أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - هندسة السرديات المزيفة وآليات الهيمنة السياسية















المزيد.....

هندسة السرديات المزيفة وآليات الهيمنة السياسية


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 8715 - 2026 / 5 / 24 - 12:05
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


شاهدتُ أمس فيديو يعود إلى عام 2011 لمذيع يتناول ادعاءات اغتصاب في منطقة الجبل الغربي، وبمقارنته بحديث لاحق لإحدى السيدات التي أصبحت عضوًا في البرلمان الليبي، تتضح بجلاء حجم جرعات التزييف التي كان يضخّها الإعلام الموجّه، خصوصًا عبر قنوات بعينها، لصناعة ما يُعرف بالوعي الزائف. ويقودنا هذا التباين إلى سؤال جوهري ومقلق في إطار علم الاجتماع السياسي: كم من الوقائع التاريخية التي استقرت في الوجدان كحقائق كانت في أصلها سرديات مُختلَقة وصناعة إعلامية؟
إن تزييف الوعي المجتمعي أو هندسة الذاكرة الجمعية لا يرتبط بحدث تاريخي بعينه، ولا ينحصر في لحظة عام 2011؛ بل هو ممارسة ممتدة عبر الأنظمة السياسية المتعاقبة. فالنظام السابق، على سبيل المثال، نقش في الذاكرة الجمعية سرديات زائفة، منها تقديم جلاء القوات الأمريكية والبريطانية باعتباره إنجازًا حصريًا له، بينما كشفت لاحقًا وثائقٌ أن الاتفاقيات والمفاوضات الأساسية قد أُبرمت في العهد الملكي. وفي الاتجاه المقابل، لم يكن العهد الملكي بمنأى عن التوجيه ذاته؛ إذ عمل كذلك على صياغة روايات موجَّهة للذاكرة الجمعية، خاصة في ملفات وتفاصيل الحرب الليبية الإيطالية.
وتدفعنا هذه الحلقة التاريخية إلى استقصاء الدوافع التي تجعل أطرافًا سياسية أو إعلامية تُقدِم على التزييف إلى حد يفضحها تاريخيًا ويؤدي إلى حرج معرفي لاحق. واليوم، عند مراجعة الأرشيف المرئي لتلك المراحل سواء الفيديوهات الإعلامية لعام 2011 أو مشاهد الإعدامات العلنية وتخوين المعارضين تحت مسمى الكلاب الضالة في النظام السابق، يمتلك المشاهد نوعًا من الصدمة والحرج المعرفي، ويتساءل: كيف استساغ المجتمع تلك الأطروحات وصدّقها؟ وهي أفعال يمكن الجزم بأن صانعيها، أحياءً كانوا أم أمواتًا، ينظرون إليها اليوم باعتبارها ثقوبًا سوداء تشوّه سيرهم.
إن هذا التحول في ديناميكيات الأنظمة يتطلب تشخيصًا وتفسيرًا سوسيولوجيًا يعالج سؤالين جوهريين:
• لماذا تلجأ السلطة إلى صناعة ثقوب سوداء في مسيرتها؟
• ولماذا يتقبل أفراد المجتمع الأوهام التاريخية قبل أن يكشف الزمن زيفها، فتتحول لاحقًا إلى وصمات تُلحق بالـنظام وتاريخِه؟
إن تكرار هذه الظاهرة مع تغيّر الأشخاص وتبدّل العهود يُثبت أننا لسنا أمام مآخذ طارئة أو مصادفات عابرة، بل أمام ما يمكن تسميته ميكانيزمات بنيوية متجذرة في طبيعة السلطة ذاتها. فـبنية السلطة في كثير من الحالات لا تكتفي بإدارة الواقع، بل تسعى كذلك إلى صناعة وقائع متخيلة أو إعادة تركيب وقائع قائمة، ومحاولة فرضها بما تمتلكه من أدوات هيمنة، وأجهزة دولة أيديولوجية، بما يجعل منها أساسًا لـمشروعية السلطة.
ومن ثم، يندفع كل نظام سياسي أيًا كانت مرجعياته لفرض سرديته الخاصة بوصفها شرطًا للبقاء والاستدامة، سواء كانت سردية حقيقية أو مشوهة. ويعمل النظام على تحصين هذه السردية من أي نقد أو تشكيك عبر توظيف أدوات القمع والإقصاء، وقد يصل ذلك إلى ممارسات قصوى مثل التصفيات والإعدامات، كما حدث في بدايات النظام السابق بهدف حظر القراءة البديلة.
