أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - ديناميكيات القوة وسيولة التحالفات في المشهد الليبي بعد عام 2011















المزيد.....

ديناميكيات القوة وسيولة التحالفات في المشهد الليبي بعد عام 2011


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 8832 - 2026 / 9 / 18 - 15:39
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


إن التساؤل حول ماهية الطرف المتحكم في البوصلة السياسية والاجتماعية في ليبيا، وما إذا كان الفاعل المحلي قد استعاد قدرته على توجيه السيادة وصناعة القرار، يستوجب تفكيكًا بنيويًا عميقًا للبيئة الداخلية والمجال السوسيولوجي الليبي. بالاعتماد على منهجية المسح الجيولوجي السوسيولوجي الذي يسبر أغوار البنية التحتية للمجتمع، يتضح أن خارطة الفاعلين في المشهد الليبي تتسم بالتفكك والتعددية؛ لا سيما في المنطقة الغربية، على النقيض من المنطقة الشرقية (وبعض أجزاء الجنوب) التي تخضع لمركزية عسكرية يمثلها القوات المسلحة بقيادة خليفة حفتر كفاعل مهيمن.
وفي المقابل، تشهد المنطقة الغربية ديناميكية مغايرة تتعدد فيها الفواعل المسلحة والمحلية ذات الثقل السوسيو-سياسي. وتبرز مدن مثل مصراتة، الزنتان، والزاوية كقوى مناطقية وقبلية تصدرت المشهد منذ تحولات عام 2011، حيث تشكل هذه الحواضن الجغرافية مراكز ثقل عسكري واقتصادي واجتماعي مؤثر. وضمن هذا السياق الفصائلي داخل العاصمة طرابلس، تبرز قوة الردع المتمركزة في منطقة (سوق الجمعة)، والتي تستمد استمراريتها ونفوذها من تداخل معقد بين الشرعية المؤسساتية والحاضنة الاجتماعية والمناطقية لقياداتها. كما تتقاسم المشهد الأمني والسياسي قوى محليّة أخرى داخل العاصمة ومحيطها، مثل فرسان جنزور، والمجموعات المسلحة في تاجوراء، والتشكيلات ذات البُعد القبلي والمناطقي في ورشفانة، فضلًا عن فصائل أخرى متباينة التأثير. وتتحرك في العاصمة أيضًا قوى عسكرية متحالفة تنحدر من مصراتة والزنتان، تؤدي دور الكابح الأمني والسياسي (صمام أمان) لحماية السلطة التنفيذية وضمان استمرار الهياكل الحكومية القائمة من الانهيار.
كما تؤكد المؤشرات السوسيولوجية والسياسية في المشهد الليبي أن أيًا من الفاعلين المحليين لا يمتلك بمفرده فائض القوة اللازم لفرض الهيمنة المطلقة واحتكار سلطة القرار؛ مما يخلق حالة من توازن الردع المتبادل والاستعصاء السياسي. وتتجسد هذه الديناميكية في طبيعة التحالفات الأمنية والسياسية التي تتسم بالسيولة وعدم الاستقرار، حيث تخضع صياغتها وفكّها لبرجماتية المصالح الآنية والمكتسبات النفعية، مما يجعل حليف اليوم عدوًا محتملًا للغد.
هذا التبدّل المستمر في خارطة التحالفات يبقي على فتيل النزاعات قابلًا للاشتعال، ويغذي الصراعات بنمطيها؛ الخفي القائم على التنافس البارد والمناورة، والمعلن الذي يترجم إلى مواجهات مسلحة مباشرة عند تضارب المصالح الحيوية. إن هذا الواقع السوسيو- أمني يرسّخ نمط الصراع الصِفري ، شبيهٌ بآلية الإقصاء التنافسي، حيث تسعى بعض القوى جاهدةً لتحييد خصومها أو تقويض فاعليتهم، في محاولة مستمرة لإعادة تشكيل المشهد لصالح فاعل مهيمن واحد، وهو ما يفسر استدامة الأزمة واستعصاء الحلول الهيكلية الشاملة.
