أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - الزهايمر السياسي كآلية للهيمنة وبنية وظيفية للسلطة في ليبيا 1951 -وما بعد 2011















المزيد.....

الزهايمر السياسي كآلية للهيمنة وبنية وظيفية للسلطة في ليبيا 1951 -وما بعد 2011


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 8705 - 2026 / 5 / 14 - 16:13
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


عند الحديث عن الزهايمر السياسي، فإننا لا نشير إلى عارض بيولوجي، بل إلى ظاهرة سوسيولوجية تعبّر عن حالة أو حالات ممنهجة من فقدان الذاكرة الجمعية في ليبيا. وتتجلى هذه الظاهرة بوضوح على مستوى القيادات والنخب الحاكمة وهو المستوى الأكثر خطورة، حيث توظّف هذه النخب الزهايمر السياسي كأداة لتمرير سياساتها وتحقيق مصالحها الضيقة، على حساب الوعي التاريخي المشترك.
وتاريخيًا، يمكننا تتبّع جذور هذا الزهايمر السياسي وتحديد بداياته مع نشوء الدولة الليبية الحديثة عام 1951. ففي تلك المرحلة المفصلية، قامت هندسة الدولة على تمكين رجال سلطة ارتبط تاريخهم السياسي بالإدارات الاستعمارية المتلاحقة، سواء الإيطالية أو البريطانية. وفي المقابل، جرى تعمد تَناسي وتهميش شخصيات وطنية قدّمت أدوارًا بطولية وتاريخية حاسمة، لا سيما في الغرب الليبي.
وهنا نسارع إلى القول إن الذاكرة الرسمية لتلك المرحلة تعمدت طمس وتجاهل التاريخ النضالي والسياسي لشخصيات وطنية فذّة بحجم بشير السعداوي، وذلك لتكريس شرعية القيادات المهيمنة آنذاك وحماية مصالحها المكتسبة.
ولم يتوقف هذا التناسي الممنهج عند حدود إقصاء الشخوص، بل امتدّ ليتسبب في إعادة إنتاج الأزمات البنيوية ذاتها بشكل متكرر عبر التاريخ الليبي، وبأسباب يكاد بعضها يطابق بعضًا. وقد تجلّى أبرز الصراع في قضايا محورية، مثل: رفض الوجود العسكري والقواعد الأجنبية، والموقف من القضية الفلسطينية. وقد واجهت هذه القضايا الحكومات المتعاقبة بقدر من عدم الاكتراث الجدي، إذ استخفت بالمحاولات النخبوية والشعبية المستمرة لاستعادة الذاكرة الجمعية بوصفها أداة لترشيد القرار السياسي وتقليل حدة الأزمات.
ونتيجة لهذا الانسداد، انفجر الاحتقان المجتمعي في محطات تاريخية بارزة، مثل أحداث الخروج الجماهيري عام 1961؛ إذ انتفض الشارع الليبي مطالبًا بدور قومي أوسع وأكثر فاعلية لليبيا تجاه القضية الفلسطينية والقضايا العربية. ولم يكن هذا الحراك مجرد احتجاج عابر، بل كان محاولة سوسيولوجية واعية من المجتمع لإعادة بوصلة الدولة إلى عمقها التاريخي. غير أن النخب بحكم استمرار منطق الزهايمر السياسي لم تستوعب هذه الرسالة، فظلّ هذا الزهايمر معولًا يهدم استقرار المؤسسات ويعيد إنتاج أزماتها البنيوية.
واستمر نهج توظيف الزهايمر السياسي كأداة لإدارة الدولة وصياغة المجال العام خلال فترة حكم النظام السابق (1969–2011). إذ ارتكزت الاستراتيجية السياسية آنذاك على تفعيل آليات محو الذاكرة الجمعية وتوجيهها لتمرير التحولات الجذرية في بنية الدولة، وتجاوز الأزمات البنيوية والسيادية التي واجهتها عبر العقود الأربعة.
في هذا السياق، تبرز مؤشرات ووقائع تاريخية عدة تؤكد الطابع الممنهج لهذا السلوك:
أولًا: تجلّى الزهايمر المقصود في محاولات الطمس الشامل لتاريخ المرحلة الملكية (1951–1969)، حيث تم استبعاد تلك الحقبة المفصلية من المناهج الدراسية والكتب الرسمية. كما جرى تحويل الحديث عنها أو استحضار ذاكرتها إلى دائرة المحرمات السياسية، بما خلق فجوة معرفية بين الأجيال الناشئة وتاريخها القريب.
ثانيًا: برز التنازع بين المبادئ التأسيسية وهدف البقاء. فرغم أن الحراك العسكري عام 1969 رفع شعارات إحداث تحولات سياسية واجتماعية جذرية وفي مقدمتها التخلص الفوري من القواعد العسكرية الأجنبية - فإن النخبة الحاكمة سرعان ما أزاحت تلك الأدبيات التأسيسية لحساب هدف مركزي واحد: الاستقرار المطلق في السلطة وتأمين البقاء.
