حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)
الحوار المتمدن-العدد: 8856 - 2026 / 10 / 12 - 18:36
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
تأتي هذه المقالة في سياق التنبيه التوعوي والنقدي للتداعيات السوسيولوجية والجيوسياسية المتسارعة للتطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، كما تأتي فكرة هذه المقالة استنادًا إلى قراءة معمقة لكلمة الصديق العزيز الدكتور السفير الصادق الفقيه -الأمين العام السابق لمنتدى الفكر العربي-، التي أرسلها لي بالأمس حيث ألقاها في ملتقى علمي رسمي تحت مظلة جامعة الدول العربية. حيث تطرق الدكتور الصادق في كلمته الرصينة إلى جملة من الإكراهات والمفارقات البنيوية المهمة التي يفرضها هذا التحول الرقمي الفائق والمدعوم بالذكاء الاصطناعي. وهذا يعني ببساطة شديدة بأن التحول الرقمي الراهن القائم على الذكاء الاصطناعي، أصبح يشكل سونامي معرفي وقيمي عابر لكل الحدود؛ ليس الجغرافية وحسب، بل يمتد ليتجاوز المنظومة القيمية والأخلاقية والدينية، وهنا يكمن التحدي الأكبر. وفي هذا السياق، يقدم الدكتور الصادق الفقيه تشخيصًا نقديًا لأبعاد هذا التحول في السياق العالمي، مبرزًا كيف يسهم هذا الفضاء الافتراضي في تعرية المسكوت عنه، وإحداث ما يمكن تسميته بتخلخل الهرمية وتفتيت السيادة المؤسسية. هذا التفتيت لا يقف عند حدود مؤسسات الدولة السياسية فحسب، بل يمتد ليخترق النواة الصلبة للمجتمع وهي مؤسسة الأسرة التي فقدت سلطتها التقليدية في التنشئة أمام جاذبية وإغراء الفواعل الرقمية الجديدة والأجهزة الذكية الصغيرة التي تملك قدرة فائقة على الإلهاء المستمر وحشد المعلومات وتوجيه العقول، وهنا أدعو القارئ أن يمعن النظر جيدًا في هذه الإكراهات والتحولات التي نعيشها، حيث فتح الدكتور الصادق أعيننا على زوايا مهمة لا تزال في حاجة إلى الكثير من الدراسة والتأمل.
وأمام هذه التحولات الكبيرة، يرى الدكتور الصادق أن التدابير والآليات القانونية أو الأمنية الصلبة المعمول بها حاليًا لم تعد كافية بمفردها لمواجهة هذا السونامي الجارف، حيث إن الأمر يتطلب دحر حالة السيولة الفكرية والقيمية التي صاغ أبعادها النقدية المفاهيمية المفكر زيجمونت باومان في أدبيات السيولة الحداثية والتي أدت بالتوازي مع ضعف المحتوى الرقمي العربي المقنع إلى بروز ظاهرة اللامعنى والتفاهة في الفضاء الرقمي، وهي الظاهرة التي فككها بعمق عالم الاجتماع التونسي الطاهر لبيب.
بناءً على ذلك، بات من الضروري والملحّ تشكيل لجان وفرق وطنية استراتيجية على مستوى الدول العربية، تضطلع بمهمة صناعة وإنتاج محتوى رقمي عربي ذي جودة معرفية ورقي قيمي وأخلاقي؛ بدلًا من ترك هذا الفضاء الحيوي لسيولة الأفراد وعشوائية الخوارزميات دون كوابح قيمة أو أخلاقية أو دراسات سوسيولوجية موجهة.
وبالرغم من قتامة المشهد إلا أنه من منظور سوسيولوجيا التكنولوجيا، يتوجب التأكيد على أن للذكاء الاصطناعي نواحي إيجابية واعدة؛ إذ يمكن توظيفه كأداة متطورة لدعم التنشئة الإيجابية، وتفعيل المقاومة الرقمية الواعية، وتحقيق التنمية المستدامة، إلا أن سوء التوظيف البنيوي في غياب السياسات والتنظيمات الرشيدة هو ما يُعظّم الإكراهات ويبرز الجانب المظلم لهذا السونامي الجارف.
كما إن غياب الاستراتيجيات الذكية لمواجهة هذه المخاطر، وترك هذا الفضاء عُرضة لمحتوى رقمي بعيد عن الهوية الوطنية والقيم الأخلاقية الرصينة، يقود المجتمعات بالضرورة إلى حالة من تعفن العقل الجمعي. وتتجسد هذه الظاهرة البنيوية العابرة للحدود في مقالة كنت نشرتها سابقًا حول متلازمة الهزال الفكري المكتسب؛ وهي حالة من التسطيح الإدراكي الحاد تصيب المجتمعات نتيجة التعاطي المستمر والمنظم لسعرات المعرفية الفارغة. حيث يقود هذا النمط الاستهلاكي إلى انتفاخ الهوية الفكرية وهميًا بوهم المعرفة، مصحوبًا بضمور آليات التفكير النقدي؛ مما يُدمر جهاز المناعة الفكري ويسهل اختراقه عبر هندسة السرديات المزيفة لغرض تحويل الشعوب إلى كتل بشرية مستسلمة.
