|
|
قراءة تفكيكية في الاستراتيجية الوطنية الليبية للشباب (2026-2031)
حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)
الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 09:21
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
بناءً على دعوة كريمة من أحد الزملاء الأكاديميين للمشاركة في ورشة عمل تفكير لأصحاب المصلحة، والمخصصة لمناقشة مسارات إعداد الاستراتيجية الوطنية للشباب في ليبيا (2026-2031) ، انخرطتُ يوم الخميس الموافق 20 أغسطس 2026م، في هذا الفضاء النقاشي محمولًا بمسؤولية وطنية وعلمية. وحسبما استبان لي من منطوق الدعوة وأهدافها، فإن الورشة كانت تنصبّ في أربعة اتجاهات بنيوية رئيسية: 1. المواءمة: ردم الفجوة بين أهداف هذه الاستراتيجية والأهداف الوطنية العليا (التي تبدو مفقودة أو مغيبة مؤسسيًا). 2. الواقعية: مدى تطابق هذه المسارات مع الواقع الليبي المأزوم. 3. الجدوى المالية: تدفقات الموارد ومدى عقلانية تخصيصها. 4. القبول والقياس: مدى تبني الإدارات العليا في الدولة الليبية للمخرجات، ومدى توفر مؤشرات أداء (KPIs) واضحة لمتابعة النتائج. وقد طُلِب مني على وجه التحديد المشاركة في مسار التعليم والمهارات والانتقال إلى التعلم المنتج. وقبل خوض النقاش، طالبتُ بتزويدي بالوثائق المرجعية للمسار وباقي تفاصيل الخطة، حيث أُرسلت لي استبانة بحثية موسعة تقع في (15 صفحة)، جلّها أسئلة مفتوحة تتطلب تأنيًا عميقًا في الكتابة، واستدعاءً للمفاهيم قبل إسقاطها على الورق. مع انطلاق الفعاليات، طرحتُ جملة من التساؤلات المشروعة حول المنهجية المتبعة. وبدأت الجلسة بعرض تقديمي تعريفي بالاستراتيجية وكيفية هندسة مساراتها العشرة. وهنا بدأت الفجوات المنهجية تطفو على السطح؛ إذ ذُكر في العرض أنه تم توزيع استبانات على عينة قوامها (3057) شابًا وشابة على مستوى ليبيا، غير أن العرض أغفل تمامًا التوزيع الجغرافي التفصيلي لهذه العينة، واكتفى بالإشارة إلى أن أكثر من 50% منها استُقيت من المنطقة الغربية، دون تحديد للبلديات أو المكونات الديموغرافية في مناطق الغرب والشرق والجنوب مما يحرم البيانات من عمقها البلدي والتحليلي. تزامنًا مع ذلك، أمدّني أحد الحضور بوثيقة مسار التعلم المنتج، وهنا تكشّفت المفاجأة الاستراتيجية: فالخطة الخاصة بهذا المسار الحيوي تم إنجازها وصياغتها بالكامل في شهر يوليو الماضي أي في غضون أقل من شهر واحد! ومع استرسال الخبير الأممي في استعراض خطوات الإنجاز، بات التضارب بين متطلبات الواقع ومخرجات الصياغة أكثر وضوحًا. ولعل المقاربة السوسيولوجية لهذا الخلل تجسدت في موقف عينيّ؛ إذ جلس بجانبي شاب عُرِّف بأنه كان جزءًا من المجموعات الشبابية التي تم استطلاع آرائها وفهم توجهاتها عبر المقابلات الميدانية. وبسؤاله عن مؤهله وسيرته، أفاد بأنه خريج جامعي من جمهورية مصر العربية، وكان مقيمًا هناك طيلة السنوات الماضية. وهنا استوقفتني هذه المقابلة استراتيجيًا وسوسيولوجيًا: كيف يُعتمد كعنصر مرجعي ومصدر للمعلومات لبناء خطة جيلية لشباب وطن، شخصٌ لم يعش يوميًا ويلات الحروب، ولم يعانِ انقطاع الكهرباء، وقفل الجامعات القسري، وانهيار المنظومة النقدية والمعيشية؟ ما هي معايير الاختيار الإحصائي والسوسيولوجي للفئات المستهدفة؟ إن هذا الخلل المنهجي يسائل مباشرة دور الجهات الدولية الداعمة، وعلى رأسها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) . لم تقف حدود رصد هذه الفجوات البنيوية عند حدود الملاحظة النظرية داخل طاولات المسارات الموزعة، بل امتدت إلى مواجهة حية ومكاشفة استراتيجية خلف كواليس الورشة مع الخبير الأممي الذي قدم العرض الخطة. وبمواجهته حول معضلة سلق وثيقة الخطة بكل مساراتها في غضون شهر واحد يوليو، وتحت ضغوط سياسية واضحة من الوزارة لاستعراض إنجازات غير حقيقية، جاءت ردود الفعل لتكشف عوار المنهجية برمتها. فعند مساءلته عن الانحياز الجغرافي والخلل الإحصائي لعينة (3057) شابًا وشابة، سارع الخبير الاممي للتنصل المنهجي قائلًا: إنها ليست عينة، بل هو استطلاع رأي! . وهنا أسارع بالقول بانه عندما يتحجج الخبير الأممي بأن الرقم (3057) هو مجرد استطلاع رأي وليس عينة بحثية، فإنه يسقط في فخ الإدانة المنهجية. استطلاعات الرأي هي أدوات لقياس نبض عابر ومؤقت ولا يجوز إطلاقًا بناء استراتيجية جيلية وطنية مدتها 5 سنوات (2026-2031) على استطلاع رأي مشوه التوزيع، مجهل البلديات، وتتجاوز نسبة انحيازه الجغرافي أكثر من 50% لمنطقة واحدة. هذا ليس تخطيطًا، بل هو شرعنة رقمية لتبرير تمرير الوثيقة. إن اعتراف الخبير الأممي في ختام تلك المكاشفة بوجود بعض الأمور المسكوت عنها هو الإقرار الضمني الصريح بأن هذه الاستراتيجية لا تصاغ لتفكيك أزمات الشارع الليبي من انفلات السلاح، والقبلية، والبطالة الهيكلية، بل هي ضغوطات تكنوقراطية يراد تمريرها لتلبية رغبات إدارية عليا مستعجلة، مما يحولها من خطة بناء وتنمية إلى أداة لإنتاج التزييف وتعميق الهشاشة. تأسيسًا على هذه الشهادة الميدانية واللقاء المكاشفة مع الخبير الاممي، تقدم هذه المقالة قراءة نقدية تفكيكية متعمقة تهدف إلى كشف مواطن الضعف الهيكلية حول الخطة الاستراتيجية الوطنية الليبية للشباب (2026-2031) أولًا: العوار المنهجي والإحصائي (أزمة العينة الموجهة وأدوات القياس المعقدة) إن بناء أي استراتيجية وطنية في مجتمعات تعاني من الهشاشة السياسية والأمنية يتطلب دقة متناهية في هندسة الأدوات البحثية وعينات القياس. غير أن النظر في المرتكزات الإحصائية للاستراتيجية الوطنية للشباب في ليبيا يكشف عن فجوتين منهجيتين نسفهما اعتراف الخبير الأممي نفسه: 1. التحيز الجغرافي وفرض المركزية المشوهة إن اختزال المجتمع الشبابي الليبي في رقم (3057) مبحوثًا، مع تركيز أكثر من نصف هذا الرقم في المنطقة الغربية وتجهيل التوزيع البلدي، يسقط الاستراتيجية في فخ المركزية العمياء. وعند مواجهة الخبير الأممي على الخطة بهذا الخلل والتحيز الإحصائي الحاد، سارع للتنصل المنهجي عبر تبرير دفاعي قائلًا: إنها ليست عينة إحصائية بالمعنى الدقيق، بل مجرد استطلاع رأي!. وهنا تكمن المفارقة البنيوية الصادمة؛ إذ كيف تسمح منظمات دولية بوزن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) وهي المعنية تاريخيًا بهندسة ودعم السياسات التنموية الرصينة، بأن ترهن استراتيجية وطنية جيلية خماسية (2026-2031)، تحدد مصير ومستقبل شباب دولة بأكملها، بمخرجات مجرد استطلاع رأي عابر وغير منضبط إحصائيًا ؟ إن استطلاعات الرأي في أدبيات التخطيط الاستراتيجي ليست سوى أدوات استكشافية مؤقتة لقياس نبض ديموغرافي آني، ولا يمكن بحال من الأحوال اتخاذها ركيزة صلبة لصياغة خطط تنموية سيادية وسياسات عامة بعيدة المدى. إن تجميع هذه الأرقام والنسب بشكل كمي جامد، دون إسقاطها الميداني على الخارطة الوطنية والبلدية، يحكم على الاستراتيجية بالعمى التام عن التفاوت التنموي الحاد وصراعات الموارد المحتدمة في الميدان الليبي. فالتطلعات والاحتياجات الأمنية والمعيشية لشاب يقبع في بلديات الجنوب المنسي والمهمش كأوباري، وغات، والكفرة، حيث المعاناة اليومية من الانقطاع الخدمي والتمزق اللوجستي التام والعزلة الجغرافية، تختلف جذريًا وبنيويًا عن تطلعات شاب يعيش في الحواضر الكبرى المتمتعة بمركزية نسبية كطرابلس أو بنغازي. بل إن الأمر يتجاوز ثنائية (المركز والأطراف)؛ فالاحتياجات والمخاطر الاستراتيجية لشباب الحواضر تختلف هي الأخرى اختلافًا جوهريًا وميدانيًا عن واقع الشباب في مدن ومناطق مثل الزاوية، وصرمان، والعجيلات، وهي مناطق تفرض عليها سياقاتها الأمنية، والاجتماعية، والاقتصادية، والنزاعات المحلية المعقدة أولويات تختلف تمامًا عن أولويات العاصمة؛ لاسيما في ملفات حيوية مثل تحييد الشباب عن الصراع المسلح، ومكافحة الجريمة المنظمة وعمليات التهريب، وتوفير بدائل اقتصادية مدنية وآمنة لسبل العيش. إن إغفال هذا التباين السوسيولوجي الحاد وإذابة خصوصية هذه المدن في قالب الأرقام الجاهزة يفرغ الاستراتيجية من قيمتها التنفيذية ويحولها إلى وثيقة مغتربة عن جغرافيا الواقع. 2. معضلة أدوات قياس داخل الورشة يتمثل الشرخ المنهجي الثاني في استخدام استمارة الاستبانة مطولة فضفاضة تقع في (15 صفحة) وتعتمد على الأسئلة المفتوحة والمعقدة التي تحتاج تأنيًا وتأصيلًا فكريًا. إن استخدام هذه الأداة في بيئة ليبية تعاني أزمات انقطاع الكهرباء، وتذبذب شبكات الاتصالات، وضغوط المعيشة اليومية، يعد انحيازًا بنيويًا يقصي تلقائيًا الفئات الأكثر هشاشة في الشارع مثل الشباب النازح، والعاطل عن العمل، وغير المتعلم، أو المنخرط في التشكيلات المسلحة كخيار وظيفي وحيد ويستمع فقط للنخبة المستقرة رقميًا وثقافيًا، مما ينتج بيانات نظيفة في مظهرها الأكاديمي، لكنها معزولة عن عمق الواقع. والأنكى من ذلك استراتيجيًا، والمؤسف حقًا على مستوى الممارسة، هو ما عشته ميدانيًا داخل الورشة؛ حيث طُلِب من المشاركين على الطاولات تعبئة هذه الاستبانة المعقدة المكونة من 15 صفحة على عجل وفي ذات اللحظة والتوّ ضمن فعاليات الورشة! وهنا كان لا بد من إطلاق صرخة نقدية واضحة ومباشرة للمنظمين بالقول: إن هذا الإجراء لا يجوز علميًا ولا منطقيًا؛ فالأمر ليس مجرد ملء خانات بشكل آلي لإنجاز الخطة على وجه السرعة، بل هو بحاجة ماسة إلى تأنٍ، وقراءة فاحصة، وتفكيك ذهني معمق، لتكون الإجابات حقيقية وتعبّر بصدق عن العمق الاستراتيجي المطلوب! إن إجبار النخب والخبراء الحاضرين على الصياغة السريعة والارتجال تحت وطأة التوقيت الضيق والضاغط للورشة، يثبت بالدليل القاطع أن العملية برمتها لا تستهدف استقراء