كذلك يؤدي عجز القوة البنيوي لدى الفواعل المحلية في ليبيا إلى ارتهانها المتزايد بالدعم الخارجي كآلية تعويضية لسد الفجوة الأمنية والعسكرية، مما أسهم في تدويل النزاع وتحويل البيئة المحلية إلى ساحة تفاعل واستقطاب بالوكالة تتصادم فيها استراتيجيات قوى إقليمية ودولية متباينة المصالح. وضمن خارطة هذا التدخل، يمكن تصنيف الفاعلين الدوليين بناءً على طبيعة أدوات النفوذ ومستوى الاستثمار العسكري المباشر؛ حيث تمكنت قوى مثل تركيا وروسيا، إلى جانب الإمارات ومصر، من إعادة صياغة موازين القوى الميدانية عبر تقديم الدعم التسليحي واللوجيستي المباشر، مما جعل كلاً منها متغيراً حاسماً في معادلات التسوية السياسية.
وفي المقابل، تظهر محدودية تأثير المقاربات الإقليمية التقليدية، كالمقاربة الجزائرية، التي واجهت تحديات في فرض ثقلها الميداني نظراً لاعتمادها الحصري على الأدوات الدبلوماسية وتحفظها العقائدي عن التدخل العسكري المباشر؛ في وقتٍ باتت فيه الفواعل المحلية الليبية تتجه براجماتياً نحو الأطراف القادرة على إحداث فارق استراتيجي في معادلة القوة على الأرض. ويتزامن هذا مع أدوار مغايرة لقوى غربية (كالولايات المتحدة، إيطاليا، فرنسا، وبريطانيا) تتحرك وفق حسابات جيوسياسية واقتصادية مرتبطة بأمن الطاقة ومكافحة الإرهاب وإدارة الهجرة، مما يرسخ حالة الاستعصاء السياسي المستدام نتيجة غياب حد أدنى من التوافق الدولي حول هندسة الاستقرار.
تأسيسيًا على ما تقدّم، يتبين أن رهن الفواعل المحلية الليبية فائض قوتها للعامل الخارجي بغية الاستقواء وتحقيق مكاسب سلطوية بينية، قد أدخل السياق السوسيوسياسي في حلقة مفرغة من الاستعصاء المستدام. وإن استقراء التاريخ الاجتماعي والسياسي لليبيا يطرح استرجاعًا تحذيريًا لسيناريوهات التشرذم؛ وتحديدًا حالة التشظي الفصائلي والقيادي التي تلت الانتصار التاريخي في معركة القرضابية (1915)، حين انكفأت الزعامات المحلية نحو صراعات بينية محتدمة حول أحقية السلطة والنفوذ، وهو استنزاف بنيوي لم يتوقف تاريخيًا إلا بفرض تدخل عسكري استعماري قسري أطاح بالجميع.
إن استحضار هذا النموذج التاريخي في المتن السوسيولوجي المعاصر لا يمثل، بأي حال من الأحوال، دعوةً لإعادة إنتاج الوصاية الخارجية؛ بل هو تفكيك سوسيوتاريخي بنياوي موجه لتحليل سلوك النخب الحالية. ويُظهر هذا التحليل أن الأطر المؤسسية المستوردة تفتقر إلى القدرة على تحقيق استقرار هيكلي، بل قد تؤدي إلى تعميق مظاهر التسييل والتشظي في النسيج الاجتماعي الوطني.
وبناءً على ذلك، فإن تجاوز هذا المأزق الجيوسياسي يرتبط طرديًا ببروز وعي جمعي يتجاوز عقلانية المكاسب الآنية المباشرة نحو صياغة عقد اجتماعي جديد، يرتكز على مبدأ التنازلات المتبادلة كشرط لإعادة بناء البنية الكلية للدولة. وتجد هذه المقاربة جذرها السوسيوتاريخي في الإرث السياسي للمناضل بشير السعداوي، الذي أسس لنموذجٍ من التضحية برأس المال السياسي (السلطة) في سبيل الحفاظ على التكامل البنيوي للمجتمع، والمتضمن في مقولته المرجعية: خسرنا السلطة وكسبنا وطنًا .
وتأسيسًا على ما سبق، يظل الانتقال السوسيوسياسي من الحالة الهجينة إلى الدولة المستقرة رهينًا بقدرة الفواعل المحلية على فك الارتباط البنيوي بالخارج، وتحييد المصالح الضيقة لإعادة توجيه عملية صنع القرار وفقاً لمتطلبات السلم الاجتماعي والأمني الداخلي.



