أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - سوسيولوجيا الحقل المعرفي في بيئات الهشاشة: صراع الحوكمة والمعيارية ضد الغنائمية والزبائنية في السياق الليبي















المزيد.....

سوسيولوجيا الحقل المعرفي في بيئات الهشاشة: صراع الحوكمة والمعيارية ضد الغنائمية والزبائنية في السياق الليبي


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 8828 - 2026 / 9 / 14 - 14:06
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


واجهت لجنة اعتماد وضمان جودة المجلات العلمية في السياق الليبي خلال الفترة 2020- 2025 معضلة بنيوية متمثلة في الشح القسري وغياب الدعم المالي المباشر. إن مطالبة المؤسسات السيادية المعنية بالجودة بالعمل في بيئة منعدمة الموارد يُسهم سوسيولوجيًا في إضعاف استقلاليتها الهيكلية. ففي ظل غياب الميزانيات المستقلة، تُصبح المؤسسة الأكاديمية عرضة للتبعية اللوجستية لقطاعات الدولة الأخرى، مما يُعزز حالة الارتهان المؤسسي ويجعل من تطبيق معايير الجودة عبئًا نضالياً يقوم على الجهود الفردية بدلًا من أن يكون عملًا مؤسسيًا مستدامًا.
تتبدى تجليات صراع القوة داخل الحقل الأكاديمي الليبي من خلال التداخل السافر بين السلطة التنفيذية (وزارة التعليم العالي والبحث العلمي) واللجان الفنية المستقلة. يُشير النمط السلوكي المتمثل في الاتصالات المباشرة من قِبل الوزير أو الدواوين المحيطة به لتمرير مجلات محددة، إلى هيمنة العلاقات الزبائنية الراعوية على حساب عقلانية القانون.
إن هذا النمط يُعبر عن محاولة السلطة السياسية تحويل النفوذ البيروقراطي إلى رأس مال رمزي أكاديمي عبر القفز فوق التشريعات المنظمة، وتحديدًا اللائحة رقم (264) لسنة 2020. في هذا السياق، لا تُعامل معايير الجودة كأدوات علمية للمفاضلة والارتقاء المعرفي، بل كعقبات إدارية يتم السعي لتجاوزها عبر الوساطة والترضيات السياسية، مما يؤدي إلى إعادة إنتاج النفوذ الاجتماعي والقبلي داخل الحقل العلمي.
لا تقتصر التحديات على الضغوط الخارجية الفوقية، بل تمتد أفقيًا لتشمل العقلية السائدة لدى شريحة من أعضاء هيئة التدريس والباحثين. إن افتقار بعض الأكاديميين للبوصلة المعيارية وتقديمهم لطروحات وآليات شخصية تتصادم مع اللوائح الدولية والمحلية، يُمثّل حالة من السيولة المعيارية التي يعيشها المجتمع الأكاديمي الليبي في مرحلته الانتقالية.
يُظهر هذا السلوك فجوة معرفية عميقة بين ثقافة الارتقاء الأكاديمي التقليدي القائم على تجميع النقاط، وثقافة الحوكمة والجودة العالمية. وتحت وطأة هذه الفجوة، يرى بعض الفاعلين الأكاديميين في معايير اللائحة (264) لسنة 2020م نموذجًا تعسفيًا مغتربًا عن واقعهم، فيحاولون فرض آليات بديلة تفتقر إلى الصرامة المنهجية، مما يحول الحقل الأكاديمي إلى ساحة صراع بين التحديث المعياري والمقاومة التقليدية.
تتخذ المقاومة داخل الحقل الأكاديمي أشكالًا متعددة لمواجهة محاولات الإنهاك الاستفزازي والضغوط التنفيذية. وقد عمدت لجنة اعتماد المجلات إلى مواجهة هذه الضغوط عبر استراتيجية التحصين القانوني والمعياري، متمسكةً باللائحة المنظمة ومراعيةً الخصوصية السياقية للدولة الليبية دون الانغلاق عن المؤشرات والمعايير الدولية. ولمواجهة محاولات الاحتواء الداخلي، نجحت اللجنة في بناء رأسمال رمزي وشبكي عابر للحدود عبر انضمام عدد من أعضائها للجنة العلمية لمعامل التأثير العربي وتوطيد علاقات إقليمية ودولية، مما منح اللجنة حصانة علمية مستقلة جعلت من الصعب على الفاعل السياسي تجاوزها بقرارات إدارية فوقية.
وتجلت أبعاد هذا الصراع الرمزي في جيوسياسية المكان؛ حيث شكل رفض اللجنة الانصياع لعقد الاجتماع المشترك في مقر وزارة التعليم العالي، وفرضها للجامعة المفتوحة كفضاء بديل، إصرارًا بنيويًا على إبراز استقلالية اللجنة ونزع الصبغة التراتبية الإدارية التي تفرضها الوزارة في فضاءاتها الخاصة.