العقول أو استنباط الحلول الحقيقية من الميدان. بل إنها تبحث، في حقيقتها السوسيولوجية، عن شرعنة إجرائية صورية؛ والهدف منها هو استخدام حضور الخبراء الوطنيين كغطاء محلي سريع لتمرير وثيقة جرى إعدادها وهندستها مسبقًا خلف الأبواب المغلقة. ثانيًا: معضلة عزل الشاب الليبي المكتوي بالنار تكشف حادثة الشاب المغترب في جمهورية مصر العربية عن ظاهرة سوسيولوجية خطيرة تسميها أدبيات التخطيط في مناطق النزاع والهشاشة باصطناع النخب الوجاهية، أو خلق النخب المعزولة. وهنا تجب المصارحة المكاشفة بأن بعض المنظمات الدولية الداعمة تعمد في كثير من الأحيان إلى الاعتماد على مجموعات شبابية معينة؛ لكونها متاحة في قاعات فنادق العاصمة، أو لأنها تتقن لغات أجنبية تسهّل مخاطبة المانحين، أو لأنها عاشت مغتربة في الخارج، مما يجعلها الفئة الأيسر للتواصل وتعبئة الاستمارات من قِبل البعثات الدولية. إن هذا المسلك المنهجي ينتج خطًأ استراتيجيًا فادحًا وهزيمة تنموية مسبقة؛ فالشاب المغترب أو النخبوي المعزول لا يمتلك مطلقًا المخزون الشعوري والميداني للأزمة الليبية بأبعادها المركبة. فهو لم يشهد بالمعاينة اليومية تدمير البنية التحتية للمؤسسات التعليمية، ولم يختبر وطأة البطالة الهيكلية الخانقة، ولا أزمات السيولة النقدية والإنهاك المعيشي التي تدفع الشاب الليبي في الداخل دفعًا إلى الانخراط في التشكيلات والمسارات المسلحة كخيار توظيفي واقتصادي وحيد لتأمين قوته وقوت أسرته. عندما تعزل الاستراتيجية الوطنية صوت الشارع الحقيقي القابع في ورش الصيانة، وخلف مقاود سيارات خطوط التوصيل، وفي طوابير المصارف، وعلى خطوط التماس الفعلي للأزمة فإنها تنتهي حتمًا إلى صياغة حلول وتطوير مسارات لشباب افتراضي حالم لا وجود له إلا في مخيلة صانعي الخطة، ومنفصل تمامًا عن جغرافيا الواقع والشباب الفعلي المعاش في المدن والبلديات الليبية. ثالثًا: مسار التعليم والمهارات والانتقال إلى التعلم المنتج إن إنجاز وثيقة استراتيجية بوزن وحجم ومصير قطاع التعليم والمهارات والانتقال إلى التعلم المنتجفي غضون أقل من شهر واحد (شهر يوليو)، يكشف بوضوح عن آلية التخطيط الوجاهي المستعجل؛ وهو تخطيط محكوم بالرغبة الإدارية في الاستجابة للضغوط والتعميمات الوزارية الفوقية، بدلًا من الارتباط العضوي بتفكيك المعضلات البنيوية العميقة التي تضرب البنية التحتية للبلاد. ويتبدى هذا التضارب الاستراتيجي الحاد والشرخ التنفيذي في بُعدين أساسيين: • تتحدث الوثيقة بلغة حالمة ومفرطة في التفاؤل الأكاديمي عن مفاهيم التعلم المنتج والانتقال إلى الاقتصاد المعرفي والرقمنة والمستقبل، في وقت يشهد فيه قطاع التعليم الليبي تشظيًا إداريًا وانقسامًا هيكليًا مزمنًا بين حكومات ومؤسسات متنافسة. كما يتغافل هذا الطرح النظري عن الانهيار شبه التام في المختبرات العلمية والورش الفنية بالمدارس والمعاهد والجامعات، ناهيك عن الاهتزاز المستمر في انتظام العام الدراسي نتيجة الأزمات الأمنية واللوجستية المتلاحقة. إن تسويق الاقتصاد المعرفي في بيئة تفتقر لأبسط مقومات الاستقرار الخدمي والمؤسسي هو محض اغتراب تنموي. • لا يمكن لأي نظام تعليمي أن يتحول إلى قاطرة للتعلم المنتج ما لم