أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - علم الاجتماع في الجامعات الليبية: من شرنقة التدجين المنهجي إلى سوسيولوجيا الاشتباك















المزيد.....

علم الاجتماع في الجامعات الليبية: من شرنقة التدجين المنهجي إلى سوسيولوجيا الاشتباك


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 12:02
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


يعدّ علم الاجتماع في الجامعات الليبية مجالًا لهيمنة نسقية للتوجه الواحد، حيث تتكرر في كثير من الدراسات الماجستير والدكتوراه هيمنة المنهج الكمي، ويأتي استخدام أداة الاستبانة بوصفها الأداة الأكثر حضورًا. ولا يقتصر هذا الأمر على أدوات البحث، بل يمتد إلى طبيعة التكوين التخصصي ومحتوى المناهج. فبالرغم من تعدد الأقسام واختلاف مسمياتها، فإن مقولاتها ومقرراتها الدراسية تتقارب بدرجات كبيرة، الأمر الذي قد يُعدّ لدى بعض الباحثين عاملًا لانتظام البرامج، غير أن التشخيص الأعمق يبرز حاجة متزايدة للتنوع والتخصص بما يتلاءم مع السياق الجغرافي والخصوصية المحلية. وفي هذا الإطار، تبرز في جامعة سبها الحاجة إلى تدريس سوسيولوجيا الصحراء وتفكيك أنماط العلاقات الاجتماعية في المناطق الجنوبية، بوصفها أنماطًا تختلف بنيويًا عن المناطق الساحلية مثل طرابلس وبنغازي.
وعليه، يصبح من الضروري إعادة هيكلة المناهج بحيث تتضمن برنامجًا لمقررات أساسية مشتركة تُشكّل قلب التخصص، إلى جانب مقررات اختيارية أو متخصصة تتصل مباشرة ببيئة الجامعة واحتياجاتها التعليمية والبحثية.
والأهم من ذلك كله، عند تشريح وضع علم الاجتماع الليبي الذي تأسس في منتصف خمسينيات القرن الماضي، يتوجب علينا تلمّس أثره الحقيقي على الحياة الاجتماعية والإنسانية في ليبيا. ومن غير المنصف الحكم مطلقًا بوجود هذا الأثر أو غيابه دون تفكيك لمجريات مسيرته على امتداد قرابة سبعين عامًا. ومع ذلك، يمكن ربط فاعلية هذا العلم بمدى مواكبته للتحولات الكبرى في تاريخ البلاد. فهل توجد دراسات تنبؤية ناقشت أثر النفط على الحياة الاجتماعية عند اكتشافه، لا بعد مرور عقود؟ وهل امتلكنا دراسات رصدت التحول السياسي من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري تزامنًا مع الحدث؟ وهل استجابت المؤسسة الأكاديمية لتقديم دراسات سوسيولوجية متشابكة مع حراك عام 2011 وقت وقوعه؟
إن غياب الدراسات الآنية المتشابكة مع الواقع في لحظات المخاض الكبرى يضع علم الاجتماع الليبي تحت مقصلة النقد، باعتباره علمًا مهادنًا يلوذ بأماكن الراحة، ويفضل التراجع إلى الخلف بدلًا من المواجهة الفكرية والاشتباك مع الواقع المعاش.
وإن استمرار هذه المهادنة على مدى عقود لم يكن مجرد خيار عابر، بل أسس لأعراف أكاديمية راسخة في مجالي التدريس والبحث. وقد أفضى ذلك إلى حالة من التسليم والانقياد التراكمي، تجسيدًا لمنطق تقليدي يقوم على: ما وجدنا عليه آباءنا. وبناءً على ذلك، صار التفكير في الخروج من هذه الشرنقة الأكاديمية يُفسَّر باعتباره خروجًا عن علم الاجتماع برمته.