ثالثًا: وعلى مدى أربعين سنة ونيف، وُظِّفت آليات الزهايمر السياسي لتبرير وتمرير تحولات حادة في السياسة الخارجية. وشمل ذلك إعادة صياغة العلاقات مع قوى دولية؛ مثل الانتقال من وصف الولايات المتحدة بوصفها قوة استعمارية إلى تسليم البرامج التسليحية لها. كذلك شهدت العلاقات مراجعات مفاجئة مع قوى وشخصيات إقليمية كانت تُصنَّف سابقًا ضمن خانة العداء أو العمالة، لتتم لاحقًا عملية استيعابها أو تصفية الخلافات معها دون تمهيد مجتمعي.
رابعًا: بلغ توظيف الرهان على غياب الذاكرة الجمعية ذروته في المراحل الأخيرة من حكم النظام؛ إذ جرى التراجع تدريجيًا عن سياسات وقضايا فكرية واقتصادية كانت لسنوات ثوابت للنظام، مقابل الانتقال إلى هندسة مشهد سياسي جديد يمهّد لتثبيت مشروع توريث السلطة وضمان استمرار النخبة ذاتها في المرحلة القادمة.
بناءً على ما تقدم، يستطيع الباحث السوسيولوجي تلمّس مؤشرات الزهايمر السياسي في تلك الحقبة التاريخية بوضوح؛ إذ ارتبطت القضايا المصيرية والديناميات السياسية بمسار صعود وهبوط حاد، يُفعَّل فيه التذكّر والتناسي وفقًا لمتطلبات اللحظة السياسية، وحسابات النخبة الحاكمة، بما يضمن تثبيت أركانها.
وفي مرحلة ما بعد 2011م، لم يكن هذا التوظيف استثناءً؛ بل تحوّل السلوك السوسيولوجي إلى استراتيجية محورية اعتمدتها القيادات والنخب الجديدة لتثبيت وجودها في السلطة وضمان بقائها في المشهد العام. وبمرور الوقت، مارست الحكومات المتعاقبة هذا النوع من التناسي الممنهج بوصفه أداة لإدارة التناقضات الحادة، والهروب من الاستحقاقات الوطنية.
وتتجلى مظاهر ومؤشرات هذا الزهايمر في الواقع الليبي الراهن عبر مستويات عدة:
أولًا: يبرز هذا التناسي المفصلي في تذبذب مواقف السلطة التنفيذية تجاه المجموعات المسلحة؛ ففي الوقت الذي تصدر فيه بيانات رسمية تستهجن وتدين تغوّل هذه المجموعات، تعود السلطة بعد أيام قليلة إلى تقديم دعم مالي ولوجستي لها، أو المضي في سياسات الاسترضاء وشراء الولاءات. ويعكس هذا التناقض الصارخ غياب الذاكرة المؤسسية والالتزام القانوني.
ثانيًا: يظهر الزهايمر السياسي أيضًا في استمرار عمل أجسام سياسية وتشريعية—مثل المؤتمر الوطني العام سابقًا، والمجلس الأعلى للدولة حاليًا، ومجلس النواب على الرغم من انتهاء مددها وتفويضها الانتخابي والقانوني منذ سنوات طويلة. ومع ذلك، يتعامل المشهد السياسي مع وجود هذه الأجسام كأمر واقع، متناسيًا-وبشكل متعمد-الأطر الزمنية التي حددتها الإعلانات الدستورية والاتفاقات السياسية.
ثالثًا: تتسم شبكة العلاقات بين القيادات السياسية والعسكرية بحالة حادة من السيولة والتقلب؛ إذ تتحول خطابات التشاحن والعداء والتخوين المتبادل في العلن إلى لقاءات ودية وتحالفات مصلحية مفاجئة خلف الكواليس. ويقوم الرهان هنا على مراهنة هذه القيادات على زهايمر مجتمعي ينسى الخصومات السابقة بمجرد تبدل المصالح.
رابعًا: يعيش المواطن الليبي اليوم حلقة مفرغة من أزمات حياتية متكررة ومتشابهة في أسبابها وتداعياتها عبر السنوات، مثل أزمات السيولة النقدية (طوابير المصارف)، ونقص الوقود، وغاز الطهي، والكهرباء. ورغم وضوح أسباب هذه الأزمات الناتجة عن سوء الإدارة والفساد الهيكلي، فإن تعاطي الحكومات معها يقوم على حلول ترقيعية مؤقتة، مراهنة على نسيان المجتمع لجذور الأزمة حتى تتجدد مرة أخرى في الدورة المعيشية المقبلة.
إن هذا الرصد السوسيولوجي يؤكد أن الزهايمر السياسي في المشهد الليبي المعاصر لم يعد مجرد غياب عابر للوعي التاريخي؛ بل أضحى آلية وظيفية منظمة تعتمد عليها النخب لتدوير الأزمات، وتأبيد الوضع القائم على حساب بناء مؤسسات دولة حقيقية.

