أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - البحث الاجتماعي: من سوسيولوجيا الغوص في الميدان إلى وجبات الاستبانات السريعة














المزيد.....

البحث الاجتماعي: من سوسيولوجيا الغوص في الميدان إلى وجبات الاستبانات السريعة


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 15:43
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


تُثير الممارسات البحثية الراهنة في العلوم الاجتماعية، وبخاصة في سياق استخدام الاستبانة كأداة أساسية لجمع البيانات الكمية، قضايا إبستمولوجية ومنهجية بالغة الأهمية. ففي المقام الأول، يبرز خلط معرفي شائع ينظر إلى الاستبانة بوصفها منهجًا قائمًا بذاته، في حين أنها لا تتعدى كونها أداة تقنية تخدم منهجًا مسحيًا أوسع.
ومع الطفرة الرقمية المعاصرة، تحول فضاء وسائل التواصل الاجتماعي (ومنها خدمات مثل الواتساب) إلى بيئة لإنتاج عينات افتراضية عشوائية غير منضبطة منهجيًا. هذا الواقع الرقمي الجديد يطرح تساؤلات بنيوية حول مدى التزام الباحثين بتحديد طبيعة ومعالم مجتمع الدراسة بدقة، بما يضمن تمثيلية النتائج.
فالإفراط في الاعتماد على الروابط الإلكترونية الشائعة يؤدي إلى توليد بيانات مستخلصة من عينات هلامية أو معجونة، يغيب فيها التجانس، وتختلط استجابات المستهدفين بغيرهم. وأمام هذا المشهد، تصبح موثوقية النتائج وصلاحيّة التوصيات محل شك علمي كبير، مما يضع على عاتق المشرف الأكاديمي مسؤولية مضاعفة تتمثل في التحقق من هوية المبحوثين، ومن جدية أدوات الضبط المنهجي الميداني.
ولا تقتصر المعضلة المنهجية الراهنة على ممارسات طلبة الدراسات العليا فحسب، بل تمتد لتشمل أيضًا فئة من أعضاء هيئة التدريس؛ الأمر الذي ينذر بحدوث أزمة إبستمولوجية حادة في بنية المعرفة السوسيولوجية المعاصرة.
حيث باتت وتيرة إنتاج البحوث والدراسات تخضع لمنطق السرعة والكم على حساب الكيف؛ وذلك عبر الاكتفاء بوضع مقدمات إنشائية وتصميم استبانات عامة تفتقر إلى الضبط المفاهيمي والمؤشرات القابلة للقياس، ثم تعميمها عبر فضاءات افتراضية، كما في منصات الواتساب.
وتتكرّس أبعاد هذه الأزمة عندما يُفوَّض جهات أو مكاتب إحصائية خارجية للقيام بعمليات التحليل الإحصائي، بمعزل تام عن تدخل الباحث أو عن وعيه السياقي بالظاهرة المدروسة. وينتج عن هذا الانفصال البنيوي غياب كامل للربط بين المخرجات الرقمية والإطار النظري للدراسة، مما يفتح الباب لتمرير علاقات ارتباطية زائفة وتفسير متغيرات غير مستهدفة لا تخدم أهداف البحث الحقيقية.
إن تمدد هذه الظاهرة في البيئة الأكاديمية العربية، وبعض البيئات الدولية رغم تفاوت الضوابط المهنية والأخلاقية، أدى إلى شرعنة وقبول أوراق بحثية محمّلة بمخالفات إبستمولوجية جسيمة، مدفوعة بآليات الإرسال الرقمي السريع وغياب الدقة في تحديد الأطر الميدانية للمجتمعات المبحوثة.
ويمكن توصيف النمط الراهن للبحوث الاجتماعية المعاصرة بأنه انزلق نحو ما يُعرف بسلعنة المعرفة أو الوجبات البحثية السريعة؛ فهو يُنتج مسودات ودراسات تبدو دسمة وضخمة في مظهرها الشكلي والكمي، لكنها تظل عديمة الأثر الفعلي ومقطوعة الصلة بالواقع المعاش.
فمن غير المقبول منهجيًا إخضاع ظواهر اجتماعية وسياسية بالغة الحساسية والتعقيد، مثل: الجريمة والمخدرات، التهجير القسري، أزمات التعليم، والانقسامات السياسية لأداة اختزالية كالاستبانة الإلكترونية. إن الباحث في هذا السياق يشبه من ينظر إلى البحر من بعيد عبر الشاشات: يتفرّج على السطح دون أن يمتلك شجاعة الغوص في عمق الميدان الاجتماعي لتفكيك شفراته التفسيرية.
إن هذا الواقع المأزوم يستدعي وقفة نقدية جادة لضبط استخدام الأدوات البحثية في العلوم الاجتماعية، وإخضاعها للسياقات والمعايير الدولية التي تُلزم الباحثين باستصدار الموافقات المستنيرة واستيفاء الاشتراطات الأخلاقية والمهنية الصارمة قبل الولوج إلى الميدان.
ورغم أن المشاريع الرامية إلى مأسسة هذه الضوابط واجهت إخفاقات متتالية نتيجة قصور الرؤية لدى بعض الإدارات البيروقراطية، فإن الحاجة باتت ملحّة لإعادة الاعتبار إلى مدونة سلوك وميثاق أخلاقي شامل للعلوم الاجتماعية في ليبيا على غرار المشروع العلمي الذي تشرفتُ برئاسة لجنته لإعداد الميثاق الأخلاقي تحت مظلة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) كخطوة أساسية لمعالجة مواطن الخلل، وضمان صون كرامة المبحوثين، واستعادة القيمة التنويرية والوظيفية للبحث السوسيولوجي.
تأسيسًا على ما تقدم، باتت العلوم الاجتماعية والإنسانية في مجتمعاتنا بحاجة ملحّة إلى وقفة نقدية جادّة وتعبئة أكاديمية يقودها أساتذة التخصص؛ بهدف مواجهة هذا الاختلال المنهجي المتنامي، والذي يقود بالضرورة إلى إخفاقات بنيوية في التشخيص العلمي للمشكلات والأزمات المطروحة.
إن هذا الواقع يستدعي مراجعة جذرية وتصويبًا لمسار استخدام أدوات البحث؛ عبر التأكيد على أن الاستبانة ليست المنهج بأكمله، بل هي مجرد أداة ضمن مقترب كمي أوسع لا بد من موازنته.
ومن ثم، يتوجب تأهيل الباحثين وتدريبهم على توظيف أدوات نوعية كيفية بالغة الأهمية؛ كالملاحظة بالمشاركة، والمقابلات المتعمقة، وأداة مجموعات النقاش البؤرية التي تجمع نخبة من المختصين لإنتاج فهم تفسيري وسياقي عميق، لكسر اختزال البحث العلمي في مجرد استبانات آلية صامتة.
إن إدراك هذه الحقائق يستوجب إطلاق دعوة وطنية ومؤسسية مخلصة لإعادة إحياء المشروع الوطني لتطوير مناهج البحث في العلوم الاجتماعية. على أن يتضمن هذا المشروع صياغة مدونات مهنية وأطر أخلاقية حازمة وقادرة على معالجة هذه الانحرافات الإبستمولوجية والمنهجية، بما يعيد للبحث العلمي رصانته الميدانية وأمانته المعرفية، ويضمن تقديم قراءات سوسيولوجية حقيقية تسهم فعليًا في فهم تحولات البناء الاجتماعي.



