أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - الذاكرة الليبية العابرة للأجيال في مواجهة الزهايمر الجيوسياسي















المزيد.....

الذاكرة الليبية العابرة للأجيال في مواجهة الزهايمر الجيوسياسي


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 8693 - 2026 / 4 / 30 - 10:27
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


تُعدّ الذاكرة الجمعية الحبلَ السري الذي يربط الشعوب بهويتها عبر الزمن. ومع ذلك تعيش المنطقة العربية اليوم- وخاصةً في مرحلة ما بعد 2011- حالةً استثنائية من تآكل الذاكرة الوطنية أُسمّيه الزهايمر الجيوسياسي حيث امتدت الحروب لتجريف السرديات واقتلاع الوعي التاريخي من جذوره. لقد خلقت محددات النزاع الراهن، وعلى رأسها التهجير القسري والنزوح، انقطاعًا في التسلسل الذي يربط الذاكرة الوطنية بين الأجيال. ومن خلال احتكاكي المباشر بطلبة الجامعات، صُدمتُ بواقع مرير: فعندما تُسأل الأجيال الجديدة عن محطات مفصلية في تاريخ ليبيا - مثل تاريخ إجلاء القواعد الأجنبية من ليبيا عام 1970- تأتي إجابات فاترة، وكأن هذه الوقائع قد مُسحت من الوعي؛ وكأن هناك أيادٍ خفية تمارس هندسة النسيان.
ومن هنا، يتأتّى دورنا كباحثين في علم الاجتماع اليوم بالسعي نحو تحويل البحث العلمي إلى ترياق ضد هذا النسيان الممنهج. وهذا يعني أن حماية الهوية تبدأ من ردم الثقوب، وإعادة بناء سردية وطنية قادرة على الصمود أمام رياح التجزئة، بما يضمن ألا يظل تاريخنا مُهجَّرًا قسرًا- كما هي مدننا. وفي مرحلة ما بعد 2011 برز سؤالٌ نمطيّ بات يتردد بشكل دوري في كل نقطة تفتيش أو استيقاف، بل وفي كل حوار اجتماعي وهو: من أين منطقة أو قبيلة أنت؟
هذا السؤال يحمل مضامين الشيفرة القبلية أو المنطق الاجتماعي الذي يحدد مسار التعامل مع الفرد. فلقد أدى تآكل مؤسسات الدولة وسقوط مظلة الحماية القانونية إلى ارتداد الأفراد نحو الهويات الفرعية، وهنا تحولت القبيلة إلى مؤسسة حماية وإيواء توفر للفرد ما عجزت الدولة عن توفيره.
وما زاد من حدة هذا التشرذم هو تبنّي الحكومات المتعاقبة لسياسات عززت تأصيل هذه الهويات؛ حيث أصبح اختيار المسؤولين وتوزيع الوظائف والفرص لا يقوم على معيار الكفاءة أو المواطنة، بل على المحاصصة والقبلية. وقد حوّل هذا النهج الرسمي القبيلة من مكوّن اجتماعي إلى أداة سياسية للحصول على الحقوق والمكتسبات.
ولم يتوقف الأمر عند الواقع المادي، بل امتد إلى الفضاء الرقمي؛ إذ ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في خلق فقاعات انعزالية عززت خطاب النحن القبلي في مواجهة الآخر الوطني. وهكذا تحولت هذه المنصات من أدوات للتواصل إلى منابر لتضخيم النزعات المناطقية والقبلية، مما عمّق الثقوب السوداء في الهوية الوطنية الجامعة، وجعل الانتقال نحو دولة المواطنة ممرًّا يزداد ضيقًا يوماً بعد يوم.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن الحروب الأهلية التي اندلعت خلال سنوات 2014 و2019 كانت معاولَ هدم وسّعت من مساحة الثقوب السوداء في جدار الهوية الوطنية. وقد أدّت هذه النزاعات إلى تحويل المكوّنات القبلية والمناطقية إلى كيانات سيادية موازية؛ حيث باتت كل قبيلة أو منطقة تتصرف كدولة داخل الدولة تسعى إلى محاصصة خاصة بها، وتفرض سلطتها على جغرافيتها المحلية.
وقد تعمّق هذا الشعور بالانفصال نتيجة ضعف الحكومات المركزية، التي انخرطت في سياسات استرضاء للمناطق والقبائل بدلًا من فرض هيبة الدولة. ولعلّ الذاكرة القريبة تستحضر قرارات اتُخذت في عهد حكومة الوفاق الوطني 2016- 2021م ، مثل اعتماد عشرات المطارات والمرافق الحيوية بناءً على ضغوط مناطقية وقبلية؛ إذ رسّخت ذلك في أذهان الناس مفهوم الاستقلال الخدمي لكل قبيلة.
