حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)
الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 6 - 16:51
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
لا يزال موضوع الذاكرة الجماعية يشغل حيزاً مهماً في النقاش السوسيولوجي حول آليات توظيفها لإحداث التغيير في المجتمعات المأزومة. ويثور التساؤل هنا: هل يتحقق التعافي من خلال تجاوز هذه الذاكرة الجريحة، أم بفتح ملفاتها وصدماتها الكامنة؟ حتى وإن جرت محاولات للتغاضي عنها والاعتماد على عامل الوقت، ظناً بأن النسيان كفيل بمحو الآثار السيئة لتلك الجراح.
وتُظهر الوقائع التاريخية أن بعض الفاعلين الاجتماعيين يستدعون الذاكرة الجريحة للتعبير عن مظلوميتهم والآلام التي لحقت بهم، حتى بعد غياب الشخوص المعاصرين لتلك الأحداث. ففي السياق الليبي، برزت هذه الجراح إبان الحرب الأهلية بشكل يستدعي التدبر والتحليل؛ فعندما دخلت بعض القبائل والمناطق المناصرة لقرارات المؤتمر الوطني العام آنذاك إلى مدينة بني وليد عام 2012، رُفعت صورة رمضان السويحلي. وهي شخصية تاريخية جدلية قُتل أثناء محاولته دخول المدينة قديماً. إن استدعاء هذه الواقعة ورفع الصورة لم يكن وليد الصدفة أو مجرد خاطرة عابرة، بل هو تعبير دقيق عن الذاكرة الجريحة التي تختزنها بعض المناطق والقبائل، والتي قد تخمد لفترات زمنية لكنها تتحين الفرص لتطفو على السطح، متخذةً أحياناً طابعاً ثأرياً.
وفي سياق متصل، شهدت المرحلة التي تلت عام 2011 إعادة إنتاج للرموز كأداة لإعادة صياغة الهوية السياسية والمجتمعية؛ حيث برزت صور الشخصيات التي صفّاها النظام السابق. فعلى سبيل المثال، أُعيدت تسمية مدرج بجامعة طرابلس باسم الطالب رشيد كبار الذي قُتل هناك. وامتد هذا السلوك السوسيولوجي لتغيير أسماء الفضاءات العامة؛ فعادت الساحة الخضراء إلى اسمها الأصلي ميدان الشهداء، وتحول شارع أول سبتمبر إلى 24 ديسمبر، واسترجعت جامعة الفاتح اسمها جامعة طرابلس.
بناءً على ذلك، فإن هذه الممارسات لم تكن مجرد رغبة عابرة في تغيير الأسماء أو استدعاء اعتباطي للشخوص والوقائع، بل هي آليات تعبيرية واعية ومنظمة تعكس سلطة الذاكرة الأليمة وتأثيرها المباشر في توجيه سلوك المجتمع وإعادة تشكيل فضائه العام.
وهنا نسارع إلى القول بأن سلطة الذاكرة الأليمة تفرض نفسها كقوة فاعلة وتوجيهية داخل المجتمعات، حيث تظل كامنة تحت السطح لـتتحين الظروف المواتية والفرص السياسية السانحة للبروز مجدداً، والتعبير عن تلك الجراح التاريخية الغائرة في العمق. ويمتد التأثير العميق لهذه السلطة الرمزية ليوجه سلوك الأفراد والوجدان الجمعي، لا سيما في المجتمعات ذات البنى القبلية كالمجتمع الليبي.
هذا الواقع السوسيولوجي يستوجب بالضرورة تفكيك مفهوم الذاكرة الجريحة، والذي يمكن تعريفه بأنه مجموعة من السرديات التاريخية الأليمة التي تشكل ثقوباً سوداء في تاريخ الجماعة، نتيجة لعدم تسويتها تاريخياً واجتماعياً بالتراضي والعدالة.
وفي مقابل استدعاء الطرف المتضرر لهذه الذاكرة عند التمكن، يلوذ الطرف الآخر بالصمت أو ما يبدو نسياناً. إلا أنه ليس نسياناً حقيقياً أو تجاوزاً للماضي، بل هو سلوك دفاعي تفرضه عدم القدرة الراهنة على مواجهة الوقائع، أو نتيجة لهزيمة فرضها الطرف المنتصر بقوة السلاح. إن هذا التناسي الظاهري يمثل استراتيجية اجتماعية لكسب الوقت، ومحاولة لإعادة الاستواء والتموضع بانتظار اختلال موازين القوى؛ حيث تُختزن المظلومية في اللاشعور الجمعي لحين التمكن من الطرف الآخر، والرد عليه بأسلوب انتقامي قد يكون أشد عنفاً وأوسع نطاقاً.