وتستحضرني هنا شهادة لأحد الأساتذة الجامعيين عندما سُئل عن سر استمراره في موقعه رغم معارضته للنظام السياسي السابق وتصنيفه في أدبياته كرجعي. فكانت إجابته الصادمة: إنه تعمد الابتعاد عن الدين والسياسة في أطروحاته السوسيولوجية. وهنا يكمن موطن الخلل الذي نسترعي انتباه القارئ إليه: كيف يمكن لعلم اجتماع أن يفسر مجتمعًا يُشكّل فيه الدين المحرك الأساسي لسلوك أفراده، بينما تُعمل السياسة بوصفها أداة هيمنة مباشرة على توجيه هذا السلوك؟
إن هذه المنهجية الإقصائية في التفكير والعمل حاصرت العقول داخل قوالب جامدة، نأت بها عن مواكبة أي تحولات حقيقية. حتى تحول علم الاجتماع في جامعاتنا إلى نصوصٍ وأبياتٍ تُحفظ غيبًا دون تدبرٍ أو نقد. وفي سياق متصل، أذكر واقعة جرت لي مع أحد الأساتذة عندما طالبته بأن نقوم بدورنا الفعلي في مراجعة مسار هذا العلم. فقد كتبتُ له في قصاصة صغيرة ملحوظات حول قضايا تحتاج إلى مراجعة وتطوير، فما كان منه إلا أن ردّ عليّ في خلف القصاصة ذاتها قائلاً: إن الأمور جيدة، وإننا كمعلمين نقوم بواجبنا على أكمل وجه، وبالتالي لا ينقصنا شيء.
يوضح هذا الموقف بجلاء أننا لا نزال نتعامل مع علم الاجتماع بمنطق المعلمين والمُلقنين فحسب، لا بمنطق البحاث المغامرين الذين يشتبكون مع قضايا المجتمع ومشكلاته، ويفككون ظواهره ويختبرون تفسيراتها.
إن هذا الاختزال لم يكن مسارًا اعتياديًا أو عفويًا كما يتوهم البعض، بل كان انعكاسًا لمشروع سلطوي مبرمج استهدف بالدرجة الأولى العلوم التي تبني العقول وتملك أدوات التشخيص والتحليل السوسيولوجي. لقد شكلت وقائع الابتعاد عن الدين، وتحييد السياسة، والتقوقع داخل سياق التعليم التلقيني، جزءًا أصيلاً من ذلك المشروع. كما كانت الاعتقالات وحالات الإعدام التي مارسها النظام السابق داخل الحرم الجامعي ترمي إلى تأطير العلوم الاجتماعية وعلى رأسها علم الاجتماع وإجبارها على السكون في الظل، والابتعاد عن أي اشتباك حقيقي مع الواقع وتحولاته الكبرى.
إن قراءة هذا المسار المأزوم تدفعنا بالضرورة إلى الإقرار بأن التحول المنشود ليس بالأمر الهين. فواقعة الأستاذ الجامعي الذي فرّ من محاضرته بمجرد سماعه بأن رأس الدولة في طريقه لزيارة القاعات الدراسية تختزل بجلاء مظاهر العجز التام عن المواجهة التي أصابت هذا العلم وبحوثه.
ورغم أن البعض قد يهوّن من شأن هذه السلوكيات ويحلو له تصويرها باعتبارها بطولات تكتيكية، أو بوصفها مجرد ابتعاد عن حقلي الدين والسياسة والتقوقع داخل أسوار التدريس التلقيني، فإن مرآة المكاشفة الحقيقية تصفعنا بدلالة قاسية: إنها لم تكن إلا مظاهر عجز وانكسار فكري.
وبناءً على هذا التشخيص، نرى أننا اليوم في أمسّ الحاجة إلى طرح مشروع مكاشفة حقيقي، وإحداث مصالحة جذرية بين الباحثين في علم الاجتماع الليبي وبين أدواتهم التفكيرية ونظرية علمهم. فالمطلوب هو استعادة هذا الحقل المعرفي دوره الفاعل تجاه المجتمع، والانتقال من موقع المتفرّج القابع في مساحات الظل الآمنة إلى موقع الاشتباك المعرفي مع الواقع.
إن هذا التحول يتطلب مدى زمنيًا غير قصير، كما يستدعي بالضرورة بروز باحثين مغامرين يملكون شجاعة اقتحام مربع المهادنة، والتحرك من عتمة الظل إلى خطوط اشتباك أكثر سخونة مع الواقع. وفي هذا السياق، نحن بحاجة إلى سوسيولوجيين أقرب في ديناميكيتهم إلى الصحفي الميداني الذي يرصد الوقائع والتحولات الحية لحظة وقوعها، بدلًا من الانكفاء على اجترار كتب ونظريات قديمة، أو الاستناد إلى دراسات سابقة لم تعد قادرة على تفسير مخاضات الواقع الليبي الراهن.



