|
|
قراءة نقدية: لكتاب رحلتي... من إلى... للأستاذ محمد عمر خليل
حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)
الحوار المتمدن-العدد: 8741 - 2026 / 6 / 19 - 00:12
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
كتابُ رحلتي من … إلى … للأستاذ محمد عمر خليل يعدّ من أدب السير الذاتية، وقد صدر عن دار ومكتبّة الشعب للطباعة والنشر والتوزيع (العام 2024م). يقع الكتاب في حدود 141 صفحة، ويأتي ضمن سلسلة كتب المحاورة، حيث حاور صاحبَ السيرة يوسف خشيم. وتكتسب وثائق الحياة والسير الذاتية قيمتها السوسيولوجية من موقع منتِجها داخل البنية الاجتماعية والسياسية للنسق الحاكم، وهو ما ينطبق بوضوح على هذا الكتاب. فمحمد عمر خليل من الشخصيات الفاعلة في مدينة مصراتة، ومن الفاعلين القريبين من رأس السلطة السياسية السابقة (معمر القذافي)؛ بحكم انخراطه المبكر في مشروع التغيير خلال مرحلة الإعداد والتشكّل. وتعود خلفية قراءتي وفهمي لأبعاد هذه الشخصية إلى موقف رصد ميداني عابر يعود إلى عام 2010م؛ ففي أثناء انعقاد اجتماع اللجنة الشعبية للتعليم والبحث العلمي سابقًا في مدينة مصراتة، قدّمتُ عرضًا علميًا حول معايير الجودة والاعتماد لمؤسسات التعليم الأساسي والثانوي. وحينها جلس الأستاذ محمد خليل بجوار أمين اللجنة الشعبية للتعليم سابقًا، الذي قدّمه للحضور بوصفه شخصيةً محوريةً في المدينة. ورغم إدراكي المسبق لوزن هذه الشخصية وقربها من هرم السلطة، فإن الكلمة التي ألقاها آنذاك لم تتجاوز حدود المجاملات والبروتوكول الترحيبي. ويمكن تفسير هذا السلوك سوسيولوجيًا بوصفه حذرًا نخبويًا في الفضاءات العامة. وقد شكّل هذا اللقاء دافعًا معرفيًا لي؛ إذ، حين علمتُ بإصداره لكتابه، سارعتُ بطلب نسخة منه عبر الزميل عدنان الدناع. وما إن حصلتُ عليها حتى قرأتُ الصفحات الأولى وتقدّمتُ في التهام الكتاب خلال ساعات قليلة، مدفوعًا برغبة سوسيولوجية في رصد وتحليل الذاكرة الوطنية وتطعيمها بالوقائع التاريخية من أفواه صناعها. يستهلّ صاحب السيرة في الصفحة الخامسة إهداءه بعبارة لافتة، حيث يهدي سنين عمره إلى مصراتة التي أحبّها. وهنا يبرز التساؤل السوسيولوجي الأبرز الذي أثار استغرابي كباحث: كيف لشخصية نخبوية وتاريخية بهذا الحجم شاركت في صياغة أحداث مست وطنيًّا بأكمله، أن تحصر محور حياتها واهتمامها الإيديولوجي والوجداني في حدود مدينة واحدة؟ إن هذا التمركز حول المدينة ليس عيبًا في حد ذاته، لكنه يكشف عن إشكالية بنيوية في الثقافة السياسية الليبية. سوسيولوجيًا، كنتُ أتوقع من فاعل سياسي ارتبط بحسب موقعه بمشروع يتجاوز الحدود من حيث الشعارات المرتبطة بالأممية والقومية والفضاءات العابرة للأوطان، أن يتجاوز في إهدائه وتفكيره الأطر الجغرافية المحلية أو القبلية، كما وصف الكاتبُ ذلك في إحدى صفحاته. هذا الانكفاء على الجغرافيا الصغرى يُحيلنا إلى مفهوم المناطقي أو القبلي الضيق ؛ حيث تظل الهوية الجغرافية الأولية المدينة أو القبيلة هي المرجعية الأساسية للفاعل الاجتماعي، حتى وإن تبوّأ أعلى مناصب السلطة المركزية. ومع ذلك، يظلّ الكتاب رغم مآخذ التمركز المكاني محاولة جادة لتطعيم الذاكرة الجمعية الوطنية بوقائع حية. فهو