إن استمرار وجود هذه الثقوب السوداء في تاريخ المجتمعات المأزومة، يدفع بالضرورة إلى البحث عن آليات سوسيولوجية قادرة على تفكيكها وتجاوزها، وتأتي في مقدمتها مقاربات العدالة الانتقالية وعمل لجان الحقيقة والمصالحة. ولعل في التجارب الدولية ما يلهم هذه المقاربة؛ ففي تجربة جنوب أفريقيا، اعتُمدت آلية المكاشفة العلنية عبر فتح تحقيقات الذاكرة الجريحة، وإدارة حوار مباشر، الذي اتسم بالشفافية والنزاهة بين الضحايا والجلادين. لقد أتاحت هذه السانحة للمظلومين التحرر من قيود الصدمة المتوارثة، والتعبير علانية وبكل تفصيل عن الآلام والانتهاكات التي لحقت بهم. وفي المقابل، وُضع الطرف المعتدي في مواجهة أخلاقية مباشرة مع ممارساته السابقة، مما فجّر مشاعر الندم والصدمة الإنسانية التي بلغت ذروتها في مواقف بكاء وعناق متبادل، متجاوزةً بذلك التوقعات التي كانت تتنبأ بانزلاق المجتمع نحو الاحتراب الأهلي مجدداً. وبالمثل، شهدت التجربة المغربية مساراً قارَبَ طي صفحة الماضي وسنوات الجمر عبر المصالحة والمكاشفة.
بناءً على هذه النماذج، تبرز الحاجة الملحة في المجتمعات ذات الصراعات المشابهة إلى فتح صفحات الذاكرة الجريحة التي تغص بها الذاكرة الوطنية، وإخضاعها لشروط الشفافية والنزاهة المطلقة. إن نجاح هذه العملية السوسيولوجية مشروط بنيوياً برعاية وحماية سلطة الدولة الحصرية؛ لضمان تحييد أي سلطات موازية أو قبلية أو مناطقية قد تحرف مسار العدالة، وبما يضمن تحويل الذاكرة من عبء مهدد للاستقرار إلى رافعة للتكامل الوطني والسلم الاجتماعي المستدام.
وفي العموم تواجه مسارات المصالحة الوطنية في ليبيا تحديات بنيوية بالغة التعقيد، تضع إمكانية تحقيق السلم الاجتماعي على المحك.
ويأتي في مقدمة هذه التحديات غياب مؤسسة الدولة الاحتكارية لأدوات الضبط والسيطرة، وهو الغياب الذي يفتح الباب لتصفية الحسابات الشخصية والثأر القبلي خارج أطر القانون. ويتعمق هذا المأزق في ظل حالة الانقسام السياسي الراهن، وما يصاحبه من حرج اجتماعي وتمنُّع من قِبل القبائل والمناطق التي تماهت مع سردية الطرف المنتصر؛ إذ ترفض هذه المكونات أي تهاون في تفاصيل التسوية، مستندةً إلى نفوذ سوسيولوجي محلي يفوق سلطة الدولة المركزية، بل إن هذه التكوينات التقليدية أصبحت هي التي توفر الحماية لنفسها ولشرعيتها البديلة، مما يطرح سؤالاً جوهرياً حول كيفية صياغة مصالحة حقيقية في ظل اختلال موازين القوة لصالح الجماعة على حساب الدولة.
وإزاء هذا التغول الاجتماعي، تبرز الحاجة الملحة إلى بناء وعي وطني جامع قادر على تفكيك العصبيات الفرعية، وتغليب المصلحة الوطنية العليا على الحسابات القبلية والمناطقية الضيقة. ولا يقتصر التحدي على الجانب الثقافي والاجتماعي فحسب، بل يمتد إلى البيئة التشريعية؛ حيث تواجه البلاد مأزق القوانين والتشريعات القاصرة التي تحتاج إلى ثورة تعديلية جذرية. إن نجاح المصالحة الشاملة يتطلب ألا تقتصر القوانين على معالجة ملفات وضحايا مرحلة ما بعد عام 2011 فقط، بل يجب أن تمتد أفقياً وعمودياً لتشمل كافة المراحل التاريخية وصولاً إلى ما قبل استقلال الدولة، لضمان تصفير الصدمات التاريخية المتراكمة، وإرساء عدالة انتقالية منصفة ومستدامة.
