حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)
الحوار المتمدن-العدد: 8814 - 2026 / 8 / 31 - 09:37
المحور:
التربية والتعليم والبحث العلمي
إن الحديث عن ملف جودة التعليم وضمانها في السياق الليبي الراهن يستحضر شجونًا عميقة، مرجعها الأساسي هو العقلية السائدة والمنهجية السطحية التي يُدار بها هذا الملف المصيري. وتتجلى أولى مظاهر هذه الأزمة في الانقسام المؤسسي والتشظي الهيكلي؛ إذ لا تزال إدارة الجودة والاعتماد في ليبيا منقسمة بين المركز الوطني لضمان جودة واعتماد المؤسسات التعليمية والتدريبية في طرابلس، وبين الهيئة الليبية لضمان الجودة واعتماد المُؤسسات التعليمية والتدريبية في أجدابيا. وفي حين تدعي كل جهة امتلاكها الشرعية والأهلية الكاملة، فإن واقع الحال والممارسات الميدانية يؤكدان أن مركز طرابلس لا يزال هو الأكثر تأثيرًا، والأوسع قبولًا واعترافًا على المستويين المحلي والدولي. وهي أزمة هيكلية لا تقف أضرارها عند أسوار التعليم الجامعي فحسب، بل تمتد لتلقي بظلالها القاتمة على قطاعي التعليم العام والتقني والفني، مهددةً المخرجات التعليمية والسلم المعرفي للبلاد برمتها.
ومع ذلك، تبرز فجوة فكرية وتنفيذية أعمق؛ فرغم مطالباتنا المستمرة بضرورة مراجعة معايير الجودة والاعتماد لتتوائم مع خصوصية وطبيعة الحالة الليبية كدولة في مرحلة ما بعد النزاعات والتي تفرض إلزاميًا تبني معايير الصمود والاستجابة للأزمات إلا أن المقاييس الذهنية السائدة لدى صناع القرار والقائمين على الملف لا تزال عاجزة عن استيعاب استحقاقات هذه المرحلة الحرجة. إن معايير الصمود التي نكافح لأجل مأسستها تعني ببساطة قياس قدرة المؤسسة التعليمية على استدامة عملياتها في أوقات الأزمات، وحماية الأمن النفسي والجسدي للمتعلمين، وتقديم تعليم مرن وعادل عبر البدائل التقنية المتاحة، وهي مؤشرات استراتيجية تفوق في أهميتها الحيوية مجرد إحصاء القاعات واستيفاء النماذج الورقية النمطية غير الواضحة وغير القابلة للتدويل أو التطبيق الفعال.
أما على الصعيد الإجرائي والميداني، فإن الفجوة تتسع لتكشف عن غياب الفلسفة الحقيقية للتدقيق. وقبل أيام، طرح أحد الأساتذة سؤالًا جوهريًا يتردد صداه في كواليس كل زيارة تدقيق : أين تذهب المجلدات والوثائق الضخمة التي تحيلها المؤسسات إلى المركز الوطني لضمان الجودة؟ وهل تطلع فرق التدقيق عليها فعليًا قبل النزول الميداني؟ . إن الإجابة الواقعية والصادمة تبين أن جل هذه الفرق لا تبذل جهدًا في القراءة الاستباقية؛ ويظهر ذلك جليًا أثناء الزيارات، حيث تطرح الفرق أسئلة وتطلب وثائق ومستندات قد أُحيلت بالفعل إلى المركز مسبقًا. هذا السلوك الإجرائي يثبت غياب القراءات المعمقة والتحضير المهني المفترض، ويوضح أن التدقيق تحول في كثير من الأحيان من أداة رصد وبناء ونقد علمي قائم على الشواهد، إلى مجرد آلية بيروقراطية شكلية تفتقر للعمق والفاعلية.
