أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - صناعة جدار الصد المعرفي: إستراتيجيات صيانة الذاكرة الوطنية في مرحلة ما بعد 2011














المزيد.....

صناعة جدار الصد المعرفي: إستراتيجيات صيانة الذاكرة الوطنية في مرحلة ما بعد 2011


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 8706 - 2026 / 5 / 15 - 11:20
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لا تزال زيارة الباحثة الأمريكية ليزا أندرسون إلى ليبيا تطرح بداخلي كباحث سوسيولوجي تساؤلات ملحّة، تتجاوز البُعد الأكاديمي العابر لتمسّ جوهر السيادة المعرفية، خاصة فيما يتعلق حول كيفية استغلال الأطراف الدولية لغياب التوثيق الوطني الليبي، وتوظيف هذا الفراغ لضخ سرديات تاريخية وسياسية عبر المنصات الرقمية؛ بما يهدد الأمن المعرفي للدولة، ويصنع وعياً زائفاً ومنفصلاً عن الجذور الوطنية.
ولا يعني هذا الطرح بالضرورة أن كل ما تقدمه أندرسون أو غيرها من الباحثين الأجانب هو بالضرورة مشوَّه أو غير حقيقي. غير أن الإشكالية تكمن في زاوية الرؤية وفي أدوات التحليل. ومن هذا المنطلق، بات من الضروري اعتماد المقاربة المؤسساتية للمسألة؛ بحيث تتولى مؤسسات الدولة الليبية تشكيل فريق وطني من خبراء علم الاجتماع والتاريخ والعلوم السياسية، تكون مهمته في ظل هذه الظروف الاستثنائية مواجهة السرديات المشوّهة وتفكيكها، أو تلك التي تسعى إلى اختراق الهوية الوطنية وإحداث خلل في الذاكرة الجمعية.
وهي مهمة ليست بالسهلة، لكنها تتطلب وعياً وإدراكاً عميقين بأهمية هذا الجدار الوطني الفكري، وحمايته من أي اختراق معرفي
وفي هذا السياق، يستحضر الفكر السوسيولوجي ما ذكره عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه المرجعي طبيعة المجتمع العراقي؛ حيث روى واقعة دالّة لباحث مستشرق كان يدرس المجتمع المحلي. فبينما كان هذا المستشرق يتجول، شاهد رجلًا بدويًا يشتري قماشًا من تاجر متجول؛ وظل البدوي يفاوض بحدة لتخفيض السعر، ويُلِحّ على نزع درهم واحد أو أقل كأن الأمر معركة مصيرية. لكن مع غياب الشمس وتأخر الوقت، انقطع السبيل بالتاجر، فما كان من البدوي إلا أن استضافه في خيمته، وقام بذبح خروف له تكرمةً لضيافته، وهو ما يفوق ثمنه عشرات الدراهم.
وقف المستشرق الأجنبي عاجزًا ومندهشًا أمام هذا التناقض السلوكي: كيف يصارع البدوي باستماتة من أجل درهم، ثم ينفق بسخاء عشرات الدراهم ذاتها لصالح الشخص نفسه؟
هنا تبرز عبقرية التحليل السوسيولوجي المحلي؛ إذ سارع علي الوردي إلى تفكيك المشهد، موضحًا أن البدوي في الحالة الأولى تحرّك من منطلق عقلية الغزو والمغالبة؛ فعملية الشراء لديه هي فعل رمزي انتصار يثبت فيها ذكاءه بغضّ النظر عن قيمة المال. أما في الحالة الثانية، فقد تبدّل النمط الإدراكي للبدوي؛ إذ لم يعد الرجل أمامه تاجراً ومنافساً، بل تحول إلى ضيف مستجير، وهنا تحرك بدافع قيم الضيافة والمروءة الراسخة في بنية البداوة.