##حسين_مرجين (هاشتاغ)       Hussein_Salem__Mrgin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نحو سوسيولوجيا تطبيقية: مرحلة هندسة الأدلة في علم اجتماع الأ ...
- نحن بحاجة إلى معايير ومؤشرات الصمود للمؤسسات التعليمية الليب ...
- معايير ومؤشرات الصمود لضمان جودة التعليم في بيئات النزاع الع ...
- تشريح سوسيولوجي لظاهرة أمراء الحرب وخصخصة الدولة في ليبيا
- كيف نرى الجودة وضمانها في التعليم بليبيا ؟ أطر الحوكمة ورهان ...
- الانقلاب على حتحات على ما فات: هندسة الذاكرة الليبية سيكولوج ...
- تأصيل التفاهة وتأميم الذاكرة: قراءة في المتخيل القبلي والسيا ...
- قراءة تقييمية لواقع جودة التعليم العالي وضمانها في المنطقة ا ...
- علم الاجتماع في ليبيا تفكيك إرت الكوابح ورهانات المشروع السو ...
- علم الاجتماع في ليبيا: من ذاكرة شرنقة السلطة إلى حصار الرقاب ...
- رؤية تفاعلية لإعادة هيكلة أنظمة الجودة وضمانها في التعليم بل ...
- السيولة الهيكلية في الإدارة الليبية: أداة لتفتيت الذاكرة الم ...
- ذاكرة الآباء الواقعية: كيف تبني عثرات الماضي مناعة الأبناء؟
- أزمة التعليم في ليبيا: إنتاج المشكلات بدل الحلول
- سيادة التعليم في ليبيا بين مطرقة الانقسام وسندان المنظمات ال ...
- 9 يوليو 1996 في ليبيا: الذاكرة الجريحة التي ما تزال تنزف صمت ...
- كيف يُدار التعليم العالي في ليبيا ؟
- سوسيولوجيا الذاكرة الجريحة في ليبيا من التفكيك إلى آليات الت ...
- سوسيولوجيا الذاكرة الجريحة: نحو مقاربة المصالحة القائمة على ...
- جامعات ليبيا بعد 2014: طفرة في العدد وتعثر في الأثر


المزيد.....




- أسرة الراحلة حياة الفهد تنفي وجود وصية منها بإنشاء صندوق خير ...
- -استنزاف مخزون النفط-.. تحذير من وكالة الطاقة الدولية بشأن م ...
- علاء مبارك يعلق على الحادث المفجع في مصر
- صواريخ -مراوغة- وموجات من المسيّرات.. تقرير يكشف كيف استنزفت ...
- هل يتكرر -النموذج النووي السوري- في إيران؟ تقرير إسرائيلي يج ...
- البرلمان اللبناني يقر قانون العفو العام معدلاً... من أبرز ال ...
- الوضع في الضفة الغربية المحتلة بلغ -منعطفاً خطيراً-، مع تصاع ...
- ترامب يكشف كواليس مغادرته السرية من تركيا.. وتحذير إسرائيلي ...
- هجوم حوثي على سفينة في البحر الأحمر يقتل 3 باكستانيين.. فهل ...
- زلزال يخرب بلدات في كولومبيا: فايي ديل كاوكا تحصي القتلى


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - البحث الاجتماعي: من سوسيولوجيا الغوص في الميدان إلى وجبات الاستبانات السريعة