وتأسيسًا على ذلك تُمثل هذه المتلازمة اليوم أرقى مراحل الهيمنة المعاصرة المعززة بالاستعباد الإدراكي الناعم الذي ترعاه المنصات والشبكات الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، حيث تتغلغل في الوعي المجتمعي وتوجّه خوارزمياتها التوليدية لتحويل التسطيح المعرفي إلى منطق عام ومسلّمة عقلية يتبناها المجتمع طواعية، فيتحول الهزال إلى عقيدة والتسطيح إلى طبع اجتماعي ممتد. وحتى نقرب المعنى أكثر يمكن أن نشير بأنه من خلال هذه الديناميكية، سينسلخ المجتمع عن دوره النقدي ليتحول إلى حارس وفيّ لقيوده ومدافع عن المتلازمة ذاتها؛ ومن ثم يُساق بوهمه المعرفي نحو التسليم المطلق والانقياد المجتمعي الأعمى، وصولًا إلى مرحلة تقديس الجهل التي يبني فيها المجتمع أوهامًا ويظنها حقائق ثابتة لا تقبل النقاش. وهنا نؤكد أن الأفكار عندما تبنيها الجماهير وتؤمن بها، تتحول إلى قوة دفع هائلة بالاتجاه الذي يوجهها إليه صناع هذه الأفكار ومحركوها.
وبناءً على مقاربة السابقة، يتضح جليًا أن متلازمة الهزال الفكري المكتسب هي استراتيجية هندسية ممنهجة لفرض الاستعباد الرقمي وتأمين استدامة النخب المهيمنة؛ تعتمد على هندسة مصايد النقرات الخوارزمية وضخ جرعات مكثفة من السعرات المعرفية الفارغة لتجريد الفضاء العام من غاياته الجوهرية، محولةً التفاهة واللامعنى والسطحية إلى أدوات سيطرة بالغة الفاعلية. وتتجلى هذه المتلازمة بوضوح في أجندات التدفق الشبكي المعزز بالذكاء الاصطناعي التوليدي، وصناعة الاستعراض السياسي؛ حيث تقود خوارزميات المنصات التريندات العالمية ليحتل مثلًا : لقطة مصطنعة أو مجتزأة لتعثر زعيم عالمي أثناء مشيه، أو رقصة لفنان أو فنانة إلى مادة اتصالية دسمة تبتلع فضاءات البث وتتضخم آليًا عبر ملايين الحسابات الرقمية الافتراضية والمبرمجة؛ في المقابل، تُمرر صفقات السلاح الكبرى لدعم الحروب والنزاعات، وكذلك تُعدل القوانين الدستورية المقيدة للحريات، وتتفاقم أزمات الفقر والمجاعات في العالم، أو حين تُقصف غزة بالصواريخ ويُقتل أطفالها وشيوخها ونساؤها وتُحاصر دون أدنى نقاش مجتمعي أو مراجعة نقدية حقيقية، والأمثلة هنا كثيرة، غير أن طبيعة المقالة وحجمها لا يتسعان لحصر كل ذلك.
ومع هذا فإن من يحسن التأمل ويدقق النظر يستطيع أن يدرك بسهولة بإن هذه المتلازمة لها أبعاد بالغة الخطورة وتوظيف نفعي هابط خاصة في سياقات الهشاشة السياسية والأمنية (كما في الحالة الليبية)، حيث تعيد هذه البيئات إنتاج وظيفة التكنولوجيا لتهبط بها من أداة لتعزيز جودة الحياة إلى سلاح رقمي حاد لإدارة الصراعات وتصفية الخصوم عبر تقنيات التزييف العميق؛ أي فبركة الفيديوهات والأصوات بدقة عالية تخدع الأبصار. وفي هذ السياق برزت في الحالة الليبية ظاهرة الفيديوهات والتسجيلات المصطنعة المنسوبة لشخصيات حكومية بارزة في ليبيا مما يشكل انعكاسًا مباشرًا لتوظيف الأسلحة السيبرانية بهدف الابتزاز وصناعة الضغط .
وتكتسب هذه الظاهرة عمقًا مأساويًا مع شهادات واعترافات بعض المتخصصين الإقليميين، كالمهندس اللبناني الذي أقر منذ أيام علنًا بإنتاج مقاطع رقمية مفبركة لصالح أطراف ليبية مدفوعة الأجر للضغط على أطراف ليبية أخرى، مما يشكل دليلًا سوسيولوجيًا على فداحة الانكشاف الرقمي للمجتمع، وتحول التزييف في بيئات الهشاشة وما بعد النزاعات إلى محفز رئيس لفتح صراعات جديدة وتعميق الاستقطاب.