وتأسيسًا على ما تقدم، نخلص إلى أننا لسنا أمام أحداث عابرة أو سلوكيات عشوائية؛ بل نحن أمام ظاهرة ممتدة ومستمرة، تحولت بمرور العقود إلى جزء بنيوي أصيل في تركيبة السلطة في ليبيا، ومحدد أساسي في كيفية تعاطيها مع المشاكل والأزمات التي تواجه مؤسسات الدولة. إن الزهايمر السياسي لم يعد مجرد نتاج لضعف الذاكرة المؤسسية؛ بل أضحى أحد أبرز أدوات الهيمنة وتأبيد الوضع القائم التي تمارسها النخب المتعاقبة لضمان استمرارها في الحكم، وإعادة إنتاج شرعيتها.
وفي هذا السياق المعرفي، يواجه الباحث في علم الاجتماع والمثقف العضوي مسؤولية تاريخية؛ إذ يدفعنا ذلك بالضرورة إلى تفكيك هذه الأدوات، ومراجعتها، وكشف آليات اشتغالها أمام الرأي العام. إن مواجهة الزهايمر السياسي والتحرر من هيمنة السلطة يبدأ أولًا بـوعي مجتمعي صارم يرفض التناسي الممنهج، ويعمل على استعادة الذاكرة الجمعية بوصفها ركيزة أساسية لبناء دولة المؤسسات والقانون، وحوكمة مستقبلها.



##حسين_مرجين (هاشتاغ)       Hussein_Salem__Mrgin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السيادة المعرفية والذاكرة العربية: لماذا نحتاج أرسيف في مواج ...
- ليزا أندرسون تُحرّك سؤال الذاكرة: لماذا يغيب الباحث الليبي؟
- التعليم في ليبيا: دعوة لانتشال الخطط من كينونة الوزير إلى ال ...
- الابتكار في ليبيا خارج التغطية الدولية: من المسؤول عن تصفير ...
- سوسيولوجيا الذاكرة في الجامعات الليبية: مراجعة الثقوب السودا ...
- الذاكرة الليبية العابرة للأجيال في مواجهة الزهايمر الجيوسياس ...
- الهوية الوطنية: من الحشو إلى الممارسة.. سوسيولوجيا تفعيل الذ ...
- التعليم العالي في ليبيا.. استعادة الاستقلالية أم الاستمرار ف ...
- هل نحن بحاجة إلى رخصة لقيادة الحياة الزوجية؟.. نحو رؤية اجتم ...
- سوسيولوجيا تأميم العقول: الجامعات الليبية وهيمنة الفكر الواح ...
- علي شريعتي.. وميضُ العقل في عصر الاستحمار الرقمي
- سوسيولوجيا الاستثمار البشري وسط الانقسام السياسي في ليبيا : ...
- سوسيولوجيا وادي وامس: استعادة الذاكرة الجمعية وجهاً لليبيا ا ...
- التنمية البشرية بين الرقمنة والتحول الرقمي: قراءة نقدية في ع ...
- خذلان علم الاجتماع للواقع الليبي
- سوسيولوجيا الفضاء والممارسة: التدين في المجتمع الليبي يوم ال ...
- دروس الحرب الأميركية ـ الإيرانية للحالة الليبية
- الجامعات الليبية ومعضلة المقاس الواحد
- سوسيولوجيا التدين اليومي في ليبيا: شهر رمضان ومفارقات الحياة ...
- جيل Z الليبي بعد 2011: ديناميات الهوية والبراغماتية الاجتماع ...


المزيد.....




- حكومة علي الزيدي تنال ثقة البرلمان العراقي.. وتعهدٌ بحصر الس ...
- بين طوابير المساعدات وتجاهل ترمب.. حرب إيران تفاقم أزمات الأ ...
- ترمب جاء إلينا في الصين فرارا من فخ -ثوسيديديس-
- مدير -سي آي إيه- في كوبا وحكومتها تدرس مقترح مساعدات أمريكية ...
- سجون روسيا أُفرغت بـ40%.. فهل ذهب السجناء إلى الحرب؟
- استقالة وزير الصحة تزيد الضغوط على ستارمر وتفتح الباب لمنافس ...
- مسؤول أميركي بارز: محادثات إسرائيل ولبنان مثمرة وإيجابية
- روبيو: لم نطلب مساعدة الصين ولا نحتاج إليها
- اجتماع كوبي أميركي في هافانا.. ورسالة جديدة من ترامب
- مدير CIA يزور كوبا وسط الحصار وتهديدات ترامب.. ماذا قالت هاف ...


المزيد.....

- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - الزهايمر السياسي كآلية للهيمنة وبنية وظيفية للسلطة في ليبيا 1951 -وما بعد 2011