يمنحنا فرصة لفهم التحولات السوسيوسياسية في ليبيا من خلال تجربة ذاتية عاصرت مخاض التغيير، مما يجعل هذا الكتاب وثيقة مهمة لدراسة الأنثروبولوجيا السياسية للمجتمع الليبي، ومعاينة كيفية تداخل العلاقات الشخصية والصداقات القديمة مع آليات إدارة الدولة الحديثة. ينتقل بنا الأستاذ محمد عمر خليل في الصفحة (11) إلى رصد بدايات تشكّل الروابط الاجتماعية والأولية التي ساهمت لاحقاً في صياغة التاريخ السياسي لليبيا. ويوثق صاحب السيرة لحظة التلاقي الأولى مع معمر القذافي في المرحلة الابتدائية بمدينة سرت؛ حيث جمعتهما ظروف عائلية خاصة ارتبطت بوجود شقيقه هناك، لينتهي به المطاف جالسًا في مقعد دراسي واحد مع القذافي الذي كان يدرس آنذاك في الصف الرابع الابتدائي. وتكتسب هذه التفاصيل الصغيرة أهمية بالغة؛ إذ تكشف كيف أن النخب الحاكمة في النظم الانقلابية أو الثورية غالباً ما تتشكل نواتها الصلبة من روابط وجاهية وزمالة مبكرة. فالصداقة المدرسية العفوية تتحول لاحقاً إلى رأس مال اجتماعي وسياسي يُبنى عليه مشروع سياسي كامل. يستعرض صاحب السيرة بأسلوب استرجاعي شبكة الفاعلين في الحقل التعليمي آنذاك، مستذكرًا أسماء الأساتذة، المفتشين، ومديري المدارس الذين عاصرهم، قبل أن يعرج على بنيته الأسرية الأولى، الإخوة والأخوات. وفي هذا السياق السردي، يبرز موقف سوسيولوجي شديد الأهمية يوضح طبيعة المناخ الفكري والسياسي السائد في تلك الحقبة؛ إذ يذكر توجيه مدير المدرسة، الأستاذ السنوسي النجار، الذي دعا الطلبة إلى الكف عن الخروج في مظاهرات عفوية غير مجدية، مرشدًا إياهم بدلاً من ذلك إلى محاكاة نموذج جمال عبد الناصر في تنظيم حركة الضباط الوحدويين الأحرار. ويشكّل هذا الموقف رصدًا دقيقًا لآليات التنشئة السياسية غير الرسمية داخل المؤسسات التعليمية، وكيف كان الفكر القومي الناصري يتسرّب إلى عقول الشباب الليبي عبر النخب التربوية. كما يتناول الكتاب اللحظة التاريخية المفصلية المتمثلة في عودة القذافي من سبها لفتح قنوات الاتصال والحديث مع صاحب السيرة، بهدف تأسيس النواة الأولى والخلايا التأسيسية لمشروع التغيير في ليبيا. وتتجلى القيمة السوسيو- سياسية لهذه السيرة في رصد آليات الاستقطاب والاتساع الجغرافي؛ إذ يستعرض محمد خليل في كتابه آليات ضمّ أفراد جدد للتنظيم من مدن ومناطق محددة محيطة بمصراتة، مثل: قماطة، بني وليد، ترهونة، والقره بوللي. ويعكس هذا التوزيع الجغرافي وعيًا سوسيولوجيًا مبكرًا لدى التنظيم بضرورة تحقيق توازن جهوي ومكاني يضمن امتداد الحركة ويزيد من قبولها الاجتماعي، وذلك عبر استثمار شبكات العلاقات العائلية والمناطقية لتأمين السرية والولاء في مراحل التأسيس الحرجة. ينتقل بنا الأستاذ محمد عمر خليل في الصفحة (29) إلى ملمح سوسيولوجي بالغ الأهمية يتعلق بهندسة السرية داخل التنظيمات الانقلابية. وهنا يذكر أنه لم يكن يعرف من النواة العسكرية التي قادت التغيير سوى خمس شخصيات فقط: (مصطفى الخروبي، بشير الهوادي، محمد النحايسي، عبد السلام جلود، وأبو بكر يونس)، في حين لم يتعرف على بقية أعضاء مجلس قيادة الثورة إلا بعد نجاح الحركة. ويعكس هذا الاعتراف سوسيولوجيًا بنية التنظيم العنقودي المغلق؛ حيث تُعزل الخلايا