يكن متكاملًا ومترابطًا مع حوكمة اقتصادية وطنية وبيئة استثمارية تضمن للمخرجات التعليمية فرص عمل مدنية حقيقية ومستدامة وكريمة. وفي ظل الواقع الليبي الراهن، يتنافس قطاع التعليم المنتج مباشرة مع اقتصاد الحرب والسلاح والتهريب، وهو اقتصاد موازٍ ومتوحش يوفر للشباب عوائد مالية سريعة وضخمة، ويمنحهم نفوذاً ومكانة اجتماعية مشوهة وقسرية في مناطقهم؛ وإن إغفال الخطة لهذه المعادلة السوسيواقتصادية الحرجة يجعل مسار التعليم برمته تنظيرًا أكاديميًا بامتياز، وعاجزًا عن سحب الشباب من مستنقع النزاع نحو الاستقرار المدني. رابعًا: قلب هرم الأولويات الاستراتيجية إن الخطأ الكبير في الاستراتيجية (2026-2031) هو صياغتها بعقلية بناء الدولة المستقرة عبر 10 مسارات مسطحة ومشتتة للموارد، في حين تحتاج ليبيا إلى استراتيجية محكومة بعقلية إدارة الأزمات وحقن الدماء بناءً على هذا المنظور السوسيولوجي والسياسي، يجب إعادة هندسة الأولويات وفق المصفوفة الثلاثية التالية لضمان عدم تحول الوثيقة إلى حبر على ورق: 1. الأولوية القصوى (خط الدفاع الأول): • مسار نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج المدني: التركيز على تقديم بدائل مهنية واقتصادية مباشرة تغري الشباب بترك التشكيلات المسلحة. • صناعة المشتركات الوطنية ومكافحة القبلية والمناطقية : استبدال المفهوم الأكاديمي للهوية ببرامج ميدانية عابرة للانقسامات مثل المعسكرات الشبابية، ومشاريع ريادية مشتركة بين البلديات لتفكيك خطاب الكراهية. • مهارات سبل العيش السريعة: التمكين الاقتصادي المباشر لقطع الطريق أمام أموال التجنيد السياسي والعسكري، ويتجلى ذلك في برامج التدريب المهني والتقني الخاطف الموجهة للمهن الأكثر طلبًا في السوق المحلي، والتي تضمن للشاب عائدًا ماليًا يوميًا أو شهريًا مستقلًا يحميه من الحاجة والوقوع في فخ الاستقطاب المسلح. ومن أبرز أمثلتها التطبيقية في السياق الليبي: 1. تدريب الشباب في برامج مكثفة لا تتجاوز 4 إلى 6 أسابيع على صيانة الهواتف الذكية والأجهزة الإلكترونية، تركيب وتجارة منظومات الطاقة الشمسية (كبديل عملي لأزمة انقطاع الكهرباء)، وتركيب وصيانة منظومات المراقبة والأمن الرقمي للمحلات والشركات. 2. تأهيل الشباب سريعًا في مجالات التمديدات الكهربائية الحديثة، صيانة وتركيب مكيفات الهواء، وأعمال السباكة الحديثة. هذه المهن تشهد طلبًا محليًا هائلًا ومستمرًا في كافة البلديات الليبية وتوفر دخلًا فوريًا ومجزيًا يتفوق في كثير من الأحيان على الرواتب الممنوحة في القطاعات العامة أو التشكيلات المسلحة. 3. تطوير برامج مكثفة لصيانة السيارات الحديثة مثل تشخيص الأعطال بالكمبيوتر والكشف الرقمي، وصيانة محركات الديزل للمولدات، وإدارة وتشغيل آليات النقل الثقيل، وهي مجالات حيوية لخطوط الإمداد والتوصيل ومشاريع الصيانة المحلية. 