حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)
الحوار المتمدن-العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 11:06
المحور:
التربية والتعليم والبحث العلمي
لا يمر يومٌ أو أسبوعٌ إلا ويتأكد لنا بوضوح افتقاد قطاع التعليم لبوصلة إستراتيجية وطنية موجهة؛ فمرةً يندفع نحو المواءمة القسرية مع نظام بولونيا الأوروبي، ومرةً أخرى يتجه نحو التماهي مع سياقات دول أوروبية بعينها. ويجري هذا الارتهان عبر واجهات مؤسسات ومنظمات دولية، تستغل هشاشة الواقع المحلي لتحديد بوصلة التعليم، ورسم اتجاهاته، وهندسة مخرجاته بما يخدم أجنداتها، ويفصل التعليم عن هوية مجتمعنا واحتياجاته الوطنية الحقيقية.
إننا لا ننكر، بطبيعة الحال، وجود منظمات دولية يمكن أن تشكل جهات داعمة وشريكة في عمليات إصلاح التعليم. غير أن الإشكالية البنيوية تكمن في أن العديد من هذه الجهات الناشطة في السياق الليبي، تسعى بالدرجة الأولى إلى تحقيق المصالح الإستراتيجية والأجندات الوطنية لدولها المانحة. وهذا التوجه، وإن كان يمثل حقاً سيادياً لتلك الدول، إلا أنه يفرض على صانع القرار التربوي الوطني قدراً أعلى من اليقظة والحذر، وضوابط صارمة في التعامل معها؛ لضمان عدم ارتهان القرار التعليمي، ولتحويل الدعم الدولي إلى أداة تمكين محلي لا أداة توجيه خارجي.
كما أن كشف واقعنا التعليمي وتشخيصه أمام تلك المنظمات، قد يجعل أمننا التربوي القومي أكثر انكشافاً وهشاشة مما هو عليه حالياً. وهذا التحذير لا يعني أبداً رغبتنا في انتهاج سياسة التجميل الزائف أو إخفاء الحقائق بطلاء زائف؛ بل هو دعوة للمكاشفة الوطنية المسؤولة. وهنا يبرز السؤال الإستراتيجي الجوهري: ماذا نريد من التعليم بمراحله كافة؟ وهل تتوفر لدينا إمكانية حقيقية لصياغة خارطة طريق وطنية موحدة، في ظل هذا الانقسام السياسي والمؤسسي المعقد؟
إن من التساؤلات المشروعة التي تكشف فجوة الوعي لدى تلك المنظمات، وعدم إدراكها لخصوصية احتياجاتنا الواقعية، هو: هل المهارات والمعارف الإنسانية قالب موحد وثابت في كل الدول عبر مراحلها التعليمية المختلفة؟ قد يسارع البعض بالإيجاب تماشياً مع الطرح العولمي، لكن الحقيقة التربوية تؤكد أنها تختلف جذرياً في تفاصيلها ومضامينها، لاسيما تلك المهارات والقيم المرتبطة بالهوية الوطنية والثقافة الأصيلة التي تشكل وجدان المجتمع وتحمي كينونته. وهنا تستحضرني مقولة العلامة ابن خلدون التاريخية التي تختزل هذا الاستلاب الحضري: إن المغلوب مولعٌ أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده.
وفي واقعة بالغة الخطورة وتؤكد هذا الارتهان الإستراتيجي، تم إقحام المنظمات الدولية في إنتاج وتطوير أدلة ومناهج التربية الوطنية. وقد كشف التفتيش التربوي لاسيما في مدينة بنغازي عن وجود خروقات فادحة وممنهجة في مضامين هذه المقررات، تمس في جوهرها أركان العقيدة الإسلامية وثوابت المنظومة الأخلاقية الراسخة في مجتمعنا، وذلك إثر صياغتها برعاية وتوجيه مباشرين من تلك الجهات الخارجية. وأمام هذا المساس بالأمن القيمي للبلاد، انتفض خبراء التفتيش التربوي ومارسوا دورهم كـصمام أمان لحماية الهوية الوطنية؛ حيث خاطبوا وزارة التربية والتعليم بخطابات عاجلة تقضي بالإيقاف الفوري لتداول وتدريس تلك المقررات، معرّين الدوافع الحقيقية وراء هذا الاختراق، والتي كان على رأسها الترويج الممنهج لمفاهيم وأجندات مشبوهة تتنافى كلياً مع هويتنا وثوابتنا الدينية والأخلاقية.
