أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حسين سالم مرجين - هل الجامعات العربية مستعدة لجامعات المستقبل؟















المزيد.....

هل الجامعات العربية مستعدة لجامعات المستقبل؟


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 8853 - 2026 / 10 / 9 - 10:01
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


عُقد خلال اليومين الماضيين المؤتمر السابع للشبكة العربية لضمان جودة التعليم العالي في الدوحة خلال الفترة من 7 إلى 8 أكتوبر 2026، ويُعدّ هذا المؤتمر حراكًا أكاديميًا إقليميًا مهمًا، تنظّمه الشبكة بشكل دوري، حيث يطرح في كل دورة موضوعات راهنة ترتبط بتطوير منظومات الجودة والاعتماد في التعليم العالي. وقد تناولت هذه الدورة استحقاقات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، تحت شعار يرفع سقف التحدي: الانتقال من مرحلة الامتثال إلى مرحلة الأثر العالي .
وخلال هذه الفعالية، شاركنا بمداخلة ضمن فريق عربي مشترك متميز يعكف منذ سنوات على إعداد تقارير إقليمية حول التعليم العالي وآليات تطويره بالمنطقة العربية. وقد جاءت المداخلة تحت عنوان : إطار مقترح لِنضَج قياس الأثر في مؤسسات التعليم العالي، مستهدفة دفع الحراك الأكاديمي خطوة إضافية نحو صياغة مستقبل الجامعات العربية في المرحلة المقبلة. فالأثر على الرغم من محوريته لا يمثل نهاية المطاف؛ بل إن المحك الجوهري لضمان الجودة يكمن في مأسسة مؤشرات الأثر بدقة، لضمان توجيهها مباشرة نحو تحسين جودة حياة الإنسان وتنمية المجتمع.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، فإن جامعات المستقبل لن تكون مؤسساتٍ نمطية؛ بل نحن نتحدث اليوم عن جامعات الجيل الخامس، التي يغدو فيها الذكاء الاصطناعي عنصرًا بنيويًا أساسيًا، وأصبح التحول الرقمي الشامل شرطًا حتمياً للبقاء والاستدامة. وفي هذه الجامعات، يصبح استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي أمرًا بديهيًا ومتاحةً بمستوى شمولية استخدام الآلة الحاسبة بين أيدي الطلبة في قاعات الامتحانات اليوم؛ أي متطلبًا لا غنى عنه، وليس امتيازًا كما قد يعتقد البعض. وبناءً على ذلك، سيقترب الذكاء الاصطناعي خلال المرحلة القادمة من إحداث تسونامي معرفي؛ ما يعني ببساطة شديدة تدفّق موجات متسارعة لن تنتظر من لم يستعد لها، ومن لا يواكبها سيجد نفسه حتمًا خارج المسار، عاجزًا عن استثمار فرصها الواعدة في مجالات التعليم، والتعلّم، والبحث العلمي، فضلاً عن حوكمة الجودة وضمانها.
وهنا يبرز المفهوم المتطور لأثر الجامعة؛ إذ ستنتقل عمليتا التعليم والتعلم من دورهما التقليدي بوصفهما مخزنًا للمعلومات إلى دور محطة التغذية الرئيسية أو شبكة توزيع المهارات الرقمية. وللمزيد من التوضيح والتبسيط، فإنه عندما يشهد سوق العمل تغيرًا متسارعًا أو يَبرز نقص في التغطية المعرفية أو المهارية ، سيميل الطالب وخاصة بعد التخرج إلى فضاء الجامعة بوصفه بيئة قادرة على تنفيذ عمليات تغذية ذكية، تضمن إعادة شحن المهارات وتحديث المعرفة بصورة مستمرة.
كما سيمتد هذا التحول الفلسفي إلى ما بعد حدود أسوار الجامعة التقليدية؛ لتتبلور للجامعة دورٌ حاسم في بناء السياسات العامة وتوجيه مسارات المجتمع، وذلك عبر العلوم البينية التي تُدمج المعارف لتفكيك مشكلات الواقع المتشابكة والمعقّدة، والبحث عن حلول ومعالجات لها من خلال معالجات مبنية على الأدلة.
وتبعًا لذلك، ستتراجع القوالب الزمنية الجامدة؛ إذ لن يظل الطالب بحاجة إلى قضاء أربع أو خمس سنوات في برامج قد يتجاوزها الزمن قبل اكتمال التخرج. بدلًا من ذلك، ستتحول علمتا التعليم والتعلم تدريجيًا نحو نظام الشهادات المصغّرة (Micro-credentials)، وهو نموذج مرن ومعترف به دوليًا، يمكّن من تخريج المهارات في سياقات محددة وقصيرة المدى (قد تمتد إلى نحو سنتين). كما سيسهم في تبني آلية الإغلاق والفتح الديناميكي للبرامج الأكاديمية بما يستجيب لـمؤشرات الواقع والاحتياجات المجتمعية المتجددة.