4. تأهيل الشباب خاصة في البلديات النائية على مهارات إدارة المخازن الرقمية، المحاسبة المبسطة للمشروعات الصغرى، وإدارة منصات التجارة الإلكترونية المحلية وتطبيقات التوصيل. إن الميزة الاستراتيجية لهذه المهارات السريعة تكمن في تصفير زمن الانتظار التنموي؛ فالشاب لا يحتاج إلى أربع سنوات جامعية في نظام تعليمي مشلول ليحصل على دخل، بل يحصل على أداة إنتاجية فورية توفر له الأمن المعيشي الذاتيخلال أسابيع، مما يرفع من تكلفة خيار الانخراط في النزاع المسلح، ويقطع الطريق على شبكات التجنيد العسكري والسياسي التي تقتات على العوز المادي للشباب 2. الأولوية المتوسطة (مرحلة الترميم والبناء الهيكلي): • التعليم والتعلم المنتج: بعد توحيد الحوكمة وضمان استقرار المدارس والجامعات. • الصحة النفسية وعلاج الصدمات: إعادة تأهيل جيل عاصر الحروب منذ 2011 ويعاني من صدمات نفسية تترجم إلى عنف مجتمعي. • الإسكان والاستقرار المجتمعي: كعامل أساسي لمقاومة النزوح وتشجيع الاستقرار الأسري. 3. الأولوية المؤجلة (تأتي بعد تعافي الدولة ومؤسساتها المركزية): • الريادة والابتكار والاقتصاد المعرفي: إذ من العبث التنظير لاقتصاد رقمي ومعرفي في ظل انقطاع الكهرباء، وتذبذب الإنترنت، وانقسام مؤسسات الدولة. • التنمية المستدامة والمناخ. • البيانات ونظم المعلومات: يتوجب أن تتحول إلى أداة دعم داخلية للمؤسسات وليست مسارًا استراتيجيًا مستقلًا يستنزف الميزانيات. وفي المحصلة الأخيرة؛ إن الاستراتيجية الوطنية للشباب في ليبيا (2026-2031) بصيغتها وتصميمها الحاليين، لا تعدو كونها وثيقة أدبية تنظر لطوباوية الأحلام وتصلح لليبيا ما بعد الاستقرار الإجمالي والمؤسسي التام؛ لكنها تشكل حالة صارخة من الاغتراب التنموي والانفصام البنيوي في جغرافيا ليبيا الحالية التي تصارع التشظي، والانقسام، والهشاشة. إن تمرير هذه الخطط الجاهزة وعقد الورش الصورية لتسويقها دون إجراء مراجعة تصحيحية وجذرية لآليات اختيار أدواتها البحثية واستطلاعاتها، ودون إحداث قلب حقيقي لهرم أولوياتها وهندستها ليرتكز صراحة وميدانياً على مواجهة المفرزات المباشرة والمدمرة للحرب وعلى رأسها انفلات السلاح وتمدد التشكيلات، وتغوّل الولاءات القبلية والمناطقية الضيقة، والفقر الهيكلي، والصدمات النفسية غير المعالجة لجيل الحروب يعني تلقائيًا ومسبقًا الحكم على هذه الاستراتيجية بأن تظل مجرد حبر على ورق، وحبيسة الأدراج الوزارية والأممية الموصدة، وبعيدة كل البعد عن نبض وأنفاس ومعاناة الشباب في الشارع الليبي المعاش. إننا اليوم، ومن منطلق المسؤولية الوطنية والعلمية، بحاجة ماسة إلى وقفة جادة وشجاعة من قِبل المؤسسات الوطنية السيادية، والجهات الدولية الداعمة على حد سواء، لإيقاف سياسة سلق المسارات وتدجين النخب الجارية تحت ضغوط الجداول الزمنية الضيقة والمصالح الإدارية العابرة. إن المطلوب فورًا هو استعادة القرار التخطيطي الوطني، وإعادة صياغة فلسفة هذه الخطة بالكامل؛ لتتحول من خطة خمسية جامدة تُصاغ وكأن الدولة معافاة ومستقرة، إلى خطة صمود وتكيف في ظل النزاعات وهشاشة مؤسسات الدولة تُبنى وتُراجع بشكل سنوي مرن يواكب ديناميكيات الأزمة وتغيرات الميدان المتسارعة. يجب أن تولد هذه الرؤية من جديد بأيدي قامات وخبراء وطنيين ملتصقين بالتراب الليبي، وعارفين بخصوصيات وموازين القوى في البلديات والمناطق من القاع إلى القمة، لضمان إنتاج وثيقة تعافٍ حقيقية، مرنة وقابلة للتطبيق، تحقن دماء هذا الجيل، وتصنع له مستقبلًا مدنيًا كريمًا، ومستدامًا، ومحصنًا ضد الانتكاسات.
