حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)
الحوار المتمدن-العدد: 8838 - 2026 / 9 / 24 - 11:45
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
حين يتردد على مسامعنا اليوم مصطلح جودة المناهج التعليمية، ينصرف ذهن القارئ العادي ، بل وبعض التربويين للأسف، تلقائيًا إلى تلك الكتب والمقررات الدراسية المكدسة في حقائب طلابنا. لكن هذا الاختزال المعرفي هو أولى العقبات في طريق الإصلاح التربوي. المنهج التعليمي، في أصله السوسيولوجي، ليس مجرد حبر على ورق أو وثيقة ساكنة، بل بيئة اجتماعية حية، وعملية واقعية متكاملة تلامس حياة الطلبة اليومية.
إن المنهج الحقيقي هو تلك الهندسة الاجتماعية المعقدة التي تشمل المقررات الدراسية، وطرق التدريس، وآليات التقييم، وبنية البيئة الصفية، مضافًا إليها المنهج الخفي المتمثل في الممارسات والتفاعلات اليومية التي تشكل وعي جيل بأكمله. لذا، فإن الجودة لا تُقاس بجمال طباعة الكتاب، بل بكفاءة وعدالة الممارسة داخل الصفوف.
من هذه النقطة المركزية، استرعى انتباهي مؤتمر علمي دولي عُقد مؤخرًا تحت عنوان: المناهج التعليمية وفق معايير الجودة. وبحكم الاهتمام بقضايا جودة التعليم اندفعت لمراجعة عناوين أوراقه، وهنا كانت الصدمة المعرفية؛ لقد بدت بعض البحوث غارقة في محليات ضيقة وقضايا جزئية قاصرة، عاجزة عن تفكيك المنظومة وبنيتها التحية، لتناقش قشور الأزمة الكتاب والمحتوى وتترك جوهرها البنيوي الممارسة والسياسات التربوية.
وحين ننظر إلى ثقل الجهات المنظمة بين قمم أكاديمية متمثلة في الجامعات، ومؤسسات مسؤولة عن الجودة ومركز المناهج فإن سقف التوقعات يرتفع حتمًا. حيث كنا ننتظر وثيقة وطنية شجاعة تقطع مع آليات التلقين القديمة، وتعلن صراحة وبـجرأة نهاية مرحلة المناهج القاصرة، وتضع خارطة طريق لثورة تربوية رقمية واجتماعية شاملة؛ لا مجرد توصيات إنشائية مصيرها أدراج الأرشيف بعد أن تُسدل الستائر وتُوزع دروع التكريم.
وفي المشهد التربوي المعاصر، ثمة ظاهرة بنيوية بالغة الخطورة تتوارثها وزارات التعليم المتعاقبة، ولا تنفرد بها حقبة وزارية دون غيرها؛ إنها هندسة المناهج بأسلوب المُسكّنات المؤقتة والارتجال، حيث تُقدِم الوزارات على إضافة مواد وتعديل مقررات دراسية دون الخضوع لأي مراجعة استراتيجية شاملة تفكك فلسفة التعليم وغاياته الكبرى.
لقد وصل هذا العبث التربوي في مراحل سابقة إلى حدود الجراحة القسرية للوعي، عبر قيام الوزارة بإلغاء موضوعات كاملة وفصول من الكتب الدراسية دون تقديم أدنى توضيح علمي أو مبرر بيداغوجي لأولياء الأمور والمعلمين؛ وكأن عقول أبنائنا مجرد مساحات تخزين رقمية يتم التحكم في محتواها بزر الحذف والإضافة وفقًا للأهواء السياسية المتقلبة.
إن ذروة هذا التخبط تجلت في خطوة كارثية حذرنا من مخاطرها الحقيقية مرارًا وتكرارًا، وهي إلغاء مقرر التربية الوطنية. إن التربية الوطنية في علم الاجتماع التربوي هي المختبر الاجتماعي الذي تُصنع فيه الهوية، وتُغرس من خلاله قيم الانتماء، والمواطنة، والمسؤولية التضامنية تجاه الدولة والمجتمع. وبإلغاء هذا المحور الجوهري، أقمنا جدارًا عازلًا بين المتعلم وتاريخه المشترك، والنتيجة السوسيولوجية الحتمية هي ما نراه اليوم في مجتمعاتنا: أجيال من الخريجين يعانون من اغتراب اجتماعي، ويحملون هويات مشوهة، عاجزين عن إدراك مفهوم الدولة الوطنية، وفاقدين للمناعة الفكرية ضد خطابات التشظي والقبلية والمناطقية.