وثمة مسألة جوهرية أخرى غالبًا ما يُسدل عليها ستار الصمت، رغم خطورتها البالغة على نزاهة المنظومة التعليمية، وتتمثل في تضارب المصالح؛ إذ يُلاحظ في المشهد الراهن جمع بعض مسؤولي أو موظفي الجودة والاعتماد بين مهامهم الرقابية السيادية، وبين ملكيتهم أو إدارتهم لمؤسسات تعليمية خاصة. هذا الوضع الشاذ يتطلب وقفة جادة وحازمة من أعلى سلطة مسؤولة في الدولة، لإقرار تشريعات صارمة تمنع هذا الازدواج. وإننا اليوم بحاجة ماسة لفرض إقرار ذمة مهنية يُلزم كافة العاملين في الجودة بعدم فتح مؤسسات تعليمية خاصة أو المشاركة فيها، مع تطبيق آلية فترة الحظر الزمنية التي تحظر عليهم الاستثمار في هذا القطاع إلا بعد مرور فترة محددة من تاريخ انتهاء علاقتهم الوظيفية بالمركز، وذلك لضمان النزاهة وحيادية القرارات.
وفي السياق ذاته، وخلال لقاء تحاوري أُثيرت فيه إشكاليات قطاع التعليم العالي الخاص، طُرحت ركيزة لا تقل أهمية عن النزاهة، وهي علانية ونشر تقارير الاعتماد . إن نشر التقارير النهائية لفرق التدقيق والاعتماد للمؤسسات والبرامج التعليمية ليس ترفًا أو خيارًا خاضعًا للرغبات الشخصية، بل هو مرحلة معيارية إلزامية في فلسفة ضمان الجودة الدولية، وواجب قانوني يقع على عاتق المركز لتعزيز الشفافية ومبدأ المساءلة والمحاسبية المجتمعية. ورغم أن اللوائح المعتمدة تُلزم المركز بنشر هذه التقارير ليطلع عليها المجتمع والطلبة وأولياء الأمور، إلا أن هذه الخطوة الإجرائية والتنويرية لا تزال معطلة حتى هذه الساعة لأسباب غير مبررة، مما يُفقد عملية الاعتماد جزءًا كبيرًا من قيمتها وجدواها الإستراتيجية.
إن من أهم المؤشرات الدالة على فاعلية ومصداقية أنظمة الاعتماد دوليًا هو التباين المنطقي في قرارات منح الاعتماد، والتي تتراوح طبيعيًا بين: المنح الكامل، أو المنح المشروط، أو الرفض القاطع. إلا أن رصد ومتابعة واقع الاعتماد في البيئة التعليمية الليبية يكشف عن مفارقة صارخة؛ إذ غابت أحكام الرفض تمامًا عن المشهد، مما يوحي ظاهريًا ببلوغ الكمال المؤسسي، في حين أن واقع الحال يؤكد وجود تفاوت وفجوات عميقة بين المؤسسات التعليمية على كافة المستويات التشغيلية والأكاديمية، وهو تفاوت كان يجب أن تظهره وتفرزه قرارات لجان الاعتماد بكل حزم ونزاهة.
ويقودنا هذا الخلل إلى رصد ظاهرة بالغة الخطورة، تمثلت في تسليع الجودة وتحويلها إلى مجرد وثائق نمطية معلبة. لقد تحولت معايير ومؤشرات الجودة في نظر بعض المؤسسات من ثقافة ممارسة يومية إلى مجرد مستندات ورقية يُقاس تحققها بالكم لا بالكيف. وبرزت في الآونة الأخيرة فئة من الأشخاص الذين يتنقلون بين الجامعات لتقديم وصفات ورقية جاهزة وحقائب مستندات مصممة مسبقًا، لإيهام فرق التدقيق بأن المؤشرات والممارسات التعليمية قائمة ومفعلة على أرض الواقع، بينما هي في الحقيقة ممارسات صورية لا رصيد لها في البيئة التعليمية الفعلية.
وفي هذا السياق، تستحضرني واقعة حقيقية تعكس أزمة ضبابية المعايير والارتجال في التفسير؛ حيث طلبت إحدى الجامعات الخاصة استشارتي لتفسير خطاب غامض ومبهم وارد إليها من المركز الوطني لضمان الجودة يفيد بأن ملفها ناقص ويحتاج لمزيد من التدقيق دون تحديد مكامن النقص. وبناءً على الأصول المهنية، أعددت خطابًا رسميًا موجهًا للمركز، لم نطلب فيه حلولًا استشارية بل طالبنا بحق المؤسسة القانوني في الحصول على تقرير تدقيق فني مفصل ومكتوب يحدد بدقة نقاط عدم المطابقة والمؤشرات التي لم يتم تحقيقها. وجاءت الاستجابة صادمة؛ إذ أحجم المركز عن الرد كتابيًا، واكتفى برد شفوي مرتجل. هذا السلوك يبرز ضرورة التخلي التام عن التفسيرات الشخصية والتقييمات القائمة على الأهواء والخواطر، والتي تختلف من مؤسسة إلى أخرى تبعًا للعلاقات والمحسوبية.
