أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - سوسيولوجيا الذاكرة الجريحة: نحو مقاربة المصالحة القائمة على الاعتراف لا النسيان














المزيد.....

سوسيولوجيا الذاكرة الجريحة: نحو مقاربة المصالحة القائمة على الاعتراف لا النسيان


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 8753 - 2026 / 7 / 1 - 20:17
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


يعيش المجتمع الليبي المعاصر تداعيات انقسام بنيوي عميق أخفقت النخب والحكومات المتعاقبة في احتوائه، بل ساهمت في مأسسته عبر تكريس ثنائية إقصائية تقوم على منطق المنتصر والمنهزم. هذا الشرخ الغائر بين معسكري التأييد والمعارضة تمدد ليتحول من صراع سياسي إلى تمزق اجتماعي أفقي، نتيجة عجز السلطة عن تجسير الهوة وتبني المواطنة كمعيار دستوري وأخلاقي موحد للحقوق والواجبات. وبدلاً من إرساء دولة القانون، جرى توظيف البنى القبلية والمناطقية كأدوات للصراع والتعبئة، مما شرعن تقسيماً مجتمعياً منحازاً فرضته سلطة الأمر الواقع وقوة السلاح الموزعة قبليا ومنطقيا. وتحت وطأة هذا المشهد، تحولت الدولة من فضاء عام جامع إلى ساحة للمحاصصة وتوزيع المغانم والريع بناءً على الولاء والقوة، لا على أسس العدالة والمساواة الكونية.إن هذا التشظي المجتمعي يستدعي حتماً تفعيل الذاكرة الجمعية، كأداة نقدية لاستخلاص مقاربات علاجية تُرمم السلم الأهلي. وعليه، تبرز اليوم حاجة سوسيولوجية ملحة لبروز قيادات اجتماعية استثنائية ونخب واعية تتجاوز أطر الغنائمية السياسية. قيادات تتخذ من الوطن بوصلة لها، وتُعلي من شأن الهوية الوطنية الجامعة فوق كل الاعتبارات القبلية والمناطقية الضيقة، لتتحمل مسؤوليتها التاريخية في قيادة المجتمع نحو التعافي البنيوي، بعيداً عن صراعات المحاصصة التي اختزلت الدولة في مجرد حصص قبلية أو مناطقية ومكاسب فئوية
أمام هذا الواقع المتفكك الذي نعيشه اليوم، تبرز الذاكرة الجمعية كطوق نجاة يقدم مقاربات علاجية مستلهمة من صميم تاريخنا القيمي المشترك. إن تجاوز هذا الشرخ البنيوي يتطلب حتمًا ظهور قيادات وطنية ونخب واعية تتجاوز عقلية القبيلة والغنيمة؛ قيادات تؤمن بأن قوة القبيلة ومنعتها تكمن في استقرار الدولة وصون مؤسساتها، لا في تفكيكها واقتسام ريعها. إن المسؤولية التاريخية تحتم بروز رموز اجتماعية تدرك أن الوطن كيان جامع يحميه الجميع ويحتمي به الجميع تحت مظلة مواطنة متساوية.ولعلّ في سياقات النزاع المحلي ما يجسد هذا التمزق الاجتماعي ومحاولات ترميمه؛ ففي إحدى المدن الليبية غداة الحرب مباشرة، تتبدى واقعة سوسيولوجية تلخص هذا المشهد بدقة. عقب سقوط النظام، قام أحد الشباب بالاستيلاء على سيارة جاره، والتي كانت قد مُنحت للأب كتعويض رمزي عن فقدان ابنه في الحرب. لم يكن المستولي غريباً عن الفضاء الاجتماعي للضحية، بل كان من أبناء الحي ذاته الذين نشؤوا تحت أنظار ذلك الأب المكلوم. وأمام حسرة الأب وشكواه، تحركت الوساطة الاجتماعية الواعية؛ حيث تم تذكير الشاب بحق الجيرة، وبمكانة الرجل الأبوية، وبالمشتركات الإنسانية التي جمعتهم في طفولته. وبعد نقاشات ممتدة، استيقظت في وعي الشاب ذكريات الخبز والملح والقيم الأخلاقية الراسخة التي سعت السياسة لتجريفها، فقام بإعادة الحق لأصحابه. لقد كانت صرخة الأب الحكيمة: يلي ماتوا أبنائنا، ويلي عاشوا أبنائنا أيضاً، هي المفتاح الرمزي الذي أعاد الأمور إلى نصابها، مذكّرةً الجميع بأن الدماء التي سُفكت كانت خسارة فادحة للوطن بأكمله، وأن الذاكرة الأخلاقية المشتركة هي الكفيلة وحدها برأب الصدع عندما تسقط الروادع القانونية.
إن الخروج من مأزق الانقسام البنيوي والتفكك الراهن يستوجب حتمًا الانتقال من مفهوم المصالحة النفعية التوافقية (التي تقتصر على التوقيعات السياسية وتقاسم الحقائب السيادية) إلى عمق سوسيولوجيا الذاكرة الجريحة والعدالة الاعترافية. فالمصالحة المستدامة لن تنجح إلا بالاعتراف الشجاع بتعدد السرديات، وبآلام جميع الأطراف دون استثناء أو إقصاء. إن الحروب المتعاقبة لم تترك دمارًا ماديًا في البنية التحتية فحسب، بل خلّفت شروخًا غائرة في الوجدان الجمعي، حيث يمتلك كل طرف روايته الخاصة حول المظلمة التي حلت به. وإذا ما جرى تجاهل هذه السرديات المتوازية أو محاولة فرض النسيان القسري عليها، فإن الجراح ستظل كامنة وقابلة للانفجار عند أول ارتداد سياسي . تبدأ المصالحة الحقيقية عندما يوقن كل طرف بأن آلامه معترف بها رمزيًا وسياسيًا من قِبل الآخر ومن قِبل الدولة؛ إذ إن نفي ألم الآخر أو تهميشه يعيد إنتاجه سوسيولوجيًا كعدو أبدي. إن الاعتراف المتبادل بالمعاناة هو الأداة الفعالة لتفريغ شحنات الانتقام المجتمعي وتفكيك العُقد النفسية للنزاع. وعندما تتبنى الدولة والمجتمع مقاربة مرنة تستوعب كل الآلام، فإنها تحرم النخب السياسية الانتهازية من استغلال ورقة المظلومية الفئوية كوقود لتعبئة الشارع وإشعال حروب جديدة. إن الغاية الأسمى هنا هي تحويل الذاكرة من ترسانة للصراع وأداة لتكريس ثنائية (نحن ضد هم)، إلى ذاكرة وطنية جامعة. فالاعتراف بالوجع المشترك يمنح الجميع شعورًا بالانتماء إلى ذات الوطن المتألم، ويمهد الطريق لصياغة هوية وطنية عابرة للمناطقية والقبائل. إنها مواجهة شجاعة للماضي بكل أوجاعه، وتفكيك واعي لسردياته، لضمان عدم تكرار مآسيه في المستقبل ولتأسيس عقد اجتماعي ليبي جديد يقوم على المواطنة والعدالة والتعايش.
أخيرًا يتضح أن المسار الحقيقي لإنقاذ الدولة الليبية ومؤسساتها لا يمر عبر تقاسم الغنائم بين البنادق، بل عبر استعادة المشتركات الأخلاقية التي جسدتها تلك الصرخة الأبوية العفوية في الحي الليبي؛ صرخةٌ تجاوزت مرارة الفقد لتعلن أن كل دم يُراق هو نزيف في جسد الوطن الواحد، وأن بناء المستقبل يبدأ من شجاعة الاعتراف المتبادل، وصناعة ذاكرة وطنية تحمي الجميع ويحتمي بها الجميع.



