أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - لماذا نكتب في علم الاجتماع؟















المزيد.....

لماذا نكتب في علم الاجتماع؟


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 8712 - 2026 / 5 / 21 - 09:12
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


سؤال طالما طرحته وبالخصوص موجّه إلى الباحثين والأساتذة والطلبة في ليبيا وكانت تجربتي مع هذا السؤال واحدة: لم أتلقَّ جوابًا، رغم أني نشرت المقال في مجموعة تضم أكثر من 300 أستاذ وباحث متأصلين في هذا المجال.
واليوم أكرر التساؤل ذاته: لماذا نكتب؟ هل الهدف هو الترقية العلمية؟ أم مجرّد استجابة لحاجة مجتمعية ملحّة؟ أم أنّ الأمر تحوّل تدريجيًا إلى نوع من الإدمان الرمزي يدفعنا إلى القلم دفعًا لا إراديًا: ضرورة قصوى لا يمكن مقاومتها؟
لكن دعونا من كل ذلك. سأفترض أن الصمت ليس دليلًا على غياب معنى، بل دليلًا على صعوبة الاعتراف به. سأجيب عن التساؤلات بنفسي. لست أكتب بدافع تجاوز أحد أو إزاحة زملاء، وإنما لأن الصمت حين يُسأل سؤالًا عميقًا يكون أحيانًا هو الجواب الوحيد.
أنا أكتب كما ذكرت في مقالاتي السابقة لأنني أحتاج إلى أن أعيش. لقد صارت الكتابة جزءًا من الهواء الذي أتَنفسه، ونبضًا يتدفق في القلب. أكتب كي لا أموت. قد تبدو هذه العبارة غامضة للبعض، أو ذاتية جدًا لآخرين، لكنها بالنسبة إليّ الحقيقة المطلقة.
في هذا المعنى، لم تعد الكتابة منشورًا أكاديميًا فقط، بل أصبحت حياة؛ وأصبحت في الوقت نفسه أداة تكيف مع الوقائع والأشياء. صرتُ أرى أن العيش بدون الكتابة صار مستحيلًا: ليست الكتابة ترفًا معرفيًا، بل طريقة للبقاء، وبوصلة داخلية لإعادة ترتيب الألم، وتحويله ولو جزئيًا إلى فهم.
إذن، أصبحت الكتابة ذلك الحوار المكتوب بيني وبين الوقائع والظواهر المعاشة؛ إنها استنطاق لتفاصيل الحياة اليومية، ونبش في المسكوت عنه، وكشف للمضمر. وبهذا المعنى، هي ببساطة توثيق للذاكرة، لا الارتهان لخوارزميات الآلة بوصفها الحافظة الوحيدة لتلك الوقائع.
إنها عملٌ دؤوب على تدوين الأحداث بتفاصيلها الدقيقة، على نحو يجعل من الممكن—في لحظة لاحقة—أن يجد أحدٌ ما كان يبحث عنه داخل هذه الصفحة. لذلك ليس من الضروري دائمًا أن نصل إلى تفسير فوري لكل شيء؛ فبعض الظواهر تحتاج زمنًا كي تتشكل دلالاتها، وليتضح لنا ما هي عليه، وكيف ينبغي تعريفها وفهمها.
وفي أحيانٍ أخرى، أجدني أكتب دون أدنى التزامٍ بتلك القوالب الجاهزة؛ القوالب التي فُرضت علينا كشرط ضمني لقبول النشر العلمي. في نظري، هذه القوالب لم تُنتج بالضرورة معرفةً أكثر دقة، بل جعلت بعض العقول تراوح مكانها في دائرة التفكير المكرّر والتدبر المتوقّف عند حدود المقبول. وعاجزة، بالتالي، عن الانعتاق من الـقـالـب، وعن ممارسة الإبداع.
لهذا، يأتي ترتيبٌ صارمٌ لقواعد البحث من المقدمة والأهمية، إلى الأهداف والتساؤلات ليتحول مع الوقت إلى قيدٍ، أتعمد اليوم القفز فوقه وتجاوزه. وليس في ذلك نسيانٌ للقواعد، ولا إعلانٌ ضعفٍ في استيعاب المنهج، بل هو تمرد مقصود وواعٍ: محاولة لاستعادة الكتابة بوصفها فعلًا معرفيًا حيًّا، لا مجرّد مطابقة شكلية لشروط القبول.
هذا السياق تستحضرني واقعة مهمّة: حين قدمتُ ورقةً علمية إلى مجلة وطنية محكَّمة، ثم تواصلتُ مع رئيس تحريرها عارضًا رغبتي في النشر. ربما دفعه شيءٌ من الخجل إلى عدم رفض طلبي مباشرة، فقال لي: أرسل لي ورقتك .