ولمواجهة هذا الاختراق البنيوي الهجين وسد الفراغ في المعلومات والبيانات الذي تستغله بعض الجماعات المتطرفة وصناع المحتوى الهابط لتوجيه الخوارزميات، يتعين استدعاء مفهوم الهوية الرقمية المقاومة لعالم الاجتماع مانويل كاستيلز؛ والمقصود هنا ليس الاكتفاء بضخ مواعظ أخلاقية تقليدية، بل صناعة محتوى معرفي، وعلمي، وتاريخي رصين يعيد بناء المقاومة والحصانة المعرفية الجمعية .
وهنا تكمن ضرورة مقاومة التعفن والعفن المعرفي الذاتي؛ إذ إن مواجهة الاستعباد الإدراكي الناعم لا تكمن في الانعزال الفني أو اتخاذ موقف الدفاع السلبي والانكفاء خلف أسوار الخوف من أدوات التقنية، بل في تفعيل الفاعلية الاجتماعية والمقاومة والاشتباك الرقمي النشط المضادة. وهذا الأمر يتطلب بالضرورة توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي ذاتها لتفكيك الروايات الزائفة، وصناعة جدار صد قيمي، وضخ سرديات وطنية وثقافية رصينة تقود الخوارزميات بدلًا من الانقياد لها، واستعادة السيادة على عقولنا الرقمية الجمعية.
كما إن الاقتراب الوشيك من ذروة السونامي المعرفي يفرض تدفقًا لموجات متسارعة لن تنتظر المجتمعات غير المستعدة؛ حيث سيجد الفاعل الاجتماعي نفسه حتمًا خارج مسارات التاريخ .
وبناءً على ما تقدم، ومن أجل صياغة بروتوكولات حماية ثقافية تسعى لإعادة بناء الملكات النقدية، وتستهدف تصفير الفجوة المعرفية المعقدة بين الأجيال ولكافة الأعمار، يبرز المقترح الاستراتيجي باستحداث رخصة لقيادة الذكاء الاصطناعي
وهنا نسارع إلى القول بإن فلسفة هذه الرخصة تتأسس على مفهوم الحدود التأسيسية الدنيا والمتطلبات المعرفية والأخلاقية الأساسية للتعامل الرشيد والآمن مع التقنية. ولقطع الطريق أمام جمود المناهج وثبات الرخصة أمام تطور الآلة السائل واليومي، يتم تصميم هذه الرخصة كنظام درجات ومستويات تصاعدية وديناميكية مستمرة، بحيث يخضع حامل الرخصة لتحديثات تقييمية بشكل دوري ليواكب قفزات الأنظمة الخوارزمية والتوليدية .
ولضمان فاعلية هذه الرخصة وتفادي حصرها في البيروقراطية الحكومية خاصة في دول الهشاشة أو تلك التي تمر بمراحل ما بعد النزاع، نعتقد بضرورة أن تُبنى آلية حوكمتها ومنحها عبر مسارات ثلاثية القائمة على شراكات مرنة تشمل:
1. المنظمات الإقليمية المختصة: وفي مقدمتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، حيث لتتولى تحديد حزمة المعارف والمهارات المعيارية الكبرى لمتطلبات الرخصة، مع إتاحة مساحة مرنة للجان الوطنية والمنسقين على المستوى كل دولة عربية لإضافة معارف ومهارات نوعية تراعي الخصوصية الوطنية والرموز الثقافية لكل دولة، وتؤسس لأدوات المقاومة النشطة ضد حالة الهزال المعرفي المستشري.
2. المؤسسات الأكاديمية : حيث تقوم بتطوير المناهج التدريبية وضمان البعد المعرفي والمهاري والتحليل النقدي لبروتوكولات الحماية.
3. شركات التقنية التدريبية الكبرى: الفاعلة في المنطقة العربية لتقديم الحلول التطبيقية المحدثة، وتأمين استدامة التدريب ومواكبة قفزات الذكاء الاصطناعي.
ولا شك أن القارئ قد لاحظ بعد قراءته لهذه المسارات بإن الفلسفة البنيوية لهذه الرخصة ومستوياتها تتأسس على مسارين متوازيين هما :
• الأول: مسار مهاراتي مرن يمنح الفرد متطلبات التعامل المباشر مع الأنظمة التوليدية،
• الثاني: مسار سوسيولوجي قيمي أخلاقي يعيد بناء الملكات النقدية واستعادة الحصانة الجمعية؛ حتى لا يتحول الفرد إلى مجرد مستهلك يساق بلا وعي في فضاء رقمي ضائع، لا مكان فيه للقيم أو المضمون الحقيقي.
وأخيرًا، نودّ التأكيد على أن هذا الموضوع المتشابك والمعقد ما يزال بحاجة ماسّة إلى مزيد من البحث والدراسة وكشف أبعاده الخفية. ورغم أن التعمق في الكتابة عن هذا التسونامي المعرفي وقدرته الفائقة على تفسير ملامح التحول الرقمي يعد أمرًا بالغ الأهمية، إلا أننا رأيت الاكتفاء بهذا القدر في مقالتي هذه؛ ليكون بمثابة شعلة تضيء الطريق لمزيد من النقاشات الواعية في المستقبل.
##حسين_مرجين (هاشتاغ)
Hussein_Salem__Mrgin#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