إن الإخفاقات المتكررة للمشاريع السياسية الفوقية وغير الناضجة، والتي غالباً ما تُستدعى بشكل براغماتي وموسمي لغايات نفعية وضمان مكاسب خاصة، تدفع بالضرورة نحو حتمية صياغة مشروع وطني حقيقي وشامل للمصالحة؛ مشروع مستدام ينهي حالة الانقسام والتشرذم، ويؤسس لدولة تتسع لجميع مواطنيها دون إقصاء. إن هذا المسار يتطلب قيادات وطنية استثنائية تؤمن بعقيدة اجتماعية وسياسية واضحة شعارها: نخسر السلطة ولكن سنكسب وطناً، مغلّبةً المصلحة العليا على حساب المكاسب السلطوية الضيقة.
وفي ظل استعصاء المشهد السياسي الراهن، تبرز الحاجة الملحة إلى تبني استراتيجية تحصين مجتمعي تدرجية، تقوم على حزمة من التوصيات الإجرائية القابلة للتنفيذ الفوري، لتمثل اللبنة الأساسية لمصالحة أعم وأكثر استدامة، وذلك عبر المحاور التالية:
• تضمين مفاهيم وقيم المصالحة الوطنية والتعايش السلمي ضمن المناهج الدراسية لمرحلتي التعليم الأساسي والثانوي، مع التركيز على إبراز الوقائع التاريخية والشخصيات الجامعة التي وحّدت الليبيين عبر التاريخ. وهنا اقترح شخصيات ليبية تاريخية يتفق عليها الجميع عبر التاريخ (مثل شخصيات الجهاد ضد الاستعمار، أو قامات الفكر والأدب العابرة للمناطق)، لتوضيح كيف يمكن للمنهج أن يبني الوجدان المشترك.
• تأسيس منتدى وطني سنوي للمصالحة ينتقل بصفة دورية بين الجامعات الليبية، لمناقشة وتفكيك السياقات الاجتماعية والثقافية المرتبطة بالذاكرة الجريحة. وتبرز هنا المبادرة الريادية المتمثلة في مقترح منتدى جامعة سرت للمصالحة، ليكون نقطة الانطلاق والنموذج المعياري لهذا المسار الأكاديمي.
• تشجيع الحراك الأكاديمي والتدريس البيني بين الجامعات الليبية، وحث وزارة التعليم العالي على تفعيل قرارات التفرغ العلمي البيني؛ بحيث ينتقل أساتذة الجامعات وطلابها للتدريس والدراسة في مناطق ومدن مختلفة، ليكونوا بمثابة سفراء للمصالحة وشعلة للتنوير الاجتماعي والتعارف العابر للاستقطاب والمناطقية.
• إعادة هندسة وتعريف الفعاليات والمناسبات المحلية السنوية وشحنها بمضامين وطنية؛ كاستثمار الظاهرة السياحية والرياضية السنوية المتمثلة في رالي تي تي للسيارات بمدينة ودان، وتحويله من مجرد حدث رياضي محلي إلى ملتقى وطني جامع يحمل رسائل السلام والوئام والمصالحة الوطنية.
في المحصلة، إن معالجة الذاكرة الجماعية الجريحة وتفكيك صدماتها المترسبة تتطلب، كشرط بنيوي حتمي، وجود إرادة سياسية حقيقية، جادة وواعية، تعمل وفق استراتيجية وطنية شاملة تُعلي المصلحة العليا للوطن فوق أي اعتبارات قبلية أو مناطقية أو مكاسب سلطوية ضيقة.
إن التئام الجروح التاريخية للمجتمعات المأزومة لا يمكن أن يتحقق أبداً عبر سياسة التغافل أو القفز على الوقائع وإغلاق الملفات قسراً قبل معالجتها وتطهيرها بمشرط العدالة والمكاشفة الشفافة والمصالحة الحقيقية؛ فالتظاهر بالنسيان وتغطية الندوب دون علاج سوسيولوجي ونفسي عميق لن يؤدي إلا إلى تعفن تلك الجراح الكامنة تحت السطح، وتفاقمها بمرور الوقت لتتحول إلى ثقوب سوداء مزمنة ومُعلقة في تاريخ الوطن، تتربص بسلامه وتلتهم أي محاولة لبناء غدٍ آمن ومستدام
##حسين_مرجين (هاشتاغ)
Hussein_Salem__Mrgin#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