وبعد فترة، وقبل أن تُحال الورقة إلى التقييم الرسمي، اتصل بي رئيس التحرير تمهيدًا ومحاولةً لتلطيف الصدمة. قال لي بصوتٍ يوحي بالحذر: أعلم أنك من الباحثين الذين يتقبلون النقد برحابة صدر، حتى إن كان قاسيًا. أدركتُ فورًا أن الورقة قد رُفضت.
ثم وصلني التقييم. كان لا يتجاوز خمسة أو ستة أسطر باهتة، تتبنّى حكمًا جاهزًا دون ملامسة فعلية لجوهر الورقة: غير مؤهلة للنشر لأنها مجرد تجميع لأفكار غير مترابطة. والأكثر إثارة للسخرية أن المقيم استخدم كلمة ورقية بدل ورقة وهي زلّة لغوية كاشفة. لم تكن مجرّد خطأ مطبعي؛ بل كانت مثل بصمة صغيرة عرفتُ منها ملامح المقيم، ومن يكون.
تلقيت تلك الأسطر وقرأتُها عشرات المرات. وفي كل مرةٍ كنتُ أكتشف فيها خطأً لغويًا أو نحويًا فادحًا سقط فيه المقيم نفسه. لم أتمهل في الرد؛ فكتبتُ إلى زميلي رئيس التحرير بضع كلمات مفادها أن لغة المقيم العربية لم تكن مؤهلة أصلاً لقراءة الورقة وفهمها. وأن التقييم المحال إليّ يعجّ بأخطاء ليست طباعية فحسب، بل تشي بعدم القدرة على التحقق مما طُلب منه.
غير أن زميلي لم يتقبل هذا النقد العكسي برحابة صدر؛ فلم يتحمل المواجهة، واتصل بي معاتبًا بنبرة غاضبة.
لم تمر سوى أيام قليلة حتى أعدتُ إرسال المقالة نفسها إلى مجلة عربية مرموقة. وبعد أشهر، جاءني الرد بقبول الورقة ونشرها كما هي، دون طلب تعديل.
وشاءت الأقدار بعد سنة أن ألتقي بذلك الزميل (رئيس التحرير). سألني عن مصير الورقة، فقلت له بكل صدق: لقد خدمتني خدمة العمر عندما رفضتم نشرها، وأنا ممتنّ لك جدًا. ثم حين علم أنها نُشرت في مجلة عربية كبرى، بدت عليه الدهشة، ولم يكن راضيًا أو مستريحًا لإجابتي كما لو أن الحقيقة لم تعد قابلة للتفسير وفق السرد الذي حاول ترسيخه منذ البداية.
وعلى أي حال، فإن ما أود قوله وتأكيده هو: سأظل أكتب، حتى لو رُفض نشر ما أخطّه مراراً وتكراراً؛ فـروحي وقلمي لن يُقّيدَهما قالب، وسأجد دائمًا بقعة ضوء أخرى تحتضن هذا الفكر.
وفي إحدى المرات، كتبتُ مقالًا نقديًا ناقشتُ فيه أداء وزارة التعليم العالي؛ وما إن نُشر حتى اتصل بي الوزير شخصيًا معاتبًا بنبرة حادة. لم أسمح له بتجاوز حدود الحوار، فقاطعته بعبارة حاسمة قلت فيها: ليس هناك من يملك سلطة منعِي من الكتابة، حتى أنت بوصفك وزيرًا! وتوقف الحديث بيننا عند هذا الحد.
هذا الموقف برأيي يؤكد أن الكتابة في جوهرها موقف أخلاقي صلب. فنحن الباحثين في علم الاجتماع لا نتفرّج على الوقائع المعاشة بدافع شغف عابر أو هواية؛ بل نكتب لنسجل تلك الأحداث بدقة، لكي نرى أنفسنا كأفراد وكجماعة بشكل أفضل وكما يرانا الآخرون لا كما نحب أن نرى أنفسنا في مرآة الوهم.
إن الكتابة في علم الاجتماع ليست ترفًا بحثيًا يطلب تساؤلات باهتة، ولا سعياً لإثبات فرضيات معلبة؛ بل هي ذاكرة جمعية ندوّن عبرها الوقائع والأشياء كما هي، من دون طلاء أو تجميل. ومن ثم ننتقل من التوثيق إلى التشخيص والتحليل والتفسير، وصولاً إلى اجتراح معالجات حقيقية.
وبذلك، لا تتحول الكتابة إلى نقد اجتماعي مستمر للواقع، بل إلى سعي دؤوب لتقديم حلول وبدائل يمكن اختبارها على الأرض.
وربما أكون قد أجبت الآن ولو جزئيًا عن السؤال المطروح في بداية المقالة: لماذا نكتب في علم الاجتماع؟ ورغم أن هذه الإجابات قد تظل بحاجة إلى صقل وتنقيح وإضافة مزيد من التفاصيل، ولكن سأكتفي بهذا القدر من الطرح في الوقت الراهن.