ومع ذلك، فإن الانتقال نحو جامعات المستقبل سيقتضي بالضرورة مراجعة نقدية جريئة لواقع الجامعات العربية الحالية، وطرق عملها، وهياكلها الأكاديمية، ونماذج تقييمها. وفي هذا السياق يقفز الى الذهن سؤال جوهري : ما القيمة المضافة الحقيقية للتصنيفات الدولية مثل التايمزوشنغهاي وغيرها، على المستوى المحلي أو الإقليمي في عالمنا العربي؟
وفي هذا اللخصوص يمكن القول بإن هذه التصنيفات تَستهلك سنويًا ميزانيات ضخمة من مقدرات الجامعات العربية، دون أثر حقيقي يمس واقع مجتمعاتنا بصورة ملموسة. وإذا كان اللاهث وراء هذه التصنيفات في السياق الغربي في كثير من الأحيان يرنو إلى استقطاب التمويلات الرأسمالية وجذب الطلبة الدوليين كرافد إيرادي مهم، في حين إن واقعنا العربي مختلف جذريًا من حيث الأولويات والحاجات والمسؤوليات المجتمعية.
وبناءً على ذلك، فإن ما نشهده اليوم في سياق التصنيفات الدولية للجامعات، لم يعد مجرد تقييم أكاديمي، بل أضحى أداة من أدوات الهيمنة وفرض المصالح؛ الأمر الذي يمثّل تجسيداً حياً لمقاربة سوسيولوجية وفلسفية سبقت زمانها. فقد أشار ابن خلدون منذ قرون إلى ميل المغلوب دائمًا إلى الاقتداء بالغالب في شعاره، ونحلته، وسائر أحواله وعوائده . وإذا كان التصنيف العربي للجامعات يمثل خطوة إستراتيجية مقدرة نحو تقليص أثر هذه الهيمنة الغربية، إلا أن جوهره الفلسفي وبنيته المعيارية لم يزالا أسيريْن إلى حدّ بعيد لذات البوصلة والمؤشرات التي تحكم التصنيفات العالمية
لذلك، فإن البديل الحقيقي لا يتمثل في إلغاء التصنيفات أو القطيعة معها؛ بل في إعادة توجيه البوصلة نحو تصنيفات ذات سياق عربي حقيقي. فليس من حاجة للجامعات العربية إلى تصنيفات لا تقدم قيمة أو أثر واضح أو توجيهًا عمليًا. كما أنها لا تحتاج إلى قياس جودة أدائها مثلا: بعدد الأبحاث المنشورة في مجلات غربية لا تتناول بالأولوية قضايا منطقتنا؛ بقدر حاجتها إلى قياس جودة أثرها من خلال مدى ارتباط الابتكارات وبراءات الاختراع بالمجالات الحيوية للمنطقة العربية، مثل: أمن المياه، الطاقة المتجددة، الأمن الغذائي، مكافحة التصحر، وعلاج الأوبئة المحلية. وعندئذ نسارع إلى التأكيد على أن الجودة الحقيقية هي التي تقيس بأدلة ومؤشرات واضحة مدى إسهام الجامعة في حل معضلات محيطها المجتمعي، وتحويل المعرفة إلى أثر ثقافي واجتماعي واقتصادي وصحي.
وتأسيسًا على النجاح المشهود لمؤتمرات الشبكة العربية لضمان جودة التعليم العالي، فإن اللحظة التاريخية الراهنة تفرض الانتقال من دور التنسيق المعرفي إلى دور القيادة الإستراتيجية، وذلك عبر صياغة خارطة طريق عربية موحدة وملزمة للولوج نحو جامعات الجيل الخامس، باعتبارها جامعات المستقبل.
وينبغي أن تتحلى هذه الخارطة بالواقعية الشديدة؛ فلا معنى لفرض معايير ومؤشرات موحدة على بيئات متباينة جذريًا، بل الأنسب اعتماد مسارات مرنة متوازية:
1. مسار التعافي وبناء الأساسيات: وهو مسار موجّه لدول الأزمات والنزاعات، يركز على ترميم البنية التحتية، وحماية المؤسسات الهشة، وضمان الحد الأدنى من تعليم مستقر.
2. مسار الانطلاق نحو الجيل الخامس: وهو مسار مخصص للدول المستقرة القادرة على دمج الذكاء الاصطناعي، وبناء شبكات المهارات، وتفعيل العلوم البينية بصورة فورية.
3. مظلة التكافل الأكاديمي: وتتمثل في إنشاء صندوق دعم مالي ومعرفي عربي مشترك، تسهم فيه الدول والمؤسسات لتمويل مسار التعافي في دول الأزمات، ونقل الخبرات والتقنيات إليها.
وتبعًا لذلك، فإن هذا السياق يدعونا إلى تحويل الخطة إلى أطر عمل على غرار أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة (SDGs 2030)، تُدار عبر تسمية منسقين إقليميين وتشكيل لجان متخصصة ترفع تقارير سنوية مُلزمة توضح بدقة الخطوات التي تتخذها كل دولة لتحقيق أهداف الجيل الخامس، وهذه الجزئية تعد غاية في الاهمية.
وفي هذا الإطار، يبرز سؤال يطفو على السطح وهو : هل نحن مستعدون لجامعات المستقبل؟
وهنا يجب أن نصارح أنفسنا بأن الإجابة عن هذا السؤال المهم تتوقف على مدى تعاضد الهيئات والمؤسسات العربية المعنية بالتعليم العالي والبحث العلمي، والسعي لصياغة استراتيجية عربية موحدة لجامعات الجيل الخامس، العابرة للأسوار، وموجهة بالكامل نحو صناعة أثر حقيقي يمس جودة حياة الإنسان العربي ويحمي مستقبله.