وفي تلك المواجهة المباشرة، وفي ظل محاولة السلطة السياسية ممارسة تأطير استعلائي عبر إبداء عدم الرضا وتجاوز المقدمات، فرضت اللجنة سوسيولوجيا المكاشفة بالأزمة البنيوية. ومن خلال توظيف الاستعارة البصرية (الطريق الوعرة والمليئة بالحفر)، تم نقل الفاعل السياسي من عقلية المطالبة بالنتائج السريعة للترضيات إلى مواجهة الواقع المعرفي الهش المتمثل في غياب البيانات الإحصائية التاريخية حول المجلات، وعدم التزامها بقانون المطبوعات، والارتهان لدول الجوار للحصول على الترقيم الدولي (ISSN) إن عرض منصة المجلات الليبية كأداة فنية لتمهيد هذا الطريق، غيّر من ديناميكية القوة، فتحول خطاب الوزير من التوجيه والضغط الفوقي إلى الاعتراف والقبول بالاستقلالية عبر عبارته: الآن فهمت... نحن سنقدم لكم المقترحات والأمر متروك لكم للموافقة أو الرفض.
كما شهدت نهاية عام 2024 تحولًا جذريًا في استراتيجية السلطة التنفيذية تجاه لجنة الجودة؛ إذ انتقلت من مرحلة الضغط المباشر والاحتواء إلى مرحلة الهندسة البيروقراطية الموازية.
وتجلت هذه الاستراتيجية في محاولة خلق فواعل جدد عبر تشكيل لجنة مناظرة وموازية تعمل في الخفاء على تعديل الأطر التشريعية دون علم أو إشراك اللجنة الشرعية المكلفة.
ومع اصطدام هذه المحاولات برفض اللجنة الانصياع للخرق القانوني، وتفضيل رئيسها خيار الاستقالة المسببة كأداة للمقاومة الرمزية، اعتقد الفاعل السياسي البيروقراطي أنه أزاح العقبة الأخيرة أمام الهيمنة على الحقل المعرفي. بيد أن الصراع انتقل إلى مستوى أعمق يخص تراتبية الشرعيات وتنازع الصلاحيات السيادية داخل الدولة الانتقالية. فقد أقدمت الوزارة على الالتفاف التشريعي عبر استبدال اللائحة الصادرة عن سلطة سيادية عليا (المجلس الرئاسي) بلائحة أخرى صادرة عن سلطة أدنى (مجلس الوزراء).
وهنا، تمددت المقاومة الأكاديمية عبر استراتيجية الردع القانوني المرتد؛ من خلال رفع مذكرة شارحة للمجلس الرئاسي، تم تفعيل أدوات الرقابة السيادية العليا، والتي توجت بخطاب من المجلس الرئاسي يبطل إجراءات مجلس الوزراء والوزارة ويعتبرها كأن لم تكن، مما شكل صدمة نسقية للوزارة.
ولفهم الخلفية السوسيولوجية التي دفعت الوزير وحاشيته لتجاوز النصوص والتراتبيات السيادية، لا بد من تفكيك بنية الوعي السياسي والاجتماعي للفاعل التنفيذي في ليبيا. ينطلق سلوك الوزير من تمثّلات الشرعية الغنائمية ، حيث يُنظر إلى الوزارة والمؤسسات العامة كغنيمة حرب أو مكافأة سياسية واجتماعية للقبائل المنتصرة. في ظل هذا الوعي السوسيو- قبلي، يعتقد المسؤول أن الانتماء لمركبات اجتماعية مهيمنة يمنحه حصانة تفوق سلطة القانون، ويخول له ممارسة الزبائنية الأقربائية، والتي تجلت بوضوح في حصر التعيينات بالملحقيات الثقافية في الخارج على ذوي القربى والمعارف، مغيبًا بذلك معايير الكفاءة والاستحقاق لصالح إرضاء الشركاء الاجتماعيين وتوطيد النفوذ الجهوي.
ختامًا تُمثّل الممارسات اللاحقة التي انتهجتها اللجنة البديلة بعد إزاحة اللجنة الفنية المستقلة نموذجًا كلاسيكيًا للابتذال المعياري وتكريس ظاهرة تضارب المصالح داخل الحقل الأكاديمي. إن تولي أعضاء يمتلكون مجلات علمية أدى سريعًا إلى تجريد عملية الجودة من موضوعيتها، وتحويلها إلى أداة لتبادل المنافع الرمزية والمادية.
وقد تجلى هذا الانحدار الهيكلي في العشوائية المطلقة لمنح التصنيفات (Q1, Q2, Q3, Q4)؛ حيث رُفعت مجلات وليدة لم يتجاوز عمرها الزمني سنة واحدة إلى مصاف التصنيفات المتقدمة دون فحص أو تدقيق موضوعي، مما أسقط المنظومة في فخ تزييف القيمة العلمية، وجعلها بؤرة لاستفسارات وانتقادات لاذعة من قِبل الجماعة العلمية التي عاينت هذا الخلل البنيوي.
إن هذه السطور، المستدعاة من مستودع الذاكرة والملاحظة بالمشاركة، لا تهدف إلى مجرد التوثيق التاريخي لحدث عابر، بل تُقدم إسهامًا سوسيولوجيًا تفسيريًا لكيفية إدارة المعرفة في دول الهشاشة تكشف هذه التجربة أن الحقل المعرفي في مراحل الانتقال السياسي والسيولة المؤسسية يصبح مسرحاً لهيمنة سلطة غير واعية بمتطلبات العصر الرقمي والمعايير الدولية، وتنظر إلى الجودة الأكاديمية باعتبارها خطرًا يهدد شبكات نفوذها وزبائنيتها، فتعمد إلى تفكيكها لصالح شرعيات تقليدية غنائمية.
أخيرًا تخلص هذه المقالة إلى أن تحصين المعرفة والبحث العلمي في مجتمعات ما بعد النزاع لا يتأتى بالشعارات، بل ببناء مؤسسات حوكمة صلبة ومستقلة، قادرة على مقاومة الاختراق السياسي، وفرض عقلانية القانون في مواجهة عشوائية المصالح الضيقة.