المدنية عن العسكرية لتأمين الولاء وحماية التنظيم من الاختراق، مما يجعل النخبة المدنية في حالة عزلة معرفية عن الأدوات التنفيذية (العسكرية) حتى لحظة الصفر. يمارس صاحب السيرة في الصفحة (30) نوعًا من التحيز السوسيوجغرافي، مستهدفًا تضخيم أدوار الفاعلين المنحدرين من مدينة مصراتة في حراك عام 1969م؛ إذ يفترض أن أولئك الضباط شكلوا الركيزة الأساسية والقوة الصلبة لتنظيم القذافي. بيد أن محمد خليل يتناقض مع أطروحته حين يعترف باكتشافه الحدث صباح الأول من سبتمبر عبر الراديو كأي مواطن عادي، مؤكدًا أن الخروج الشعبي للمؤيدين استغرق أسبوعًا كاملاً. هذا الإقرار لا يكشف فحسب عن هوة سحيقة بين الشقين المدني والعسكري للتنظيم، بل يبرهن قطعياً على غياب أي فاعلية للخلية المدنية في لحظة الحسم العسكري. وعلى صعيد متصل، يستعرض صاحب السيرة إحدى أعقد الإشكاليات السيكوسوسيولوجية المحيطة بشخصية معمر القذافي، والمتمثلة في واقعة اختفائه الغامض أثناء الانتقال من معسكر قاريونس إلى إذاعة بنغازي. وهنا يتساءل محمد خليل باستنكار: كيف يهرب الرجل وهو الذي قام بكل شيء؟، متبنيًا الرواية الرسمية التي تزعم ضياع القذافي في شوارع بنغازي وعودته للمعسكر. وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى نقطتين تفككان هذا الطرح: • إن تبرير محمد خليل لسلامة موقف القذافي يصطدم معرفيًا بإقراره السابق بعدم مواكبته للميدان العسكري، وبالتالي افتقاره للأهلية المعرفية لتوثيق الواقعة أو الشهادة عليها. • يفند التاريخ الشفوي البديل هذا التبرير عبر شهادة الرائد عبد المنعم الهوني، والتي جزم فيها بأن قوات عبد الفتاح يونس لم تعثر على القذافي عند اقتحام الإذاعة، ليتفاجؤوا به عند عودتهم إلى المعسكر مستلقيًا على فراشه ومتباطئًا في النهوض. تجسد هذه الواقعة سوسيولوجياً ما يمكن وسمه بالثقب الأسود المعرفي في كاريزما القذافي؛ وهي الفجوة التاريخية التي استمات النظام في محاولة ردمها وتبريرها علناً في الذكرى العاشرة للحراك (1979م)، عبر حشد أعضاء مجلس قيادة الثورة في لقاء تلفزيوني شهير لإعادة هيكلة الرواية وتغطية هذا المأزق التاريخي، وهي مناورة تبريرية انكسرت أمام رصانة الشهادات المقابلة والمتقاطعة. وفي هذا السياق، يمكن الجزم بأن محمد خليل قد أقحم نفسه في سرد وقائع عسكرية بحتة (كحادثة الإذاعة) لم يعشها ولم يشهدها عيانًا، إذ كان المنطق المنهجي يقتضي منه إما النأي بنفسه عن سردها، أو الارتهان إلى مراجع مسندة وشهادات موثقة لأصحابها كشهادات الضباط المعايشين للحدث، بدلاً من الركونِ إلى الأحكامِ الانطباعية التي جردت الكتاب من قيمته العلمية كوثيقة سيرة ذاتية. تلوح هذه الهشاشة المنهجية بوضوح عند استعراض الكتاب للأيام الأولى التي تلت حراك 1969م في الصفحات (32-35)؛ إذ تفكك القراءة السوسيولوجية النقدية لمتن السرد غياب العمق والمفارقات، وافتقار المتن لأي وقائع أو تجارب نوعية ذاتية تخص صاحب السيرة، حيث تحوّل السرد إلى تكرار لأحداث عامة وروايات شائعة لم يكن صاحب السيرة شريكاً فاعلاً فيها، الأمر الذي عمق الهوة بين طموح التوثيق التاريخي والغياب الفعلي للتجربة الميدانية المباشرة في تلك المنعطفات الحرجة. ينتقل بنا