ولم يكن هذا الحادث معزولاً أو وليد الصدفة؛ إذ تكرر الطرح ذاته مؤخراً عبر إحدى منظمات الطفولة الدولية، التي عمدت إلى توزيع مطويات وكتيبات تستهدف الناشئة، وتمس بشكل مباشر أسسهم الدينية والأخلاقية. ولحسن الحظ، فقد تيقظ لهذه الاختراقات الممنهجة طيفٌ من الأساتذة والتربويين المتميزين، الواعين تماماً بمخاطر هذه القوة الناعمة؛ التي تسعى بطرق ملتوية إلى إحداث شروخ وتصدعات في جدار الهوية الوطنية والعقيدة الدينية، عبر دسّ مضامين فكرية ومحتويات غريبة لا تتوافق مطلقاً مع ثوابتنا ومقدساتنا.
إن هذه الشواهد المتكررة تدفعنا بالضرورة إلى قرع ناقوس الخطر، والمكاشفة العلنية بوجود مشروعٍ ممنهج ومدروس، يسعى إلى تفكيك الركائز الثقافية والأخلاقية للمجتمع الليبي، وإحلال قيم دخيلة وهجينة تحت غطاء التحديث والتطوير التربوي. وفي هذا السياق، يضعنا الاندفاع نحو تحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة الخاصة بالتعليم أمام مفارقة بنيوية عجيبة؛ إذ تسعى مؤسساتنا التعليمية بمستوياتها كافة إلى الركض الحثيث خلف الامتثال لتلك الأجندة الدولية، بل وتتباهى ولو على نحوٍ شكلي أو إجرائي بإنجاز المؤشر الفلاني أو ذاك، دون وعيٍ نقدي بالمضامين الفكرية المبطنة التي تتسلل عبر هذه المؤشرات الشكلية .
وهنا يفرض نفسه سؤال إستراتيجي جوهري: هل يمكن، منطقياً وتربوياً، صياغة أهداف تعليمية موحّدة وقوالب نمطية متطابقة لكل دول العالم، بمعزلٍ عن مستوياتها الاقتصادية، أو ظروفها الاجتماعية، أو تعقيداتها السياسية؟ وهل تتشابه على سبيل المثال الاحتياجات التربوية الملحة لدول تعيش مخاض النزاعات والاضطرابات المؤسسية، كليبيا، مع دول مستقرة مثل إيطاليا أو فرنسا، أو حتى مع المحيط العربي الذي ينعم باستقرار سياسي وأمني؟ إن الإجابة الأكاديمية والميدانية الحاضرة هي النفي القاطع. فإذا كان التباين هو الأصل الأصيل، فلماذا نلزم منظومتنا الوطنية بالامتثال لأهداف ومؤشرات وُضعت في غرف مغلقة لتناسب مجتمعات مستقرة، وتعيش سياقات أمنية واقتصادية مغايرة تماماً لواقعنا المحلّي؟
إن هذا السياق المأزوم يقودنا بالضرورة إلى حتمية صياغة أهداف تعليمية وطنية خالصة، تنبع من رحم التحديات البنيوية لمجتمعنا وتستجيب لها؛ ففي مراحل النزاع الحرج، كان قصارى طموحنا الإستراتيجي يتمحور حول تأمين استمرارية العملية التعليمية وضمان وصول الطلبة إلى مقاعدهم بسلام، ولم يكن ترف الامتثال لمعايير الجودة الدولية متاحاً أو منطقياً في ظل تلك الظروف القاهرة.
ومن خلال هذا الطرح، تبرز أمامنا ثقوب سوداء وعيوب هيكلية في آليات التعاطي مع المنظمات الدولية التي تنشط في بيئة الانقسام والتشرذم السياسي. وهنا، نجزم بأن هذه المنظمات تُعد المستفيد الأكبر من حالة السيولة المتردية، بل يذهب الاستقراء التربوي والسياسي إلى أبعد من ذلك؛ بأن بعض هذه الكيانات يسعى جاداً لتكريس هذا التفكك واستدامته؛ لضمان بقائها وفرض وصايتها المعرفية
وهنا نسارع إلى الجزم بأن أي خطة إصلاحية ستظل قاصرة وعاجزة عن إحداث فارق حقيقي في ظل الانقسام المؤسسي الحالي، وأن الانجرار الأعمى وراء الأجندات العابرة للحدود يدفعنا نحو محاكاة افتراضية لواقع وهمي ينفصل كلياً عن حقيقتنا الميدانية؛ إذ يُفترض بالمؤشرات الدولية أن تفكك الواقع القائم وتعالجه، لا أن تقفز فوق تعقيداته وتتجاهلها.