وبناءً على ذلك، تصبح السردية الرسمية ركيزةً أساسية لاستمرار النظام؛ لأنها تُشكِّل الإطار الاجتماعي والسياسي الذي تتحدد من خلاله قيم القبول والرفض، وتصبح بذلك الأداة الأكثر فاعلية لفرض الهيمنة، وتبرير صعود السلطة أو سقوطها.
وتأسيسًا على هذا التحليل السوسيولوجي، يمكن القول إن هذه السرديات تمثل مفتاحًا إجرائيًا لتشكيل القبول المجتمعي؛ فهي الأداة التي تمنح السلطة شرعية الصعود أو تعجل بسقوطها. فمن خلالها يتم تحييد أدوات النقد، وتفكيك أي سرديات مضادة للنظام السابق. ومع صعود سلطة جديدة بسردياتها الخاصة بصرف النظر عن مدى صحتها تتحول تلك السرديات الناشئة إلى تابوهات سياسية وإلى خطوط حمراء تُحاط بهالة من القدسية الرمزية.
إن المساس بهذه السرديات أو محاولة تفكيكها ونقدها يُعدّ في عرف السلطة استهدافًا مباشرًا لشرعيتها ووجودها. لذلك تتشبث الأنظمة بشدة في حماية هذه السرديات والدفاع عنها، وتمنع الاقتراب المعرفي منها إلا عبر بوابة التقديس والتوكيد والامتثال.
ولترسيخ هذه القدسية، تعمد السلطة إلى دمج السردية في البنية المؤسسية عبر طقوس احتفالية سنوية تُكرّس الهيمنة، بالتوازي مع زرع سيكولوجية الخوف المجتمعي من عواقب التشكيك فيها. ويفسّر هذا المناخ القمعي والنفسي امتناع أفراد المجتمع عن ممارسة التفكير النقدي أو التدبر في مصداقية هذه الروايات، بما ينتج حالة من التسليم الجمعي والانقياد الأعمى مدفوعًا بآليات الخوف الجماهيري وبضغط التوافق الاجتماعي
في هذا السياق، يبرز مفهوم المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي حول الهيمنة الثقافية ليقدّم لنا تفسيرًا دقيقًا لكيفية حماية هذه السرديات. فبموازاة القمع المادي والتشريعي، تتغلغل السلطة في وعي الجماهير عبر مؤسساتها الثقافية والإعلامية، لتجعل من روايتها الزائفة منطقًا عامًا ومسلّمة عقلية، يتبناها المجتمع طواعية ويدافع عنها بنفسه.
ومع مرور الوقت، تتحول هذه الهيمنة إلى بنية استبدادية راسخة. وهو ما فككه بدقة المفكر عبد الرحمن الكواكبي في مؤلفه طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد؛ إذ قدّم تفسيرًا للعلاقة الجدلية بين الاستبداد والجبن المجتمعي. فبحسب الكواكبي، يسعى المستبد إلى تفشي الجهل وتزييف الوعي بما يَسلب العوام القدرة على التمييز، فيتحول الخوف إلى عقيدة، والجبن إلى طبع ممتد. كما يؤكد أن المستبد يزرع الخوف حتى يرتعد الأفراد من التفكير النقدي، فينتقل المجتمع من كونه ضحية للاستبداد إلى حارس له؛ يُساق بالوهم وينقاد للسردية المفبركة خوفًا من التغيير. وبهذا، تتشكل حالة التسليم المطلق والانقياد الجماهيري التي تُفضي إلى تقديس القاهر وتبنّي أوهامه بوصفها حقائق.
وبناءً على ما تقدّم، يتضح جليًا أن السرديات المزيفة التي تتكئ عليها السلطة ليست مجرد أحداث عابرة أو سقطات إعلامية غير مقصودة؛ بل هي استراتيجيات هندسية ممنهجة ومُوجَّهة بعناية. فهي تستهدف بالدرجة الأولى تقويض وتفكيك السرديات التاريخية السابقة، بالتوازي مع تشييد سرديات ناشئة بديلة. وبهذا التوظيف، لا تبقى الروايات مجرد غطاء سياسي، بل تتحول إلى أبرز أدوات الهيمنة وأقواها، لضمان استمرارية السلطة، وتبرير صعودها في السلم السياسي، وتأمين بقائها واستدامتها في سدة الحكم.