##حسين_مرجين (هاشتاغ)       Hussein_Salem__Mrgin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 7 أكتوبر بين الاختزال النفسي والزلزال الجيوسياسي: مراجعة فكر ...
- غابات المشكلات وبذور التحول المؤجل
- كيف هندس نظام التفاهة انهيار مؤسسات الدولة في ليبيا؟
- المناهج التعليمية في ليبيا بين وهم الجودة وسوسيولوجيا التشظي ...
- اغتراب السوسيولوجيا الليبية: عودة إلى سؤال لماذا نكتب في علم ...
- ديناميكيات القوة وسيولة التحالفات في المشهد الليبي بعد عام 2 ...
- سوسيولوجيا الحقل المعرفي في بيئات الهشاشة: صراع الحوكمة والم ...
- إعادة هندسة علم الاجتماع في الجامعات الليبية: المسارات الوظي ...
- قراءة نقديّة في حوكمة المناهج التعليمية الليبية
- من شرنقة المعرفة المريحة إلى سوسيولوجيا الاشتباك: بيان لتثوي ...
- الجودة والاعتماد في المؤسسات التعليمية الليبية : الإشكاليات، ...
- قراءة تفكيكية في الاستراتيجية الوطنية الليبية للشباب (2026-2 ...
- علم الاجتماع في الجامعات الليبية: من شرنقة التدجين المنهجي إ ...
- مؤتمر الخبراء الليبيين: تشتت البوصلة بين خطاب الطموح وواقع ا ...
- سوسيولوجيا الحياة اليومية في ظل الأزمات المستدامة: تشريح لآل ...
- تآكل الضبط الاجتماعي في ليبيا: نحو استراتيجية وطنية لترميم ا ...
- عقلية الكدوة: نمط حياة وصنع قيم التضامن والضبط الاجتماعي في ...
- البحث الاجتماعي: من سوسيولوجيا الغوص في الميدان إلى وجبات ال ...
- نحو سوسيولوجيا تطبيقية: مرحلة هندسة الأدلة في علم اجتماع الأ ...
- نحن بحاجة إلى معايير ومؤشرات الصمود للمؤسسات التعليمية الليب ...


المزيد.....




- كيف تحوّل مطار قديم تابع لـCIA إلى قاعدة صينية؟
- الولايات المتحدة تدعو الأوروبيين للمشاركة في محادثات مع أوكر ...
- رصاص -الهجرة- يصيب رجلا في نيويورك وممداني يطالب بوقف عمليات ...
- باحثون -مفصولون- من OpenAI: -طُردنا بسبب ظروف مريبة-.. والشر ...
- مصر.. رواج لقطة من مراسم استقبال السيسي بكوريا ورد فعل مرافق ...
- “الزراعة”: إقبال كبير من المواطنين لزيارة المتحف الزراعي ومع ...
- التعليم العالي: المركز القومي للبحوث يتصدر المؤسسات البحثية ...
- إسرائيل تشارك للمرة الأولى في معرض مغربي للصناعات الدفاعية
- غارات بمسيّرات إثيوبية تستهدف قوات إريترية في تيغراي وسط تصا ...
- إسرائيل تستهدف قنصلية بريطانيا والغاية دفن الدولة الفلسطينية ...


المزيد.....

- التخطٌط ودوره في استثمار صحراء البصرة لتنمية السياحة البيئي ... / سيف سعد سلمان
- التربية الرقمية للكاتبة د-انتصار الخشت / انتصار كامل جفلان الخشت
- الكنز المخفي / انتصار كامل جفلان الخشت
- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حسين سالم مرجين - هل الجامعات العربية مستعدة لجامعات المستقبل؟