وانعكس هذا التشظّي المادي بحدة على الفضاء الرمزي للبلاد؛ حيث تشتتت الراية الوطنية الجامعة لصالح غابة من الأعلام والرموز المتصارعة. فبين مناطق ما تزال ترفع علم النظام السابق، وأخرى ترفع علم الاستقلال، ومناطق ترفع علم الأمازيغ أو علم إمارة برقة، نجد أنفسنا أمام مأزق هوياتي خطير. إن هذا التعدد في الأعلام هو إعلان صريح عن انكسار العقد الاجتماعي وتشتت الذاكرة الوطنية؛ بما يضع الهوية الليبية الجامعة في غرفة الإنعاش، ويجعل الرمز الوطني مجرد وجهة نظر تتقاذفها الأيديولوجيات والمناطق والقبائل.
إن قراءة المشهد الليبي الراهن تدفعنا إلى الشك في وجود تجريف ممنهج للهوية الوطنية؛ وليس من قبيل الصدفة العابرة أن تشرع وزارة التعليم في حذف كتاب التربية الوطنية من المقررات الدراسية- وهو المنهج الذي كان يُفترض أن يكون الجامع لوعي الأجيال. إن تغييب هذا المحتوى يترك الباب مشرعًا أمام اتساع الثقوب السوداء في عقول التلاميذ والطلبة، مما يفسح المجال للهويات الفرعية لملء هذا الفراغ واحتلال الصدارة في تشكيل وجدان الأجيال القادمة
ومع ذلك، وسط هذا القتامة، أثبت الواقع أن الذاكرة الوطنية الكامنة أقوى من أدوات التجريف. ففي خضم كارثة درنة في سبتمبر 2023، شهدنا لحظة تاريخية فارقة حيث تلاشت تلك الثقوب السوداء فجأة، واتسعت الطرق ليمر منها الليبيون بقلب واحد نحو هويتهم الجامعة. لقد توارى منطق المنطقة والقبيلة خلف صرخة الوطن الواحدة.
وقد تجسد هذا الانبعاث الوطني في حراكات شعبية عابرة للمناطق والقبائل، لعل من أبرزها مجموعة فزعة خوت التي تشرفتُ بعضويتها على الواتساب؛ حيث انصهر فيها المئات من أبناء الشرق والغرب والجنوب في بوتقة واحدة. في تلك اللحظة، لم تعد القبيلة هي الملاذ، بل أصبح الوطن هو المظلة الجامعة. إن هذه الفزعة أثبتت أن ما يجمع الليبيين من وشائج وتاريخ ومصير مشترك هو أعمق بكثير مما تحاول السياسة تفرقه.
إن واجبنا اليوم هو تحويل تلك العواطف إلى مشروع وطني مستدام، عبر إعادة بناء الذاكرة الوطنية الجامعة ومعالجة ثغراتها، لنؤكد أن الهوية الليبية ليست مجرد علم أو نشيد، بل هي إرادة شعب ينهض من تحت الركام ليثبت أن وحدته الوطنية هي الركيزة الأسمى.إن الخروج من مأزق الهوية المفتتة يستلزم حزمة من المعالجات السيادية التي تضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار. وتبدأ هذه المعالجات من:
1. تفعيل دور الجامعات والمراكز البحثية في دراسة قضايا الهوية الوطنية الجامعة وتحويلها من ترف فكري إلى أداة لصناعة القرار.
2. إعادة صياغة كتب التربية الوطنية برؤية عصرية توظف الذاكرة الجمعية لليبيين وترسخ قيم المواطنة والعيش المشترك في وجدان الناشئة.
3. إصدار تشريعات حازمة تُجرم الدعوات القبلية والمناطقية التحريضية وتمنع استخدام الهويات الفرعية كأداة لتفتيت نسيج الدولة.
4. إرساء تقليد أكاديمي لتبادل الطلبة والأساتذة بين الجامعات الليبية في مختلف المناطق شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً؛ وذلك عبر إلزام طلبة التخرج - لاسيما الذكور- بقضاء فصل دراسي في منطقة مغايرة، بما يسهم في بناء أواصر اجتماعية ومعرفية تكسر حواجز العزلة، وتحول التنوع إلى مصدر قوة. كما يشمل المقترح تفعيل إجازات التفرغ العلمي للأساتذة عبر نظام التبادل البيني خلال فترة الإجازة المحددة.
أخيًرا نؤكد أن البحث العلمي الرصين هو الشريان الذي يغذي الهوية الوطنية ويحميها من التصلب؛ فهو القادر على ردم الثقوب السوداء وتحويل الذاكرة من عبء تاريخي إلى محرك للمستقبل. إن المعركة القادمة هي معركة وعي بالدرجة الأولى، والعلوم الاجتماعية هي السلاح الأهم فيها.