##حسين_مرجين (هاشتاغ)
Hussein_Salem__Mrgin#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
علم الاجتماع في الجامعات الليبية: من شرنقة التدجين المنهجي إ
...
-
مؤتمر الخبراء الليبيين: تشتت البوصلة بين خطاب الطموح وواقع ا
...
-
سوسيولوجيا الحياة اليومية في ظل الأزمات المستدامة: تشريح لآل
...
-
تآكل الضبط الاجتماعي في ليبيا: نحو استراتيجية وطنية لترميم ا
...
-
عقلية الكدوة: نمط حياة وصنع قيم التضامن والضبط الاجتماعي في
...
-
البحث الاجتماعي: من سوسيولوجيا الغوص في الميدان إلى وجبات ال
...
-
نحو سوسيولوجيا تطبيقية: مرحلة هندسة الأدلة في علم اجتماع الأ
...
-
نحن بحاجة إلى معايير ومؤشرات الصمود للمؤسسات التعليمية الليب
...
-
معايير ومؤشرات الصمود لضمان جودة التعليم في بيئات النزاع الع
...
-
تشريح سوسيولوجي لظاهرة أمراء الحرب وخصخصة الدولة في ليبيا
-
كيف نرى الجودة وضمانها في التعليم بليبيا ؟ أطر الحوكمة ورهان
...
-
الانقلاب على حتحات على ما فات: هندسة الذاكرة الليبية سيكولوج
...
-
تأصيل التفاهة وتأميم الذاكرة: قراءة في المتخيل القبلي والسيا
...
-
قراءة تقييمية لواقع جودة التعليم العالي وضمانها في المنطقة ا
...
-
علم الاجتماع في ليبيا تفكيك إرت الكوابح ورهانات المشروع السو
...
-
علم الاجتماع في ليبيا: من ذاكرة شرنقة السلطة إلى حصار الرقاب
...
-
رؤية تفاعلية لإعادة هيكلة أنظمة الجودة وضمانها في التعليم بل
...
-
السيولة الهيكلية في الإدارة الليبية: أداة لتفتيت الذاكرة الم
...
-
ذاكرة الآباء الواقعية: كيف تبني عثرات الماضي مناعة الأبناء؟
-
أزمة التعليم في ليبيا: إنتاج المشكلات بدل الحلول
المزيد.....
-
قتيل و5 مصابين في إطلاق نار خلال حفل صاخب بسويسرا
-
في مصر.. ألقاب مرموقة تكشف هوية صاحب مقبرة أثرية جديدة
-
-أجمل من أي صورة رسمتها بخيالي-.. فايا يونان تعلن خطوبتها
-
تحليل: صراع داخل إيران قد يحسم موعد نهاية حرب ترامب
-
مخاوف من انفجار الوضع في الضفة الغربية.. هل يدفع نتنياهو الم
...
-
تلسكوب جديد من ناسا ينطلق اليوم للبحث عن أسرار الكون
-
وسط غموض مصيره.. خامنئي يوجه رسالة لافتة إلى دول الخليج: -اع
...
-
ذكرى التوسع شرقا ـ وزن الاتحاد الأوروبي في جيوسياسية العالم
...
-
منطقة شينغن تتوسع.. لكن مراقبة الحدود في الاتحاد الأوروبي مس
...
-
آيسلندا ترفض استئناف مفاوضات الانضمام للاتحاد الأوروبي
المزيد.....
-
علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون
/ عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
-
بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده
/ علي مجيد
-
البساطة
/ عبدالجليل الكناني
-
أحمد رباص
/ كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
-
الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج
/ احسان طالب
-
تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع
/ علي حمدان
-
-الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن
/ احسان طالب
-
جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟
/ إحسان طالب
-
ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي
/ علاء سامي
المزيد.....
|