أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - السيولة الهيكلية في الإدارة الليبية: أداة لتفتيت الذاكرة المؤسسية وإعادة إنتاج السلطة















المزيد.....

السيولة الهيكلية في الإدارة الليبية: أداة لتفتيت الذاكرة المؤسسية وإعادة إنتاج السلطة


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 8775 - 2026 / 7 / 23 - 22:15
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في سياق تشريح آليات الذاكرة الجمعية وإنتاجها داخل الدولة، تبرز ظاهرة السيولة المؤسسية كأداة لتفتيت هذه الذاكرة أو لإعادة تشكيلها بما يضمن عدم استقرارها. ويتضح ذلك جليًا في التذبذب الهيكلي لوزارات التعليم (فصلًا ودمجًا)، بوصفه نمطًا بيروقراطيًا ممتدًا عبر العهد السابق، واستمر بصور مختلفة كآلية لإدارة المشهد ما بعد عام 2011م.
إن التراوح المستمر بين مركزية الوزارة الواحدة وتشتيتها في وزارات متعددة لا يُقرأ بوصفه مجرد تخبط إداري؛ بل يعكس أزمة عميقة في مأسسة الدولة. ونتيجةً لذلك يحدث خلل في قنوات الاستمرارية المؤسسية، بما يؤدي إلى قطيعة في الذاكرة التنظيمية لمؤسسات الدولة؛ انقطاع في تراكم الخبرات، وتراجع في نقل السياسات والإجراءات، وتفكك في السرديات التنظيمية التي تُسند الهوية. وهذا ينعكس سلبًا على استقرار السردية الوطنية وعلى تشكّل الهوية الجمعية الناشئة
وفي سياق التعليم ومؤسساته، تميزت مسيرةُ ليبيا بكثرة التغييرات الهيكلية والإدارية؛ إذ شهدت العديد من الجامعات والكليات عمليات دمج وفصل متكررة على مرّ العقود الماضية. ومن أبرز الشواهد على هذه الحالة:
• جامعة الزاوية (كانت تُعرف سابقًا باسم 7 أبريل): تم في فترة سابقة دمجها مع جامعة الجبل الغربي تحت اسم واحد، قبل أن يُعاد فصلها وتستقل باسمها الحالي مجددًا.
• جامعة طرابلس (كانت تُعرف سابقًا باسم الفاتح): فُصلت عنها الكليات الطبية أكثر من مرة لتشكل كيانًا مستقلًا باسم جامعة الفاتح للعلوم الطبية، ثم جرى لاحقًا إعادة دمجها، وعادت الكليات الطبية إلى مظلة الجامعة الأم.
• كليات التربية: أُغلقت كلية التربية في جامعة الفاتح سابقًا وضُمّت تخصصاتها إلى كلية الآداب، ثم عاد لاحقًا التوجه إلى تأسيس كليات مستقلة للتربية من جديد ككيانات تعليمية قائمة بذاتها.
تعكس هذه التنقلات المستمرة حالة عدم الاستقرار التنظيمي التي رافقت قطاع التعليم، وسعي الإدارات المتعاقبة لإيجاد صيغ وهياكل إدارية تتماشى مع المتغيرات السياسية والتعليمية في البلاد. وفي هذا السياق، تبرز واقعة نقل ملفات أعضاء هيئة التدريس بكلية التربية بجامعة طرابلس بطرق بدائية وعشوائية؛ إذ جرى تكديسها في مستودعات تفتقر إلى التنظيم والتبويب. وقد ترتب على هذا الإهمال الهيكلي بروز مشكلات جمّة واجهت الأساتذة عند بلوغهم السن القانونية للتقاعد، تجسدت في فقدان وثائق مهمة لاستكمال ملفات تسوية معاشاتهم؛ الأمر الذي دفعهم إلى خوض رحلة بحث مضنية وبائسة داخل مخازن تعمّها الفوضى.
لقد اتسمت الإدارة السياسية للنظام الليبي السابق بتوجّه دائم نحو خلخلة البناء الهيكلي لمؤسسات الدولة وتفكيكها؛ ولم تكن عمليات الدمج والفصل المتكررة للوزارات والجامعات مجرد قرارات إدارية عشوائية، بل عكست في جوهرها وفقاً للقراءات السوسيولوجية النقدية استراتيجيةً مضمرة لتقويض الذاكرة المؤسسية للحيلولة دون تشكّل عقل بيروقراطي مستقر. وقد أفضت هذه الفوضى التنظيمية إلى هدر واسع وفقدان حاد للوثائق والمستندات التاريخية السيادية، مما ترتب عليه بترٌ في التراكم الإداري والتاريخي للدولة.
وقد تجلّى هذا النهج التنظيمي عندما اتجه رأس السلطة آنذاك نحو إلغاء الهياكل الوزارية التقليدية، واستبدالها بنموذج إداري هجين تمثّل في (اللجنة الشعبية العامة للخدمات) و(اللجنة الشعبية العامة للإنتاج). وبموجب هذا التحول، دُمجت القطاعات الخدمية كـالتعليم والصحة تحت مظلة تنموية واحدة، في حين صُهرت القطاعات الإنتاجية كـالصناعة والثروة البحرية تحت المظلة الأخرى.