##حسين_مرجين (هاشتاغ)       Hussein_Salem__Mrgin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الهوية الوطنية: من الحشو إلى الممارسة.. سوسيولوجيا تفعيل الذ ...
- التعليم العالي في ليبيا.. استعادة الاستقلالية أم الاستمرار ف ...
- هل نحن بحاجة إلى رخصة لقيادة الحياة الزوجية؟.. نحو رؤية اجتم ...
- سوسيولوجيا تأميم العقول: الجامعات الليبية وهيمنة الفكر الواح ...
- علي شريعتي.. وميضُ العقل في عصر الاستحمار الرقمي
- سوسيولوجيا الاستثمار البشري وسط الانقسام السياسي في ليبيا : ...
- سوسيولوجيا وادي وامس: استعادة الذاكرة الجمعية وجهاً لليبيا ا ...
- التنمية البشرية بين الرقمنة والتحول الرقمي: قراءة نقدية في ع ...
- خذلان علم الاجتماع للواقع الليبي
- سوسيولوجيا الفضاء والممارسة: التدين في المجتمع الليبي يوم ال ...
- دروس الحرب الأميركية ـ الإيرانية للحالة الليبية
- الجامعات الليبية ومعضلة المقاس الواحد
- سوسيولوجيا التدين اليومي في ليبيا: شهر رمضان ومفارقات الحياة ...
- جيل Z الليبي بعد 2011: ديناميات الهوية والبراغماتية الاجتماع ...
- علم الاجتماع من ابن خلدون إلى شرنقة الغرب — أين تاهت المخيّل ...
- الفلسفة في المجتمع الليبي: بين إعادة الإنتاج وضرورة الانفتاح ...
- الذاكرة الجمعية والتاريخ في ليبيا (1951– حتى الآن): سلطة الس ...
- التأملات والمشاهدات لأستاذ زائر في ثقافة التعليم والبحث العل ...
- تحول الدراسات الاجتماعية والإنسانية في الجامعات الليبية من ا ...
- مجلس السلام بين توجهات ترامب ومقاربات ابن خلدون


المزيد.....




- ترامب مازحاً عن كوبا: -قواتنا ستسيطر عليها خلال العودة من حر ...
- -هذا لا يليق برئيس-.. ترامب يكشف عن فعل -تكرهه- ميلانيا خلال ...
- ترامب يواجه نهاية مهلة الستين يوماً
- مقال بواشنطن بوست: لماذا بدأ مؤثرون من اليمين فجأة في الإشاد ...
- حصار الموانئ يكلّف إيران مليارات..تقديرات أميركية تكشف الرقم ...
- أميركا تعيد تموضعها في أوروبا.. وتسحب آلاف الجنود من ألمانيا ...
- عاجل.. ترمب: إيران باتت دون دفاعات جوية أو أنظمة رادار وقدرا ...
- بعد تراشق ترامب وميرز حول حرب إيران.. أمريكا ستسحب 5 آلاف جن ...
- أول تصريح لترامب بعد إخطار الكونغرس بـ-انتهاء الأعمال العدائ ...
- لماذا لم نفهم المنطقة؟ ولماذا نتعثر؟


المزيد.....

- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - الذاكرة الليبية العابرة للأجيال في مواجهة الزهايمر الجيوسياسي