة إلى إعادة صياغة معايير اختيار القيادات التربوية؛ لتمكين الكفاءات التي تمتلك عقلية المدرب. تلك القيادة الملهمة والمحفزة التي لا تكتفي بإصدار الأوامر الفوقية، بل تنزل إلى الميدان لتوجيه الطاقات، وصناعة الفارق، وتحويل مؤشرات الجودة من عبءٍ ورقي إلى ممارسة إنسانية ومهنية ناجحة.
تأسيسًا على ما تقدّم، نخلص إلى أن الانطلاق الحقيقي نحو ضمان الجودة في ليبيا لا يبدأ بفرض المؤشرات جامدة؛ بل يمرّ عبر بوابتين رئيسيتين:
• أولاهما: الانتقاء الصارم للقيادات المؤهلة القادرة على قيادة التغيير، مع مراعاة سيكولوجية البيئة التعليمية، وفهم ديناميكياتها الإنسانية.
• وثانيتهما: الإقرار الواعي بالاختلافات الجغرافية والظروف التشغيلية المحيطة بكل مؤسسة؛ بما يستوجب منحها هامشًا من البراح التنظيمي والاستثناءات المبررة محليًا.
إن هذا الواقع يضع جهات الاعتماد في الدولة الليبية أمام استحقاق تاريخي، يتمثل في إعادة هندسة المعايير والمؤشرات وتفكيكها إلى درجات أو مستويات متتابعة (أولى، وثانية، وثالثة). كما يستوجب أن تُفوَّض المؤسسات التعليمية في المرحلة الأولى بتقييم واقعها ذاتيًا لتحديد تصنيفها المناسب، ليتم لاحقًا إطلاق مصفوفة الصعود والهبوط بناءً على اختيارها الحر، وعلى أساس تنافسي عادل.
وهذا يعني بالضرورة وجود متطلبات أساسية موحدة للتقدم للاعتماد لكافة المؤسسات، على أن تُفهم هذه المتطلبات بوصفها مفتاحاً للولوج إلى عالم الجودة والاعتماد، لا صكاً لمنحه. أما الإبقاء على المقاربة الحالية التي تنظر إلى المؤسسات التعليمية كافة عبر مؤشرات نمطية واحدة، فهو تكريسٌ لوهم المساواة، وإجحافٌ بحق الواقع؛ ولن ينتج عنه سوى تعميق الهوة بين تلك المؤشرات وواقع المؤسسات، ومن ثمّ ضياع أثر الجودة على أرض الواقع.



##حسين_مرجين (هاشتاغ)       Hussein_Salem__Mrgin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السيولة الهيكلية في الإدارة الليبية: أداة لتفتيت الذاكرة الم ...
- ذاكرة الآباء الواقعية: كيف تبني عثرات الماضي مناعة الأبناء؟
- أزمة التعليم في ليبيا: إنتاج المشكلات بدل الحلول
- سيادة التعليم في ليبيا بين مطرقة الانقسام وسندان المنظمات ال ...
- 9 يوليو 1996 في ليبيا: الذاكرة الجريحة التي ما تزال تنزف صمت ...
- كيف يُدار التعليم العالي في ليبيا ؟
- سوسيولوجيا الذاكرة الجريحة في ليبيا من التفكيك إلى آليات الت ...
- سوسيولوجيا الذاكرة الجريحة: نحو مقاربة المصالحة القائمة على ...
- جامعات ليبيا بعد 2014: طفرة في العدد وتعثر في الأثر
- من لعب الإقصاء في المدارس إلى ثقافة المواطنة: دعوة لإعادة هي ...
- المشروع الوطني لإعادة هيكلة التعليم في ليبيا: تشخيص الواقع و ...
- مفارقات سوسيولوجية لوسائل التواصل الاجتماعي في المنطقة العرب ...
- قراءة نقدية: لكتاب رحلتي... من إلى... للأستاذ محمد عمر خليل
- التخيير والتسيير محرك وعي الإنسان
- قراءة نقدية للملخص التنفيذي للتقرير الوطني السابع للتنمية ال ...
- جدلية الذاكرة الوطنية والدولة في ليبيا: من الصراعات البنيوية ...
- خربشات على الملخص التنفيذي لتقرير التنمية البشرية في ليبيا 2 ...
- هندسة المعرفة البحثية: من التشبع إلى التجلي في الكتابة السوس ...
- متلازمة الهزال الفكري بين ثالوث التفاهة واللامعنى والسيولة ا ...
- هندسة السرديات المزيفة وآليات الهيمنة السياسية


المزيد.....




- هجوما طعن في وضح النهار يهزان شوارع نيويورك.. وشاهدة عيان تر ...
- ترامب يطلق حملة لفرض رسوم جمركية جديدة تستهدف 60 دولة
- ما هي تسريحات الشعر التي رسمت ملامح النجمات في صيف 2026؟
- نقاط الاختناق الملاحية ومقارنة أحجام تدفق النفط بما قبل حرب ...
- إعلام رسمي: إيران تعلن استهداف أصول أمريكية في الأردن والبحر ...
- وزراء خارجية -شنغهاي للتعاون- يجتمعون في قرغيزستان بذكرى تأس ...
- واشنطن تفرض عقوبات على مدّعي عام للجنائية الدولية كريم خان
- اتهامات لقطر بمحاولة ضرب مصداقية الشاكية ضد كريم خان والدوحة ...
- الهند..نجاح أول تجربة إطلاق صاروخ أرض - جو
- أي الفئات العمرية تملك أعلى بصمة كربونية غذائية؟


المزيد.....

- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة
- خطوات البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا ... / سوسن شاكر مجيد
- بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل / مالك ابوعليا


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حسين سالم مرجين - رؤية تفاعلية لإعادة هيكلة أنظمة الجودة وضمانها في التعليم بليبيا