##حسين_مرجين (هاشتاغ)       Hussein_Salem__Mrgin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أخلاقيات البحث العلمي في العلوم الاجتماعية بين التنظير الغرب ...
- صناعة جدار الصد المعرفي: إستراتيجيات صيانة الذاكرة الوطنية ف ...
- الزهايمر السياسي كآلية للهيمنة وبنية وظيفية للسلطة في ليبيا ...
- السيادة المعرفية والذاكرة العربية: لماذا نحتاج أرسيف في مواج ...
- ليزا أندرسون تُحرّك سؤال الذاكرة: لماذا يغيب الباحث الليبي؟
- التعليم في ليبيا: دعوة لانتشال الخطط من كينونة الوزير إلى ال ...
- الابتكار في ليبيا خارج التغطية الدولية: من المسؤول عن تصفير ...
- سوسيولوجيا الذاكرة في الجامعات الليبية: مراجعة الثقوب السودا ...
- الذاكرة الليبية العابرة للأجيال في مواجهة الزهايمر الجيوسياس ...
- الهوية الوطنية: من الحشو إلى الممارسة.. سوسيولوجيا تفعيل الذ ...
- التعليم العالي في ليبيا.. استعادة الاستقلالية أم الاستمرار ف ...
- هل نحن بحاجة إلى رخصة لقيادة الحياة الزوجية؟.. نحو رؤية اجتم ...
- سوسيولوجيا تأميم العقول: الجامعات الليبية وهيمنة الفكر الواح ...
- علي شريعتي.. وميضُ العقل في عصر الاستحمار الرقمي
- سوسيولوجيا الاستثمار البشري وسط الانقسام السياسي في ليبيا : ...
- سوسيولوجيا وادي وامس: استعادة الذاكرة الجمعية وجهاً لليبيا ا ...
- التنمية البشرية بين الرقمنة والتحول الرقمي: قراءة نقدية في ع ...
- خذلان علم الاجتماع للواقع الليبي
- سوسيولوجيا الفضاء والممارسة: التدين في المجتمع الليبي يوم ال ...
- دروس الحرب الأميركية ـ الإيرانية للحالة الليبية


المزيد.....




- الخارجية الإماراتية تعقّب على اعتداء مسيرات قادمة من العراق ...
- خبراء: الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقا جديدة للغة الأمازيغية
- سوريا.. توقيف مسؤول سابق على صلة بسجن صيدنايا
- إيران تدرس أحدث رد أميركي.. وترامب يتوعد
- دعما لأطفال غزة.. دخول قافلة إماراتية محملة بكسوة العيد
- فيديو قوات البحرية الأمريكية تصعد على ناقلة إيرانية بخليج عُ ...
- إسرائيل.. بن غفير يشعل ضجة دولية بفيديو ما فعله مع نشطاء أسط ...
- -شراكة استراتيجية خاصة-.. العلاقات بين روما ونيودلهي تدخل مر ...
- استدعاء سفراء لإسرائيل وتنديد دولي بسوء معاملة نشطاء أسطول ا ...
- الجوع يبتلع الطفولة.. عائلات أفغانية تعرض أبناءها للبيع


المزيد.....

- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - لماذا نكتب في علم الاجتماع؟