الكتاب في الصفحة (38) إلى تفكيك آليات محاصصة المكاسب والمناصب المتمخضة عن الحراك، وتحديدًا في شقها المتعلق بتعيين المحافظين والمُتصرِّفين وعمداء البلديات. ويُوثق المتن لقاء محمد خليل بمعمر القذافي، كاشفًا عن هندسة هذه التعيينات الإدارية بتأثير مباشر من صاحب السيرة ودائرته الضيقة. وتتجلى هنا سوسيولوجيًا فاعلية النفوذ الاجتماعي وقدرته على اختراق هرم السلطة وتوجيه بوصلة القرار؛ إذ أُقِرَّت قائمة الأسماء المقترحة كاملة، الأمر الذي يوضح ملامح النواة البيروقراطية الناشئة. وفي الصفحة (40)، يستطرد محمد خليل في تشريح ديناميكيات قبوله منصب عميد بلدية مصراتة، مستدعيًا الوجاهات والرموز المحلية التي شكلت له ظهيرًا وحزامًا اجتماعيًا وازنًا، الأمر الذي يوضح ترابطَ سلطة الدولة الناشئة مع الولاءات المناطقية والقبلية في تلك الحقبة. أما في الصفحتين (42-43)، فيستدعي محمد خليل إشكالية سوسيوسياسية بالغة الحساسية، متمثلة في صدامه الحاد مع وزير الداخلية آنذاك الرائد عبد المنعم الهوني. ورغم إغفاله للحيثيات الدقيقة لهذا النزاع، فإن سلوكه اللاحق تمثّل في القفز فوق التراتبية الإدارية والقنوات الرسمية، صاعدًا إلى طرابلس لمواجهة رأس الهرم القذافي، مستدعيًا رأسماله الرمزي ورصيد صداقته القديمة، ليتوج هذا النفوذ الشخصي بإقالة وزير الداخلية من منصبه تنجلي من خلال هذه الواقعة معالم تغوّل العلاقات الشخصية على البُنى المؤسسية والقانونية في طَور التشكّل الأول للدولة الناشئة، مكرسةً انتصار الصديق على الوزير وعضو مجلس قيادة الثورة. وعند الانتقال إلى الصفحة (45) وما تلاها، يركّز السرد على طفرة الإعمار والتشييد داخل مدينة مصراتة. وتكشف المقاربة السوسيولوجية هنا عن تبني صاحب السيرة لخطاب تبريري موجه، يبتغي عبره ردم الفجوات النفسية والاجتماعية مع النسيج المحلي للمدينة، ولا سيما في موضع توثيقه لواقعة هدم القبور الأثرية والمباني التاريخية ذات الحساسية العالية. وينخرط صاحب السيرة في السياق نفسه في عملية هندسة جيوسياسية لترسيم حدود المدينة وتوسيع رقعتها شرقاً لتبلغ منطقة بيرات الحسون. وتبلغ القراءة النقدية ذروتها التفكيكية عند استنطاق مضامين الصفحة (71)؛ إذ يزهو صاحب السيرة بقدرته على انتزاع مشاريع كبرى واستثنائية لبلديته عبر آلية المشاريع مقابل النفط، زاعمًا أن مصراتة حظيت بخصوصية حصرية بين بلديات البلاد كافة؛ إذ لم تتعطل مشاريعها التنموية بفضل هذا التمويل الاستثنائي. وهنا ينبثق تساؤل نقدي محوري لتفكيك هذا المشهد: كيف لفاعل إداري محلي أو عميد بلدية أن ينفرد بقرار سيادي وإجراء استراتيجي بهذا الحجم، ما لم يكن وضعه متمتعًا بحظوة استثنائية وبغطاء يتجاوزُ الهياكلَ الرسمية يستمده مباشرة من رأس الهرم؟ تُعرِّي هذه الواقعة بدقة هشاشة الدولة الناشئة وعجز منظوماتها الهيكلية عن التخطيط والمتابعة والرقابة، وتستدعي من منظور العدالة التوزيعية طرح التساؤلات الإشكالية التالية: • كيف تُجيزُ منظومة الدولة لبلدية بعينها الاستئثار بالمشاريع التنموية، وتشييد ازدهارها المحفوف بالخصوصية على حساب بقية الأقاليم والمناطق؟ • ما مصير البلديات الأخرى التي حُرِم مسؤولوها من قنوات النفوذ الشخصي، أو روابط الزمالة الدراسية مع رأس الهرم السياسي؟ إن هذه الممارسة الإدارية تقوض في الصميم فلسفة عدالة توزيع الميزانيات والمشاريع السيادية، وترسخ ظاهرة المحسوبية السياسية التي توزّع فيها موارد الدولة كمنح وهبات تتبع منطق الولاء والقرب من الحاكم، بدلاً من استنادها إلى معايير التنمية المستدامة والمواطنة العادلة. ويسترسل صاحب السيرة في استعراض مكتسباته، واصفاً كيف استثمر حظوته لدى القذافي لتفكيك العوائق اللوجستية وتوطين مشاريع استراتيجية في مصراتة، كمركب الحديد والصلب، والميناء البحري، والمجمعات الصناعية والتموينية، فضلاً عن شبكات الربط الطرق والمياه . بيد أن الصدمة السوسيولوجية تبلغ ذروتها الإبستمولوجية في ختام الحوار؛ فحين يجابهه المحاور بسؤال الهوية الكبرى: أين ليبيا من كل هذا؟ ، يأتي رد الأستاذ محمد خليل مشوبًا بمناطقية وانكفاء لافتين: اسألني عن مصراتة فقط، ومصراتة لا ينقصها شيء! وهنا تتبدى مفارقة صارخة تثير الدهشة؛ فكيف لرمز نخبوّي عاصر مخاض الدولة وتكوينها، وكان يُفترض تجاوزه للولاءات المناطقية والقبلية، أن يرتد إلى هذا الانغلاق الجغرافي الضيق؟ إن هذا الإقرار يختزل بدقة مأزق الهوية الوطنية المتعثرة في ليبيا، ويبرهن سوسيولوجيًا على أن الوعي القبلي والمناطقي ظل ثابتًا في لاوعي النخب، بحيث تحولت الهوية المحلية الضيقة في مخيالهم السياسي إلى بديل يزيح مفهوم الوطن الكلي. يقارب صاحب السيرة قضية الرائد عمر المحيشي (عضو مجلس قيادة الثورة)، والموسومة بمحاولته الانقلابية الشهيرة ضد القذافي، بيد أن شهادة محمد خليل أتت قاصرةً ومفرغةً من أي مضامين جوهرية، بعدما اختزل الحدث المفصلي في أبعاد شخصية متمثلة في ثنائية الصداقة وانتفاء الخصومة. وفي هذا المقام، تتبدى مفارقة تاريخية مغيبة أقصاها صاحب السيرة عمدًا أو سهوًا؛ إذ أقدم القذافي على إعدام زمرة من الضباط من مصراتة على خلفية ارتباطهم بحركة المحيشي. وهنا تحديدًا انبعث دور صاحب السيرة خارج محدداته الوظيفية ليتجلى بوصفه وسيطًا سوسيوسياسيًا يتصدر وفدًا من أعيان المدينة وذوي الضباط المُعدمين، بهدف ردم الصدع وتلطيف الأجواء بين الحاضرة المحلية ورأس الهرم السياسي. هذا الدور النفوذي يصطدم بنيوياً مع محاولة تنصله اللاحقة في الصفحة (94) التي يدعي فيها النأي بنفسه عن الشؤون العسكرية، في حين أن مسعاه التوسطي كان سياسيًا بامتياز، استهدف تحصين المركزية الاجتماعية للمدينة داخل بنية النسق الحاكم. وفي سياق متصل، يميط صاحب السيرة اللثام في الصفحتين (95-96) عن آليات إدارة الصراع القبلي وتوظيفه عبر شخصية خليفة احنيش أحد الفاعلين المقربين من القذافي والمهيمن على الملف القبلي. إذ يوثق الكتاب محاولات احنيش لاستنفار قبائل ورفلة وتجييشها ضد مصراتة، وهو المخطط الذي انكسر أمام صلابة وشائج القربى والمصاهرة التاريخية بين الطرفين، حيث جاء رد ورفلة حاسمًا: إنهم أخوال أولادنا . غير أن التحليل النقدي لهذه الواقعة يكشف عن تجاهل صاحب الكتاب لثابتة سوسيولوجية في أدبيات الأنظمة الشمولية؛ ففاعل بمستوى احنيش لم يكن ليمتلك الهامش السياسي لتحريك ملف قبلي بهذه الخطورة لولا صدور توجيهات مباشرة وفوقية من القذافي نفسه. إلا أن محمد خليل فضّل الالتفاف