##حسين_مرجين (هاشتاغ)       Hussein_Salem__Mrgin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إعادة هندسة علم الاجتماع في الجامعات الليبية: المسارات الوظي ...
- قراءة نقديّة في حوكمة المناهج التعليمية الليبية
- من شرنقة المعرفة المريحة إلى سوسيولوجيا الاشتباك: بيان لتثوي ...
- الجودة والاعتماد في المؤسسات التعليمية الليبية : الإشكاليات، ...
- قراءة تفكيكية في الاستراتيجية الوطنية الليبية للشباب (2026-2 ...
- علم الاجتماع في الجامعات الليبية: من شرنقة التدجين المنهجي إ ...
- مؤتمر الخبراء الليبيين: تشتت البوصلة بين خطاب الطموح وواقع ا ...
- سوسيولوجيا الحياة اليومية في ظل الأزمات المستدامة: تشريح لآل ...
- تآكل الضبط الاجتماعي في ليبيا: نحو استراتيجية وطنية لترميم ا ...
- عقلية الكدوة: نمط حياة وصنع قيم التضامن والضبط الاجتماعي في ...
- البحث الاجتماعي: من سوسيولوجيا الغوص في الميدان إلى وجبات ال ...
- نحو سوسيولوجيا تطبيقية: مرحلة هندسة الأدلة في علم اجتماع الأ ...
- نحن بحاجة إلى معايير ومؤشرات الصمود للمؤسسات التعليمية الليب ...
- معايير ومؤشرات الصمود لضمان جودة التعليم في بيئات النزاع الع ...
- تشريح سوسيولوجي لظاهرة أمراء الحرب وخصخصة الدولة في ليبيا
- كيف نرى الجودة وضمانها في التعليم بليبيا ؟ أطر الحوكمة ورهان ...
- الانقلاب على حتحات على ما فات: هندسة الذاكرة الليبية سيكولوج ...
- تأصيل التفاهة وتأميم الذاكرة: قراءة في المتخيل القبلي والسيا ...
- قراءة تقييمية لواقع جودة التعليم العالي وضمانها في المنطقة ا ...
- علم الاجتماع في ليبيا تفكيك إرت الكوابح ورهانات المشروع السو ...


المزيد.....




- الصين ترد على أمريكا بشأن اعتبارها خطرًا في مجال الذكاء الاص ...
- في السعودية.. اكتشاف مسجد أثري يعود تاريخه إلى القرن الأول ا ...
- فستان من صفحات الجرائد وقبعة بيسبول..براد بيت وحبيبته يخطفان ...
- هل فقد الطيارون الأمريكيون جاهزيتهم للقتال؟ تقرير يكشف تراجع ...
- هجمات بطائرات مسيّرة تستهدف طريق إمداد رئيسيا بين أوكرانيا و ...
- -تنصّتوا وكشفوا الخطط-.. كيف عزّز الحوثيون تقدمهم باعتراض ات ...
- فقدان 25 شخصا بعد غرق قارب يقل مهاجرين قبالة سواحل اليونان
- -الحوثيون- يعلنون تنفيذ عملية عسكرية في العمق السعودي
- جهاز الأمن الفيدرالي الروسي يعثر على أسلحة ناتو حديثة في مخا ...
- ماهي موازين القوى اليوم في اليمن؟


المزيد.....

- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - سوسيولوجيا الحقل المعرفي في بيئات الهشاشة: صراع الحوكمة والمعيارية ضد الغنائمية والزبائنية في السياق الليبي