ولم تكن هذه الديناميكية حدثًا عارضًا، بل ممارسةً مؤسسية متكررة اتسمت بها تلك الحقبة؛ حيث خضعت البنى التنظيمية لعمليات إلغاء ودمج دورية، أفضت إلى إرباكِ النسق البيروقراطي وتعطيل المعاملات اليومية للمواطنين، فضلاً عن إحداث بتر وتشويه في تراكم الأرشيف الوطني نتيجة التغيير المتواصل للمسميات والهياكل. وفي المقابل، ظلت الأجهزة السيادية الصلبة كالدفاع، والداخلية، والخارجية محصّنةً حيال هذه التجارب، مما عكس استراتيجيةً واعية للحفاظ على مركزية الضبط الأمني والسياسي.
كما تدفعنا القراءةُ التحليلية للمشهد السياسي الليبي في تلك الحقبة إلى مساءلة تلك الوقائع والعمليات الإدارية المتكررة، والتي استهدفت بشكل ممنهج خلق حالة من السيولة النسقية في الذاكرة المؤسسية والوطنية. ورغم غياب سلطة القرار التأسيسية التي تملك الإجابة القطعية حول خلفيات هذه القرارات، إلا أن التحليل السوسيولوجي والتاريخي يتيح لنا رصد ثلاثة محددات رئيسية ومترابطة تفسر هذا السلوك السياسي الممنهج:
• تأبيد الحركية الثورية (السيولة الدائمة): استند الفلسفة السياسية للنظام إلى أطروحة مفادها أن التغيير الهيكلي المتواصل يخلق حالة من الديناميكية الثورية المستمرة؛ حيث كان هذا الاضطراب المبرمج يعمل كآلية وقائية تمنع استقرار وترسخ أي مراكز قوى بيروقراطية أو نخب إدارية بديلة قد تهدد احتكار السلطة، مما يضمن بالتبعية ديمومة النظام.
• طمس الآثار التنظيمية والتهرب من المسؤولية: تجسدت في هذه الممارسات رغبة مبطنة في إعدام التراكم المستندي، لاسيما عند إخفاق الخطط التنموية أو التجارب الإدارية المتعاقبة. فكانت عمليات النقل، والدمج، والإلغاء المستمر للمؤسسات تُشكل غطاءً وظيفياً يسهل من خلاله تبديد الوثائق وإتلاف الأرشيف، مما يؤدي إلى تمييع المسؤولية القانونية والإدارية واستحالة تتبع قنوات المحاسبة.
• استراتيجية إرباك الفاعلين (مقاربة خضّ الكيس): تتجلى هذه الديناميكية في نموذج رمزي مستمد من المخيال السوسيولوجي والسياسي المعاش في ليبيا، والمتمثل في الاستعارة الشعبية لـكيس الفئران؛ إذ تقوم هذه الإستراتيجية على مبدأ الإرباك الحركي المستمر للفاعلين الإجتماعيين والإداريين (خضّ الكيس يميناً ويساراً)، مما يحرمهم من الاستقرار النسبي اللازم للتفكير التخطيطي، أو بناء شبكات تضامن أفقية، أو صياغة ممارسات مقاومة واعية ضد مركزية السلطة.
قد شكلت هذه الإستراتيجية الأخيرة ركيزة محورية في الفلسفة السياسية لسلطة القرار آنذاك؛ إذ جرى الاعتماد على سياسة الإرباك النسقي المستمر للمجتمع والمؤسسات عبر حزمة من القرارات الفجائية والتحويرات الهيكلية المتلاحقة. وكان الهدف الوظيفي من هذه الديناميكية هو إبقاء الفاعلين الاجتماعيين في حالة انشغال دائم بالمتغيرات الإجرائية اليومية، وتحييد قدرتهم على التنظيم البنيوي أو التفكير في التغيير السياسي، مما جعل من هذه السياسة أداة لإطالة عمر النظام بصرف النظر عن التداعيات الكارثية على بنية الدولة.
ولم تنته ظاهرة تفكيك الذاكرة المؤسسية والسيولة الهيكلية بحدوث التحول السياسي عام 2011م، بل امتدت كنمط سلوكي حاكم ومستمر في المرحلة المعاصرة. ويبدو أن النخب السياسية المتعاقبة في المشهد الليبي الجديد قد أعادت إنتاج ذات الآليات التنظيمية للنظام السابق كأداة لضمان البقاء وإدارة الأزمات؛ الأمر الذي ترتب عليه موجات متلاحقة من إلغاء واستحداث الوزارات، أو دمجها في كيانات هجينة ومؤقتة.
وقد انعكس هذا التذبذب الإداري بشكل حاد على قطاع التعليم والقطاعات الخدمية الحيوية الأخرى؛ حيث جرى تحويل وزارات سيادية ومستقلة فجأة إلى مجرد هيئات أو مكاتب تابعة لرئاسة الوزراء، مما أدى إلى تبديد خطط استراتيجية متكاملة، وضياع وثائق إدارية وتاريخية جوهرية. إن استمرار هذا السلوك التنظيمي يثبت سوسيولوجياً أن البنية العميقة لآليات إدارة السلطة في ليبيا لم تشهد قطيعة معرفية أو مؤسسية كاملة، وأن سياسة مأسسة السيولة وإبقاء الأجهزة الإدارية في حالة اهتزاز دائم لا تزال تُوظف كآلية لإشغال المجتمع وإعاقة استقرار الدولة وتماسكها.



