أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - تآكل الضبط الاجتماعي في ليبيا: نحو استراتيجية وطنية لترميم الفجوة الجيلية














المزيد.....

تآكل الضبط الاجتماعي في ليبيا: نحو استراتيجية وطنية لترميم الفجوة الجيلية


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 8803 - 2026 / 8 / 20 - 20:20
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


تُشكّل المناسبات الاجتماعية في المجتمع الليبي فضاءً غنيًّا يتيح لنا رصد ظواهر وتفاعلات يومية يصعب تتبعها في الحياة العامة المفتوحة. ومن خلال الملاحظة والمعايشة اللصيقة لإحدى هذه المناسبات، برزت ظاهرة لافتة ومقلقة، تتمثل في وجود فجوة جيلية وانتقاد في التواصل بين جيل الآباء وجيل الأبناء، وتحديدًا في مسألة نقل الذاكرة الاجتماعية المشتركة.
ويلاحظ المتابع غياب الحوار الحقيقي داخل الأسرة الليبية حول شبكة العلاقات الإنسانية والروابط الاجتماعية التي تجمعهم بالآخرين؛ مما يجعل الأبناء يكتشفون طبيعة صلاتهم وعلاقاتهم بالناس إما عبر الصدفة المحضة، أو من خلال سؤال كبار السن وعابري السبيل في تلك المناسبات، وهو ما يعكس خللًا واضخًا في قنوات التربية والتوجيه التقليدية.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه القراءة لا تسعى أبدًا إلى تبرير أو إحياء العصبية القبلية بمفهومها الصراعي والسياسي الضيق في ليبيا اليوم، بل تبحث في أبعادها الإنسانية والتضامنية تلك التي تقوم على التكافل والتآزر الاجتماعي الذي يشكل النواة الحقيقية لتماسك المجتمع ككل. إن هذا الانقطاع المعرفي في نقل تجارب الماضي يفسر بدوره أزمة تراجع التواصل اليومي وضَعْف امتثال الأبناء لتوجيهات الآباء، نتيجة لغياب أرضية تاريخية واجتماعية مشتركة يفهمها الجيلان معًا.
وتتجاوز أزمة انقطاع الذاكرة هذه حدود المعرفة السطحية بأسماء الأقارب، لتمتد إلى الجهل التام بميزان العلاقات القائم على المواقف الإنسانية والأحداث المصيرية المشتركة. فمن خلال الرصد، يتضح أن جيل الأبناء يفتقر إلى الذاكرة التاريخية التي شكلت وجدان آبائهم؛ فهم لا يدركون، على سبيل المثال، التضحيات الكبيرة التي قدمتها تلك العمة التي كانت سنداً لآبائهم، وبذلت كل طاقتها لرعايتهم في الصغر. كما يجهل الأبناء مواقف التآزر الإنساني في أوقات الأزمات والمآسي، حيث وقف رفاقٌ غرباء مع آبائهم مواقف نبيلة تفوق رابطة الدم؛ وهي مواقف صنعت تاريخ العائلة لكنها دُفنت مع صمت الآباء وجهل الأبناء. أو قصة ذلك الابن الذي سلك سلك الشرطة واغترب في أقصى الشرق، رغبةً في القرب من إخوةٍ له نشأ معهم في بيت واحد، وكان يناديهم بإخوتي. إنها ذاكرة كاملة بآلامها وأفراحها، تفنى حين لا تُنقل إلى الأبناء.
ويرتبط هذا الجهل بمخزون المواقف المشتركة ارتباطًا وثيقًا بالواقع الليبي الراهن؛ إذ يؤدي غياب نقل هذه الشبكة الإنسانية الحية إلى حرمان الأبناء من امتلاك ميزان قيمي مرجعي يحكم تواصلهم الاجتماعي، مما يسهل انجرافهم نحو التفكك والصدام، نتيجة فقدان البوصلة الأخلاقية والوجدانية التي صانت تماسك المجتمع لسنوات طويلة.
ويضعنا هذا التحلل الاجتماعي أمام سؤال مركزي حول تحديد المسؤولية: هل يتحمل الآباء تبعات هذا التجاهل في تزويد الأبناء بذاكرة اجتماعية تشكل ميزانًا لروابطهم وتفتح آفاق التواصل بين الجيلين؟ أم أن المسؤولية تقع على عاتق الأبناء الذين أحجموا عن السعي نحو استكشاف تلك الخبرات والتراكم المعرفي والحياتي؟
إن هذه الفجوة المعرفية العميقة تتجاوز حدودها الأسرية الضيقة لتشكل مفتاحًا أساسيًا في فهم جذور الأزمة الليبية الراهنة.
وتذهب هذه الفرضية إلى أن غياب الدور الأبوي التوجيهي، وضعف أدوات الضبط الأسري والنصح، قد ساهم بشكل مباشر في دفع الشباب نحو الانخراط في الجماعات المسلحة؛ حيث باتت هذه المجموعات تقدم عروضًا بديلة تُشبع تطلعاتهم باعتبارها مشروعًا اقتصاديًا مربحًا يوفر عائدًا ماليًا سريعًا، فضلاً عن منحه مظهر الوجاهة والنفوذ الاجتماعي. ومن ثمّ، فإن هذه الفجوات الجيلية لم تكن مجرد جفاء عاطفي عابر، بل كانت ثغرة اجتماعية حاسمة سهّلت استقطاب الشباب وتحويلهم إلى وقود للصراع المسلح.
يُفضي هذا التحليل بالضرورة إلى استنتاج حاسم، يتمثل في تآكل سلطة الضبط الاجتماعي التقليدي، وتلاشي أدوات الشرعية الأبوية أمام تمدد سلطة النفوذ والسلاح التي يحتكرها جيل الأبناء اليوم. وهنا تبرز المفارقة الكبرى والمسكوت عنها في الفضاء العام الليبي: الغياب التام والفعلي لسلطة الآباء على أبنائهم.
وتتجسد هذه الإشكالية في صورة الشجيرات الوليدة التي نبتت بجوار الشجرة الأم؛ فبدلاً من رعاية فروعها وتقويم أغصانها وجذوعها لتظل امتدادًا للأصل، نمت تلك الشجيرات بمعزل عنها لتشكل كيانات قائمة بذاتها، وانفصلت كليًّا لتصنع غابة من العزلة المعرفية والقيمية، مقطوعة الصلة بجذورها الأولى.
بناءً على ذلك، يتضح أن الأزمة الليبية الراهنة تعبّر في جوهرها عن مأزق أخلاقي وتواصلي حاد، ضرب شبكة العلاقات الحيوية داخل الأسرة الواحدة. وهو ما يستدعي بالضرورة تبني مشروع وطني حقيقيًّا للمصالحة الشاملة، يبدأ أولاً من ترميم البيت الداخلي عبر فتح قنوات الحوار المغلقة بين الآباء والأبناء.
وتتطلب هذه المقاربة العلاجية خطوات ومسارات عملية على أرض الواقع، تشمل: تضمين قيم التواصل والتكامل الأسري في المناهج التعليمية الحديثة، إلى جانب إطلاق وزارة الشباب لمشروع وطني موسع يستهدف إعادة بناء العلاقات الجيلية وتجسير الفجوات المعرفية بينهما، بما يخدم رؤية استراتيجية موحدة لبناء الدولة وتحقيق السلم الاجتماعي المستدام.