إن هذه الحادثة التاريخية تؤكد، بما لا يدع مجالًا للشك، أهمية الحذر من عمليات التحليل والتشخيص التي يقوم بها الآخر (الأجنبي)، والتي قد تسقط في فخ التشويه أو التفسير الخاطئ والسطحي لظواهر اجتماعية حقيقية وعميقة. ومن ثم، فإن صناعة جدار الصد المعرفي الليبي وتوثيق الذاكرة الوطنية بأقلام وخبرات محلية، هو السبيل الوحيد لفهم الذات وصيانة الهوية من التفكك.
إن هذه الحقائق السوسيولوجية تدفعنا بالضرورة إلى إدراك الأهمية الاستراتيجية لصناعة جدار معرفي صلب يحمي عمليات توثيق الذاكرة الوطنية الجمعية من الاختراق المعرفي الأجنبي وتداعياته الحادة على الهوية الوطنية. وهذا يعني، في أعمق دلالاته الفكرية، ضرورة الانتقال إلى فهم الذات عبر الخبرات والكوادر الوطنية؛ باعتبارها صمام الأمان الحقيقي والوحيد الأكثر قدرة على تفسير وتحليل الظواهر والمواقف التي يشهدها المجتمع. وتتضاعف هذه الأهمية تحديدًا في مرحلة ما بعد 2011، باعتبارها مرحلة استثنائية اتسمت باهتزاز وتصدّع ذلك الجدار المعرفي بفعل الأزمات والتدخلات الخارجية.
ولتحقيق هذه الحصانة المعرفية، يتطلب الأمر وضع خطة وطنية واضحة ومعالم استراتيجية محددة للحفاظ على قوة هذا الجدار وتماسكه، من خلال مسارين متوازيين:
المسار الأول : تعليمي وتربوي، ويرتكز على إعادة ضخّ فئة الشباب بجرعات وطنية مكثفة، وتعميق وعيهم الجمعي عبر إجراء مراجعة شاملة ومستمرّة لكتب ومناهج التربية الوطنية. ويهدف ذلك إلى نقل المناهج من طابع التلقين التقليدي إلى طابع يعزز الانتماء، ويسهم في تفكيك السرديات الدخيلة.
المسار الثاني : رقمي وتكنولوجي، ويكون من خلال بناء منصات رقمية وطنية تفاعلية ومواكبة للعصر، تتولى تقديم رؤية وطنية شاملة وموثقة تجاه القضايا التاريخية والسياسية المفصلية؛ بما يضمن حصانة الفضاء الرقمي للشباب ضد الوعي الزائف والتوجيه الخارجي
تأسيسًا على ما تقدّم، يمكن القول إن الدفاع عن الذاكرة الجمعية وصناعة جدار صد معرفي لحمايتها من الاختراق المعرفي الأجنبي يعد جزء سيادي أصيل للمحافظة على الهوية الوطنية وتعزيزها. كما يشكّل هذا الجدار المعرفي القاعدة الصلبة والمنطلق الأساسي نحو بناء مؤسسات دولة قوية ومستقرة وفعّالة؛ فالدولة التي لا تملك زمام سرديتها التاريخية والمعرفية لا تملك قرارها السيادي قبل السياسي.
ويُمثّل هذا الواقع دعوة وطنية ملحّة ومسؤولة للباحثين في مجالات علم الاجتماع والتاريخ والعلوم السياسية؛ تدعوهم إلى تكثيف الجهود والتحلّي بروح المغامرة العلمية، على أن تكون بوصلتهم الموجِّهة هي الهوية الوطنية الجامعة. إن الهدف هنا يتجاوز مجرد المقاومة السلبية للسرديات الدخيلة؛ لينتقل إلى البحث العلمي الجاد، والتشخيص الدقيق، والتحليل العميق للظواهر والمشكلات الاجتماعية بروح وطنية خالصة.
وفي هذا الصدد لا يزال مجتمعنا الليبي في مرحلة ما بعد 2011م يتسم بظواهر ومواقف معقدة لا تزال تنتظر من يفك شفراتها ويفسّرها وفق سياقها المحلي الصحيح، وبما يُعبّر عن مكنونها الثقافي والوجداني الحقيقي. وعليه، فإن هذا الطرح الأكاديمي الوطني هو السبيل الوحيد للنأي بظواهرنا ومجتمعنا عن التدويلات المعرفية المشوّهة وغير الحقيقية، الناتجة أساسًا عن جهل الآخرين بالأنماط الإدراكية والسلوكية الراسخة في بنية المجتمع الليبي.