##حسين_مرجين (هاشتاغ)       Hussein_Salem__Mrgin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مؤتمر الخبراء الليبيين: تشتت البوصلة بين خطاب الطموح وواقع ا ...
- سوسيولوجيا الحياة اليومية في ظل الأزمات المستدامة: تشريح لآل ...
- تآكل الضبط الاجتماعي في ليبيا: نحو استراتيجية وطنية لترميم ا ...
- عقلية الكدوة: نمط حياة وصنع قيم التضامن والضبط الاجتماعي في ...
- البحث الاجتماعي: من سوسيولوجيا الغوص في الميدان إلى وجبات ال ...
- نحو سوسيولوجيا تطبيقية: مرحلة هندسة الأدلة في علم اجتماع الأ ...
- نحن بحاجة إلى معايير ومؤشرات الصمود للمؤسسات التعليمية الليب ...
- معايير ومؤشرات الصمود لضمان جودة التعليم في بيئات النزاع الع ...
- تشريح سوسيولوجي لظاهرة أمراء الحرب وخصخصة الدولة في ليبيا
- كيف نرى الجودة وضمانها في التعليم بليبيا ؟ أطر الحوكمة ورهان ...
- الانقلاب على حتحات على ما فات: هندسة الذاكرة الليبية سيكولوج ...
- تأصيل التفاهة وتأميم الذاكرة: قراءة في المتخيل القبلي والسيا ...
- قراءة تقييمية لواقع جودة التعليم العالي وضمانها في المنطقة ا ...
- علم الاجتماع في ليبيا تفكيك إرت الكوابح ورهانات المشروع السو ...
- علم الاجتماع في ليبيا: من ذاكرة شرنقة السلطة إلى حصار الرقاب ...
- رؤية تفاعلية لإعادة هيكلة أنظمة الجودة وضمانها في التعليم بل ...
- السيولة الهيكلية في الإدارة الليبية: أداة لتفتيت الذاكرة الم ...
- ذاكرة الآباء الواقعية: كيف تبني عثرات الماضي مناعة الأبناء؟
- أزمة التعليم في ليبيا: إنتاج المشكلات بدل الحلول
- سيادة التعليم في ليبيا بين مطرقة الانقسام وسندان المنظمات ال ...


المزيد.....




- وفاة ملك النرويج هارالد الخامس عن عمر ناهز 89 عاماً
- عمرو يوسف يكشف عن فكرة مسلسل -180-من بطولته في رمضان 2027
- إيران تصيغ مطالب لأمريكا قبيل احتمال إعادة فتح مضيق هرمز
- محسن رضائي يرد على تقارير وجود مؤامرة إيرانية لاغتيال بارون ...
- من جبال قنديل إلى القصر الرئاسي.. ماذا نعرف عن مسيرة مظلوم ع ...
- إسرائيل تشكو لواشنطن أداء الجيش اللبناني في جنوب لبنان.. وجد ...
- فيضانات الصين ونيبال.. مئات القتلى ومفقودون من أكثر من 30 دو ...
- موقع Ratopati: إنقاذ أكثر من 3000 شخص خلال الفيضانات في نيبا ...
- توكايف: مجلس الأمن الدولي توقف عن أداء مهمته في حفظ السلام و ...
- برلين تكثف جهودها الدبلوماسية لترشيح جنرالها لرئاسة اللجنة ا ...


المزيد.....

- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - علم الاجتماع في الجامعات الليبية: من شرنقة التدجين المنهجي إلى سوسيولوجيا الاشتباك