##حسين_مرجين (هاشتاغ)       Hussein_Salem__Mrgin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سوسيولوجيا الحقل المعرفي في بيئات الهشاشة: صراع الحوكمة والم ...
- إعادة هندسة علم الاجتماع في الجامعات الليبية: المسارات الوظي ...
- قراءة نقديّة في حوكمة المناهج التعليمية الليبية
- من شرنقة المعرفة المريحة إلى سوسيولوجيا الاشتباك: بيان لتثوي ...
- الجودة والاعتماد في المؤسسات التعليمية الليبية : الإشكاليات، ...
- قراءة تفكيكية في الاستراتيجية الوطنية الليبية للشباب (2026-2 ...
- علم الاجتماع في الجامعات الليبية: من شرنقة التدجين المنهجي إ ...
- مؤتمر الخبراء الليبيين: تشتت البوصلة بين خطاب الطموح وواقع ا ...
- سوسيولوجيا الحياة اليومية في ظل الأزمات المستدامة: تشريح لآل ...
- تآكل الضبط الاجتماعي في ليبيا: نحو استراتيجية وطنية لترميم ا ...
- عقلية الكدوة: نمط حياة وصنع قيم التضامن والضبط الاجتماعي في ...
- البحث الاجتماعي: من سوسيولوجيا الغوص في الميدان إلى وجبات ال ...
- نحو سوسيولوجيا تطبيقية: مرحلة هندسة الأدلة في علم اجتماع الأ ...
- نحن بحاجة إلى معايير ومؤشرات الصمود للمؤسسات التعليمية الليب ...
- معايير ومؤشرات الصمود لضمان جودة التعليم في بيئات النزاع الع ...
- تشريح سوسيولوجي لظاهرة أمراء الحرب وخصخصة الدولة في ليبيا
- كيف نرى الجودة وضمانها في التعليم بليبيا ؟ أطر الحوكمة ورهان ...
- الانقلاب على حتحات على ما فات: هندسة الذاكرة الليبية سيكولوج ...
- تأصيل التفاهة وتأميم الذاكرة: قراءة في المتخيل القبلي والسيا ...
- قراءة تقييمية لواقع جودة التعليم العالي وضمانها في المنطقة ا ...


المزيد.....




- -أنثروبيك- تكشف: Claude -يزداد قوة- ويشارك في تطوير نسخة منه ...
- عاجل: مقتل 16 شخصاً في هجوم استهدف مسجداً شمال غربي باكستان ...
- المادة الخامسة للناتو: قصة -الزر- الذي لم يُضغط إلا مرة واح ...
- نحو 7.5 ألف إصابة بحمى إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية ...
- مسبار شمسي أمريكي يقترب من الشمس إلى مسافة قياسية
- هل تجسست على أهداف إسرائيلية؟.. تقرير عبري يلاحق رحلة طائرة ...
- من يؤيد الإسرائيليون؟ السعودية أم الحوثيين؟
- روما: طائرة مقاتلة إيطالية تصاب بأضرار في هجوم على قاعدة الط ...
- الصين تتهم اليابان بتشويه الحقائق التاريخية باستخدام الذكاء ...
- روسيا تؤكد استمرار اتصالاتها مع تركيا والأطراف المعنية لتأمي ...


المزيد.....

- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - ديناميكيات القوة وسيولة التحالفات في المشهد الليبي بعد عام 2011