وتأسيسًا على ما تقدم، تبرز الأهمية القصوى للفصل البنيوي والحوكمي الصارم بين قرار فريق التدقيق العلمي والمهني، وبين الإدارة التنفيذية لمركز ضمان الجودة. إن استقلالية قرار رئيس وأعضاء فريق التدقيق خط أحمر لا يجوز تجاوزه؛ حيث يُحظر تمامًا على الإدارة المختصة أو القيادات التنفيذية في المركز التدخل في صياغة القرار، أو تعديل نتائج التقييم، أو ممارسة ضغوط لتمرير اعتماد مؤسسة ما لمجرد أن مسؤولًا تربطه بها علاقة مصلحة أو خلفية وظيفية سابقة، فحياد القرار هو الحصن الأخير لمصداقية التعليم.
إن هذه البيئة الإجرائية تضعنا مباشرة أمام تساؤل حاكم حول آلية تشكيل فرق التدقيق الميداني، وتحديد مسؤولياتها، وضبط حوكمتها؛ فهي الركائز التي تضمن نزاهة ومصداقية قطاع ضمان الجودة والاعتماد. إلا أن المشهد الحالي يشوبه غموض ملموس في معايير اختيار هذه الفرق وتدريبها، مما يفرز إشكاليات وتجاوزات هيكلية وأخلاقية بالغة الأثر. وتبرز أولى هذه الإشكاليات في غياب الملاءمة المهنية والتخصصية؛ إذ يُلاحظ أحيانًا إسناد مهمة التدقيق على برامج أكاديمية تخصصية دقيقة إلى أعضاء يحملون مؤهلات في حقول معرفية مغايرة تمامًا، مما يجرّد عملية التقييم من عمقها الفني وجدواها العلمية، ناهيك عن افتقار بعض الأعضاء إلى الحد الأدنى من الخبرة الميدانية والدراية المنهجية بآليات التدقيق والتقييم المؤسسي والبرامجي.
وعلاوة على الضعف الفني، تطفو على السطح قضايا وتجاوزات أخلاقية وسلوكية بالغة الحساسية، تتعلق بالاتصال المباشر وغير المنضبط؛ حيث يُرصد في كواليس بعض الزيارات وجود تواصل شخصي مباشر خارج القنوات الرسمية المعيارية بين أعضاء من فريق التدقيق وإدارات المؤسسات التعليمية قبل الزيارة، أو أثناءها، أو بعدها. وإن استقراء آراء وتجارب مؤسسات التعليم في القطاعين العام والخاص يكشف عن حجم هذه السلبيات والتجاوزات الميدانية التي قد تضع مركز ضمان الجودة في مواقف حرجة تمس سمعته وحياده في حال كشف تفاصيلها. وتلافيًا لهذه الثغرات والعيوب الإجرائية، بات من الضروري والملحّ الانتقال بالعمل الرقابي من الارتجال إلى المأسسة الفعالة عبر صياغة وإقرار دليل المدققين المعتمدين، وإلزام كافة المدققين بالتوقيع على مدونة سلوك ووثيقة التزام أخلاقي وقانوني.
وتظل قضية الاستقلالية الهيكلية والتنظيمية للمركز الوطني لضمان الجودة عن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ركيزة أساسية ما فتئت الجمعية الليبية للجودة والتميز في التعليم تنادي بها وتؤكد عليها في مختلف المحافل؛ وذلك نظرًا لخطورة معضلة تضارب المصالح المترتبة على الوضع الحالي. فمن الناحية الحوكمية، لا يستقيم منطقيًا ولا إجرائيًا أن تخضع الجهة الرقابية المناط بها تقييم واعتماد المؤسسات التعليمية لذات السلطة التنفيذية والوزارية التي تتبعها تلك المؤسسات وتديرها. وتستحضرني هنا واقعة بالغة الدلالة؛ حين طرحتُ مسألة استقلالية المركز على أحد الوزراء، فجاء رده صريحًا ومثيرًا للتأمل بأن هذا الإجراء سيخلق له أزمة، كون عملية التقييم والاعتماد ستصبح آنذاك خارج نطاق سيطرته الإدارية والسياسية. إن هذه الواقعة تدعو القارئ للتمعن عميقًا في أبعادها، وتكشف كيف تُختزل الجودة من أداة وطنية للتطوير إلى وسيلة للسيطرة واحتواء قرارات التقييم.