وفي هذا السياق، تستحضرني واقعة جمعتني بوزير التعليم العالي الأسبق؛ عندما ناقشته حول أولوية تطبيق معايير الجودة والتصنيف الأكاديمي شريطة تجنب القفز الحرج فوق المراحل، حيث أكدت له حينها أن معايير الجودة تشبه درجات السلم البنيوي: يجب أن تنطلق أولاً من ملامسة الواقع والاعتراف بمرتكزاته، وألا تُترك فجوات عميقة بين المعيار النظري والممارسات الفعلية على الأرض. لكن الوزير للأسف رفض هذه المقاربة الواقعية، وأصر على انتهاج قفزات استعراضية نجزم اليوم بأنها لم تكن سوى بروباغندا دعائية تفتقر إلى الأسس العلمية والعمق التربوي الرصين.
إن المعالجة الجادة والحلول الحقيقية لأزمة التعليم تبدأ حصراً من إعادة التأسيس الفلسفي للتعليم في ليبيا وصياغة عقيدته التربوية والوطنية، بعيداً عن اجترار واستنساخ القوالب الجاهزة أو المشاريع المستوردة التي لا تلامس واقعنا، وبأقسى درجات النزاهة التي تنأى بهذا الملف السيادي عن التوظيف والدعاية السياسية العابرة.
إن ليبيا تزخر ببيوت خبرة، وكفاءات وطنية، ونخب تربوية قادرة على هندسة وبناء الخطط الإستراتيجية الوطنية بكفاءة واقتدار. وفي هذا الإطار السيادي، يمكننا الاستعانة بخبراء المنظمات الإقليمية والدولية في سياقات فنية ضيقة ومحددة، تقتصر حصراً على المراجعة والتقييم والاستشارة التقنية لتلك الخطط التي نصيغها نحن بأيدينا وعقولنا، دون السماح لهذه الكيانات الخارجية تحت أي ظرف بتوجيه بوصلتنا، أو إملاء أهدافها التعليمية، أو ممارسة أي شكل من أشكال الوصاية المعرفية علينا.
إن هذا الطرح يمثل دعوةً صريحة ومباشرة لتوخي أعلى درجات الحذر واليقظة السيادية في التعامل مع المنظمات الدولية عند مساسها بملفات التعليم المعقدة، ورفضاً قاطعاً لتسليمها مفاتيح الإصلاح التربوي بينما نكتفي نحن بمقاعد المتفرجين أو المنفذين التابعين. إن دور هذه المنظمات نحن من يملكه ويحدد أبعاده ويرسم حدوده وفق مصالحنا الوطنية العليا، وليسوا هم من يفرضون أجنداتهم علينا.
بناءً على هذا التشخيص الميداني، نضع أمام صناع القرار جملةً من التوصيات الإستراتيجية الحاسمة التي تشكل خارطة طريق عاجلة لإنقاذ المنظومة التعليمية وتأمينها:
• ضرورة استعادة المجلس الوطني للتخطيط لدوره الحقيقي والسيادي في رسم السياسات والخطط التعليمية لجميع المراحل.
• تشكيل المجلس الأعلى للتعليم ليتولى حصريًا مهام المتابعة المستمرة وتقييم مدى تنفيذ الخطط التعليمية المعتمدة.
• إعادة تحديد أدوار وزارات التعليم بحيث يقتصر عملها على التنفيذ الفعلي للخطط، لا على صياغتها وتعديلها بما يضمن استقرار السياسات.
ختاماً، إن الارتهان لتبعية تلك المنظمات مهما تعددت لافتاتها البراقة ومسمياتها التحديثية هو في جوهره تفريطٌ في الأمن الفكري وتنازلٌ عن السيادة الوطنية للخارج. إن مشروع الإنقاذ التربوي الحقيقي يجب أن ينطلق حصراً من صياغة خرائط تعليمية وطنية متكاملة برؤية ليبية؛ خرائط تضع نصب عينيها الآليات العملية لتحقيق الأهداف الوطنية العليا للتعليم، وتربط مخرجات المعرفة بأصالة هويتنا وجذور عقيدتنا.
##حسين_مرجين (هاشتاغ)
Hussein_Salem__Mrgin#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