##حسين_مرجين (هاشتاغ)       Hussein_Salem__Mrgin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قسم علم الاجتماع بجامعة سرت يستعيد نبضه الأكاديمي: قراءة في ...
- لماذا نكتب في علم الاجتماع؟
- أخلاقيات البحث العلمي في العلوم الاجتماعية بين التنظير الغرب ...
- صناعة جدار الصد المعرفي: إستراتيجيات صيانة الذاكرة الوطنية ف ...
- الزهايمر السياسي كآلية للهيمنة وبنية وظيفية للسلطة في ليبيا ...
- السيادة المعرفية والذاكرة العربية: لماذا نحتاج أرسيف في مواج ...
- ليزا أندرسون تُحرّك سؤال الذاكرة: لماذا يغيب الباحث الليبي؟
- التعليم في ليبيا: دعوة لانتشال الخطط من كينونة الوزير إلى ال ...
- الابتكار في ليبيا خارج التغطية الدولية: من المسؤول عن تصفير ...
- سوسيولوجيا الذاكرة في الجامعات الليبية: مراجعة الثقوب السودا ...
- الذاكرة الليبية العابرة للأجيال في مواجهة الزهايمر الجيوسياس ...
- الهوية الوطنية: من الحشو إلى الممارسة.. سوسيولوجيا تفعيل الذ ...
- التعليم العالي في ليبيا.. استعادة الاستقلالية أم الاستمرار ف ...
- هل نحن بحاجة إلى رخصة لقيادة الحياة الزوجية؟.. نحو رؤية اجتم ...
- سوسيولوجيا تأميم العقول: الجامعات الليبية وهيمنة الفكر الواح ...
- علي شريعتي.. وميضُ العقل في عصر الاستحمار الرقمي
- سوسيولوجيا الاستثمار البشري وسط الانقسام السياسي في ليبيا : ...
- سوسيولوجيا وادي وامس: استعادة الذاكرة الجمعية وجهاً لليبيا ا ...
- التنمية البشرية بين الرقمنة والتحول الرقمي: قراءة نقدية في ع ...
- خذلان علم الاجتماع للواقع الليبي


المزيد.....




- يضم هذا المتحف أكبر زجاجة مشروب -دكتور بيبر- في العالم.. لن ...
- مسؤول إسرائيلي يكشف تفاصيل عن اتصال ترامب ونتنياهو بشأن الته ...
- ماذا لو بقي مضيق هرمز مغلقاً؟ - مقال في بلومبيرغ
- تعليمات للشرطة بإخلائه.. اشتباكات في مقر حزب المعارضة الرئيس ...
- الشيخ عكرمة صبري: على العرب والمسلمين التحرك لحماية الأقصى
- البرلمان المعطل في سوريا.. من المستفيد؟
- كيف تنشئ صورا واقعية بالذكاء الاصطناعي دون مهارات تصميم؟
- بين إسقاط النظام وفتح هرمز.. كيف انحسرت أهداف ترمب في إيران؟ ...
- من قصف المزارع لنهب الماشية.. كيف تدار حروب التجويع عالميا؟ ...
- مقتل رضيع وأبويه بغارة إسرائيلية على شقة سكنية في غزة


المزيد.....

- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - هندسة السرديات المزيفة وآليات الهيمنة السياسية