وفي سياق متصل، يتجاوز الفكر العالمي المعاصر اليوم ثقافة الإغراق في التقييم الكمي القائم على رصد الأعداد الهائلة من المعايير والمؤشرات النمطية والجامدة، لينتقل إلى فضاء أرحب يركز على فلسفة الأثر العائد من التعليم. إن الغاية الأسمى للاعتماد وضمان الجودة ليست مجرد حيازة شهادات ورقية أو استيفاء مؤشرات شكلية كما يتوهم البعض؛ ورغم أن مفهوم التركيز على الأثر بات يُتداول مؤخرًا في المشهد الليبي بعد أن طرحته الجمعية بقوة عبر ورش عملها وسنوات من النقاش، إلا أن خطورة الأمر تكمن في لجوء البعض للاقتباس السطحي غير الواعي لبوصلة هذا المفهوم واتجاهاته. إن القراءة المتعمقة وما بين السطور في أدبيات الجمعية وورشها تبين أن بوصلة الأثر لا تقف عند حدود البيئة الأكاديمية الضيقة، بل تتجه نحو غاية أسمى وهي جودة الحياة برمتها؛ فالتعليم المتميز جودةً وضمانًا هو الذي ينعكس أثره مباشرة على التنمية المستدامة، والرفاه المجتمعي، وبناء الإنسان كقيمة مضافة في الدولة، وهذا هو المستهدف الإستراتيجي الحقيقي الذي يجب أن تُوجَّه إليه كافة مؤشرات الجودة ومساراتها.
خلاصة القول، إن ملف الجودة وضمانها في ليبيا لم يكن يومًا مجرد إجراءات تنظيمية عابرة، بل كان في جوهره ومنطلقاته الإستراتيجية مشروعًا وطنيًا متكاملًا لإصلاح وبناء المنظومة التعليمية برمتها. ولكن، ومما يبعث على الأسف الشديد، أن هذا المشروع الواعد قد تعرض لهزات عنيفة وارتدادات حادة أدت إلى تشظٍ وتفكك هيكلي ومؤسسي، لعل من أبرز مسبباته الانقسامات السياسية التي ألقت بظلالها القاتمة على قطاع التعليم. يضاف إلى ذلك غياب الرؤية الواضحة والإدراك المعرفي لدى عدد ممن تعاقبوا على قيادة هذا القطاع؛ إذ عجزوا عن استيعاب الدور المحوري لمركز ضمان الجودة في قيادة التغيير، فكانت النتيجة كبح جماح المركز، وتقويض برامجه، وتعطيل مساراته الإستراتيجية تبعًا لتلك التجاوزات والظواهر الإدارية المشوهة.
وتأسيسًا على كل ما تقدم، فإننا نتوجه اليوم بدعوة وطنية ملحة، ووقفة مكاشفة جادة، إلى كافة المسؤولين وصناع القرار في الدولة الليبية؛ لإنقاذ هذا الملف عبر مسارين متلازمين لا يقبلان التأجيل: الأول، المراجعة الشاملة والجذرية لدور ورسالة المركز الوطني لضمان الجودة، وفرض استقلاليته البنيوية والسيادية الكاملة عن سلطة وزارة التعليم العالي التنفيذية عبر نقل تبعيته القانونية ليصبح هيئة سيادية تتبع مباشرة أعلى سلطة تشريعية أو رئاسية في الدولة. والثاني، الإنهاء الفوري والكامل لكافة حالات الانقسام والتفكك المؤسسي، ودمج الهياكل المتشظية في مؤسسة وطنية موحدة وقوية؛ فالتعليم هو الحصن الأخير للدولة، وحياد جودته واستقلاليتها هما بوابتنا الوحيدة نحو المستقبل.
##حسين_مرجين (هاشتاغ)
Hussein_Salem__Mrgin#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