على مسؤولية الحاكم، مقدمًا صيغة تبريرية غير مقنعة في الصفحة (96) حين حصر وزر الممارسات السيئة في تيار اللجان الثورية وشخص خليفة احنيش، مستثنيًا القذافي من مغبة هذا السلوك! وهو تناقض تحليلي يصطدم مع المنطق السوسيولوجي، الذي يحظر فك الارتباط بين سلوكيات الأدوات التابعين وهندسة المستبد الصانع لخياراتهم. يركزُ الكتاب في الصفحات (98-103) و(109-111) رصد تفاصيلَ إدارية ثانوية؛ كالإسهاب في قصة طبيب استُقدم من طرابلس لتطوير القطاع الصحي بمصراتة، أو كواليس إسناد شركة الموانئ إليه، وصولاً إلى انتدابه لإدارة مدينة سرت وما جابهه من عقبات. إن هذا الاستغراق المفرط في الهوامش الثانوية كشراء المركبات وطهي الأطعمة، يشكل استراتيجية الهروب أو آلية دفاعية مألوفة في أدبيات السير السياسية؛ إذ يتعمد صاحب السيرة القفز فوق الاستحقاقات التاريخية الكبرى والمفاصل الحرجة، ليلجأ إلى حشو الصفحات باليوميات البيروقراطية تلافيًا للمشي في حقول الألغام السياسية. وعند توثيق موقفه من أحداث فبراير 2011م، يشير السرد إلى وجوده خارج البلاد للعلاج قبل استقراره في القاهرة، ومنها أطل عبر أثير إذاعة صوت ليبيا الحرة الموالية للحراك في مصراتة، معلناً انحيازه للانتفاضة الشعبية تحت شعار حتمية سقوط الظلم والفساد. ويجسد هذا التموضع سوسيولوجيًا لحظة تصدع الولاء التاريخي وتفككه بفعل الانفجار الاجتماعي الشامل، ليرتد الفاعل الاجتماعي نكوصًا إلى شرنقته وحاضنته المحلية الأولى المدينة، مفضلاً إياها على التزاماته السابقة تجاه السلطة المركزية الآخذة في التراجع. وتأسيسًا على ذلك، تؤول خلاصة كتاب «رحلتي... من ........إلى...إلى كونه شهادة ذات أبعاد مَناطِقيّة مُغلقة، صيغت وهُندست لتخاطب الوجدان أهالي مصراتة بالدرجة الأولى، وهو ما تفصح عنه بوضوح مقتبسات الغلاف الخلفي. إننا أمام شخصية اختزلت أبعاد الوطن في جغرافية مدينتها؛ فحتى مدينة سرت التي انتُدب لإدارتها، سعى جاهداً لإعادة إنتاجها على مقاس مسقط رأسه، قبل أن يرتد إليها سريعًا. لقد غدت مصراتة في المتن السيرة ذاتية هي المبتدأ والمنتهى. وهنا يتبلور التساؤل السوسيولوجي الأعمق: أين موضع الدولة الوطنية الليبية من ركام هذه التحولات العاصفة؟ إذ كان الحصاد المعرفي والمنهجي يقتضي من فاعل بهذه الحظوة والقرب من مركز القرار، تفكيك العقد والملفات السيادية الكبرى بدلاً من الاستغراق في التفاصيل الثانوية، ولا سيما: 1. ديناميكيات تشكل العلاقة مع رأس الهرم السياسي وآليات إدارتها وتوجيهها إبان التصدعات الكبرى كحركة عمر المحيشي. 2. أزمة عام 1993م (حركة الضباط من قبيلة بني وليد): وتحديداً استراتيجية المستبد في إدارة الصراع، وطبيعة استقوائه بالثقل مصراتة، وكيفية تحول المدينة وفق المقايضات السياسية والجهوية آنذاك إلى ظهير استراتيجي وحاضنة متقدمة للنظام بهدف إعادة هندسة توازن القوى الاجتماعي. خاتمة القول؛ يظل الكتاب وثيقة مقبولة في مدونات التاريخ الشفوي المحلي المنكفئ، لكنه يبدو مخيبًا لآمال الباحثين وسوسيولوجيي التاريخ الذين ترقبوا شهادة نوعية من صانع قرار عاصر كواليس الدولة، فإذا به يقع في أسر المناطقية الضيقة، مختزلاً جغرافية وطن بأسره في فضاء مدينة واحدة.