##حسين_مرجين (هاشتاغ)       Hussein_Salem__Mrgin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الزهايمر السياسي كآلية للهيمنة وبنية وظيفية للسلطة في ليبيا ...
- السيادة المعرفية والذاكرة العربية: لماذا نحتاج أرسيف في مواج ...
- ليزا أندرسون تُحرّك سؤال الذاكرة: لماذا يغيب الباحث الليبي؟
- التعليم في ليبيا: دعوة لانتشال الخطط من كينونة الوزير إلى ال ...
- الابتكار في ليبيا خارج التغطية الدولية: من المسؤول عن تصفير ...
- سوسيولوجيا الذاكرة في الجامعات الليبية: مراجعة الثقوب السودا ...
- الذاكرة الليبية العابرة للأجيال في مواجهة الزهايمر الجيوسياس ...
- الهوية الوطنية: من الحشو إلى الممارسة.. سوسيولوجيا تفعيل الذ ...
- التعليم العالي في ليبيا.. استعادة الاستقلالية أم الاستمرار ف ...
- هل نحن بحاجة إلى رخصة لقيادة الحياة الزوجية؟.. نحو رؤية اجتم ...
- سوسيولوجيا تأميم العقول: الجامعات الليبية وهيمنة الفكر الواح ...
- علي شريعتي.. وميضُ العقل في عصر الاستحمار الرقمي
- سوسيولوجيا الاستثمار البشري وسط الانقسام السياسي في ليبيا : ...
- سوسيولوجيا وادي وامس: استعادة الذاكرة الجمعية وجهاً لليبيا ا ...
- التنمية البشرية بين الرقمنة والتحول الرقمي: قراءة نقدية في ع ...
- خذلان علم الاجتماع للواقع الليبي
- سوسيولوجيا الفضاء والممارسة: التدين في المجتمع الليبي يوم ال ...
- دروس الحرب الأميركية ـ الإيرانية للحالة الليبية
- الجامعات الليبية ومعضلة المقاس الواحد
- سوسيولوجيا التدين اليومي في ليبيا: شهر رمضان ومفارقات الحياة ...


المزيد.....




- بعد رحلة ترامب.. الكرملين يكشف عن زيارة بوتين المرتقبة إلى ا ...
- من كوبا.. CNN تنقل لكم تفاقم أزمة الطاقة بعد الحصار الأمريكي ...
- لحظات درامية.. طائرة مائية تهبط اضطرارياً وسط حي سكني بأمريك ...
- كوبا تدرس العرض الأمريكي وتبدي تشككًا في نوايا إدارة ترامب
- -مجنون ومتقلب-.. منح مسؤول في البيت الأبيض إجازة إدارية بعد ...
- خطة أمريكية لنزع سلاح حزب الله مقابل انسحاب إسرائيلي.. ما تف ...
- النكبة: ماذا حدث في 1948؟ ولماذا يحمل الفلسطينيون -مفتاح الع ...
- ترامب: اتفقت مع شي على أن إيران لا يمكن أن تمتلك أسلحة نووية ...
- الجزائر.. تاجر يرتدي فستان زفاف للترويج لبضاعته!
- المغرب - نيجيريا: مشروع خط أنابيب غاز -يعيد رسم خارطة الطاقة ...


المزيد.....

- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - صناعة جدار الصد المعرفي: إستراتيجيات صيانة الذاكرة الوطنية في مرحلة ما بعد 2011