##حسين_مرجين (هاشتاغ)       Hussein_Salem__Mrgin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جامعات ليبيا بعد 2014: طفرة في العدد وتعثر في الأثر
- من لعب الإقصاء في المدارس إلى ثقافة المواطنة: دعوة لإعادة هي ...
- المشروع الوطني لإعادة هيكلة التعليم في ليبيا: تشخيص الواقع و ...
- مفارقات سوسيولوجية لوسائل التواصل الاجتماعي في المنطقة العرب ...
- قراءة نقدية: لكتاب رحلتي... من إلى... للأستاذ محمد عمر خليل
- التخيير والتسيير محرك وعي الإنسان
- قراءة نقدية للملخص التنفيذي للتقرير الوطني السابع للتنمية ال ...
- جدلية الذاكرة الوطنية والدولة في ليبيا: من الصراعات البنيوية ...
- خربشات على الملخص التنفيذي لتقرير التنمية البشرية في ليبيا 2 ...
- هندسة المعرفة البحثية: من التشبع إلى التجلي في الكتابة السوس ...
- متلازمة الهزال الفكري بين ثالوث التفاهة واللامعنى والسيولة ا ...
- هندسة السرديات المزيفة وآليات الهيمنة السياسية
- قسم علم الاجتماع بجامعة سرت يستعيد نبضه الأكاديمي: قراءة في ...
- لماذا نكتب في علم الاجتماع؟
- أخلاقيات البحث العلمي في العلوم الاجتماعية بين التنظير الغرب ...
- صناعة جدار الصد المعرفي: إستراتيجيات صيانة الذاكرة الوطنية ف ...
- الزهايمر السياسي كآلية للهيمنة وبنية وظيفية للسلطة في ليبيا ...
- السيادة المعرفية والذاكرة العربية: لماذا نحتاج أرسيف في مواج ...
- ليزا أندرسون تُحرّك سؤال الذاكرة: لماذا يغيب الباحث الليبي؟
- التعليم في ليبيا: دعوة لانتشال الخطط من كينونة الوزير إلى ال ...


المزيد.....




- هل يضطر بوتين إلى التفكير في تصعيد خطير مع الناتو؟
- فنزويلا تغرق في الكارثة.. 2645 قتيلا وآلاف المفقودين
- روسيا تعلن السيطرة على معقل استراتيجي في دونباس
- أميركا تطفئ شمعتها الـ250.. وترامب يحتفل بين وجوه الرؤساء
- تحرك بريطاني فرنسي لنشر بعثة عسكرية في مضيق هرمز
- -التحالف-: الحوثيون يصرفون الأنظار عن انتهاكاتهم ضد اليمنيين ...
- اختطفت من منزلها أمام الكاميرا.. وبعد شهر عُثر عليها جثة
- تهدئة واشنطن وطهران تعيد -شارل ديغول- إلى فرنسا
- الدفاعات الجوية الروسية تدمر 40 مسيرة كانت متجهة نحو موسكو خ ...
- لقطات صادمة توثق شجارا جنونيا بين عمال تسقيف واستمرارهم في ...


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - سوسيولوجيا الذاكرة الجريحة: نحو مقاربة المصالحة القائمة على الاعتراف لا النسيان