##حسين_مرجين (هاشتاغ)       Hussein_Salem__Mrgin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عقلية الكدوة: نمط حياة وصنع قيم التضامن والضبط الاجتماعي في ...
- البحث الاجتماعي: من سوسيولوجيا الغوص في الميدان إلى وجبات ال ...
- نحو سوسيولوجيا تطبيقية: مرحلة هندسة الأدلة في علم اجتماع الأ ...
- نحن بحاجة إلى معايير ومؤشرات الصمود للمؤسسات التعليمية الليب ...
- معايير ومؤشرات الصمود لضمان جودة التعليم في بيئات النزاع الع ...
- تشريح سوسيولوجي لظاهرة أمراء الحرب وخصخصة الدولة في ليبيا
- كيف نرى الجودة وضمانها في التعليم بليبيا ؟ أطر الحوكمة ورهان ...
- الانقلاب على حتحات على ما فات: هندسة الذاكرة الليبية سيكولوج ...
- تأصيل التفاهة وتأميم الذاكرة: قراءة في المتخيل القبلي والسيا ...
- قراءة تقييمية لواقع جودة التعليم العالي وضمانها في المنطقة ا ...
- علم الاجتماع في ليبيا تفكيك إرت الكوابح ورهانات المشروع السو ...
- علم الاجتماع في ليبيا: من ذاكرة شرنقة السلطة إلى حصار الرقاب ...
- رؤية تفاعلية لإعادة هيكلة أنظمة الجودة وضمانها في التعليم بل ...
- السيولة الهيكلية في الإدارة الليبية: أداة لتفتيت الذاكرة الم ...
- ذاكرة الآباء الواقعية: كيف تبني عثرات الماضي مناعة الأبناء؟
- أزمة التعليم في ليبيا: إنتاج المشكلات بدل الحلول
- سيادة التعليم في ليبيا بين مطرقة الانقسام وسندان المنظمات ال ...
- 9 يوليو 1996 في ليبيا: الذاكرة الجريحة التي ما تزال تنزف صمت ...
- كيف يُدار التعليم العالي في ليبيا ؟
- سوسيولوجيا الذاكرة الجريحة في ليبيا من التفكيك إلى آليات الت ...


المزيد.....




- الانتخابات ولم الشمل الفلسطيني.. ماذا دار في لقاء رئيس المخا ...
- -البديل من أجل ألمانيا- يعتزم سحب البلاد من منطقة اليورو وات ...
- رقائق حيوية متوهجة تكشف أمراض القلب من خلال الآثار الجزيئية ...
- بريطانية ترتدي زيّاً تنكريّاً مختلفاً يومياً على مدار عام، ف ...
- أكسيوس: اجتماع بين وزير خارجية سوريا ورئيس الموساد لخفض التص ...
- مصر تنفي طرد مواطنيها من الإمارات وتؤكد: التأشيرات تصدر بشكل ...
- عند صخرة كيركغارد... نستعيد كامل شياع
- البحر المتوسط يبتلع 11 مهاجرا تونسيا.. حلم أوروبا ينتهي بمأس ...
- عندما تهتز الأرض وترتج ـ قوة الزلزال وحدها لا تحدد حجم الكار ...
- زيلينسكي ينفي أي دور لأوكرانيا في تفجير خطي أنابيب -السيل ال ...


المزيد.....

- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - تآكل الضبط الاجتماعي في ليبيا: نحو استراتيجية وطنية لترميم الفجوة الجيلية