##حسين_مرجين (هاشتاغ)
Hussein_Salem__Mrgin#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
التخيير والتسيير محرك وعي الإنسان
-
قراءة نقدية للملخص التنفيذي للتقرير الوطني السابع للتنمية ال
...
-
جدلية الذاكرة الوطنية والدولة في ليبيا: من الصراعات البنيوية
...
-
خربشات على الملخص التنفيذي لتقرير التنمية البشرية في ليبيا 2
...
-
هندسة المعرفة البحثية: من التشبع إلى التجلي في الكتابة السوس
...
-
متلازمة الهزال الفكري بين ثالوث التفاهة واللامعنى والسيولة ا
...
-
هندسة السرديات المزيفة وآليات الهيمنة السياسية
-
قسم علم الاجتماع بجامعة سرت يستعيد نبضه الأكاديمي: قراءة في
...
-
لماذا نكتب في علم الاجتماع؟
-
أخلاقيات البحث العلمي في العلوم الاجتماعية بين التنظير الغرب
...
-
صناعة جدار الصد المعرفي: إستراتيجيات صيانة الذاكرة الوطنية ف
...
-
الزهايمر السياسي كآلية للهيمنة وبنية وظيفية للسلطة في ليبيا
...
-
السيادة المعرفية والذاكرة العربية: لماذا نحتاج أرسيف في مواج
...
-
ليزا أندرسون تُحرّك سؤال الذاكرة: لماذا يغيب الباحث الليبي؟
-
التعليم في ليبيا: دعوة لانتشال الخطط من كينونة الوزير إلى ال
...
-
الابتكار في ليبيا خارج التغطية الدولية: من المسؤول عن تصفير
...
-
سوسيولوجيا الذاكرة في الجامعات الليبية: مراجعة الثقوب السودا
...
-
الذاكرة الليبية العابرة للأجيال في مواجهة الزهايمر الجيوسياس
...
-
الهوية الوطنية: من الحشو إلى الممارسة.. سوسيولوجيا تفعيل الذ
...
-
التعليم العالي في ليبيا.. استعادة الاستقلالية أم الاستمرار ف
...
المزيد.....
-
ببدلة رجالية.. ريتا حرب تهنئ الأمهات العازبات بعيد الأب
-
مفاوض إيراني: اكتمال مسودة اتفاقية رفع العقوبات النفطية المؤ
...
-
الجولة الأولى من محادثات سويسرا تنتهي بتهديدات أمريكية واحتج
...
-
الدفاعات الجوية الروسية تدمر 168 طائرة مسيرة أوكرانية خلال 1
...
-
ترمب: ستارمر سيستقيل بعد فشله الذريع
-
حملة رقمية تشبّه نائب الرئيس الأمريكي بـ-قائد في الحرس الثور
...
-
الأبيض في عين العاصفة.. هل تتحول عاصمة شمال كردفان إلى -فاشر
...
-
-بطلي الأول-.. نانسي عجرم تهنئ والدها وزوجها بعيد الأب
-
المفاوضات بين الأمريكية الإيرانية مستمرة في سويسرا رغم انسحا
...
-
رئيسة بلغاريا: حزمة العقوبات الأوروبية الجديدة ضد روسيا ستضر
...
المزيد.....
-
أحمد رباص
/ كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
-
الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج
/ احسان طالب
-
تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع
/ علي حمدان
-
-الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن
/ احسان طالب
-
جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟
/ إحسان طالب
-
ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي
/ علاء سامي
-
كتاب العرائس
/ المولى ابي سعيد حبيب الله
-
تراجيديا العقل
/ عمار التميمي
-
وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف
/ عائد ماجد
المزيد.....
|