##حسين_مرجين (هاشتاغ)       Hussein_Salem__Mrgin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ذاكرة الآباء الواقعية: كيف تبني عثرات الماضي مناعة الأبناء؟
- أزمة التعليم في ليبيا: إنتاج المشكلات بدل الحلول
- سيادة التعليم في ليبيا بين مطرقة الانقسام وسندان المنظمات ال ...
- 9 يوليو 1996 في ليبيا: الذاكرة الجريحة التي ما تزال تنزف صمت ...
- كيف يُدار التعليم العالي في ليبيا ؟
- سوسيولوجيا الذاكرة الجريحة في ليبيا من التفكيك إلى آليات الت ...
- سوسيولوجيا الذاكرة الجريحة: نحو مقاربة المصالحة القائمة على ...
- جامعات ليبيا بعد 2014: طفرة في العدد وتعثر في الأثر
- من لعب الإقصاء في المدارس إلى ثقافة المواطنة: دعوة لإعادة هي ...
- المشروع الوطني لإعادة هيكلة التعليم في ليبيا: تشخيص الواقع و ...
- مفارقات سوسيولوجية لوسائل التواصل الاجتماعي في المنطقة العرب ...
- قراءة نقدية: لكتاب رحلتي... من إلى... للأستاذ محمد عمر خليل
- التخيير والتسيير محرك وعي الإنسان
- قراءة نقدية للملخص التنفيذي للتقرير الوطني السابع للتنمية ال ...
- جدلية الذاكرة الوطنية والدولة في ليبيا: من الصراعات البنيوية ...
- خربشات على الملخص التنفيذي لتقرير التنمية البشرية في ليبيا 2 ...
- هندسة المعرفة البحثية: من التشبع إلى التجلي في الكتابة السوس ...
- متلازمة الهزال الفكري بين ثالوث التفاهة واللامعنى والسيولة ا ...
- هندسة السرديات المزيفة وآليات الهيمنة السياسية
- قسم علم الاجتماع بجامعة سرت يستعيد نبضه الأكاديمي: قراءة في ...


المزيد.....




- بحضور ترامب.. أمريكا تستقبل جثامين أربعة عسكريين قُتلوا في ا ...
- كيف عجزت الإبل عن التأقلم مع ارتفاع درجات الحرارة في أفريقيا ...
- ترامب يربط الاتفاق النووي مع السعودية بالتطبيع.. وإسرائيل تر ...
- وفاة كوزو أوكاموتو بعد أكثر من نصف قرن على عملية مطار اللد.. ...
- الزيدي من طهران: أمننا مشترك ولن نسمح بأي تهديد لإيران ينطلق ...
- الحرس الثوري الإيراني يتهم الولايات المتحدة باستخدام الهدنة ...
- الصحة اللبنانية: 4329 قتيلا و12233 جريحا جراء الهجمات الإسرا ...
- الحرس الثوري الإيراني: نفذنا هجوما استهدف قاعدة العديري ومقر ...
- علامات في الصداع قد تكشف عن جلطة دماغية
- أزمة طاقة بأوروبا.. رهان على غاز الجزائر


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - السيولة الهيكلية في الإدارة الليبية: أداة لتفتيت الذاكرة المؤسسية وإعادة إنتاج السلطة