هذا التشويه البنيوي يقودنا مباشرةً إلى التساؤل السوسيولوجي الأكثر إلحاحًا وعمقًا: أين التحولات والأحداث الكبرى التي شهدتها ليبيا في هذه المناهج؟ حين تطالع الكتب المدرسية الحالية، تشعر بوجود انفصام حاد بين المدرسة والواقع؛ المناهج التعليمية في بلادنا لا تزال توحي، بزيف واهم، بأن الأوضاع طبيعية ومستقرة، تمامًا كما لو كانت سياقات الحروب، والنزاعات، والانقسامات السياسية والاجتماعية التي عصفت بالبلاد مجرد أوهام لا وجود لها في الواقع الميداني! إنها مناهج تمارس سياسة النعامة، وتخضع لحالة من الإنكار المعرفي، لتختبئ من التاريخ الحاضر بدلًا من مواجهته وتفكيكه.
إن السؤال الذي يجب أن يواجه به خبراء التربية أنفسهم هو: كيف يمكننا الولوج إلى المستقبل وتصفير المشكلات والأزمات النفسية والاجتماعية الناتجة عن هذه النزاعات، إذا كانت المناهج ترفض أصلًا الاعتراف بوجودها أو معالجتها؟ المنهج الشامل في مجتمعات ما بعد النزاع يجب أن يكون أداة للتعافي الاجتماعي والنفسي. إن تفكيك مخلفات الحرب من كراهية وتطرف يتم عبر إدماج قضايا السلم الأهلي، وقبول الآخر، والتفكير الناقد، والحوار المجتمعي في صلب العملية التعليمية اليومية.
وفي سياق متصل تُمثل الأهداف التعليمية في أدبيات التخطيط التربوي، حجر الزاوية والخطوة الأولى التي يترتب عليها كل شيء آخر؛ فمنها تنبثق المقررات، وبناءً عليها تُصمم طرق التدريس، وفقًا لمعاييرها يُقاس نجاح المنظومة أو فشلها. لكن عند الاقتراب من هذا الملف في واقعنا التعليمي، نصطدم فجأةً بجدار من الصمت، ليتحول السؤال الجوهري والأساسي لأي جودة منشودة إلى مسكوت عنه يُخشى نبشه.
لقد طرحت هذا السؤال مباشرةً على عدد من كبار المسؤولين عن قطاع التعليم: هل نملك بالفعل أهدافًا تعليمية واضحة ومحددة لكل مرحلة دراسية؟ وهل لدينا، بناءً على ذلك، أهداف اشتقاقية دقيقة لكل مقرر دراسي؟ واقع الحال، وبناءً على تلك المقابلات، كان صادمًا؛ إذ تهرب الجميع من الإجابة صراحةً. هذا التهرب الجماعي يعكس أزمة بنيوية عميقة؛ فالأهداف هي نقطة البداية الإلزامية لمراجعة الموجود، وبدونها يصبح من المستحيل تعديل المسار نحو ما يجب أن يكون.
وفي نقاشات سابقة جمعتني ببعض المختصين في مركز المناهج، كانوا يجيبون بثقة مصطنعة: نعم، هناك أهداف لكل مادة، وهي مدونة في الصفحات الأولى لكل كتاب دراسي!. لكن سؤالي الفاحص لم يكن عن الحبر المسكوب على الأغلفة، بل كان: على أي أساس علمي، وسياق سوسيولوجي، واحتياج وطني تم وضع وتصميم تلك الأهداف؟ وبعد جلسات طويلة ومكاشفات تخصصية معقدة، تهاوت الدفاعات واعترف لي أحد المسؤولين صراحةً بالمرارة القاسية قائلًا: إن ما تبحث عنه من أهداف حقيقية غير موجود أصلًا.. صناعة الكتب لدينا لا علاقة لها بعملية الأهداف التعليمية، إنها مجرد عملية روتينية!. هذا الاعتراف يختزل المأساة؛ فالكتاب المدرسي لا يُولد لدينا من رحم رؤية فلسفية للدولة والمجتمع، بل يُصنع كمعاملة إدارية روتينية، تُقص وتُلصق لتعبئة الفراغ الزمني للعام الدراسي.
وحتى لا يكون حديثنا مجردًا، ودون غرق في التنظير، دعونا نلج مباشرةً إلى عمق الواقع ونفتح كتاب علم الاجتماع المقرّر على طلبة القسم الأدبي في مرحلة التعليم الثانوي في ليبيا. الصدمة الكبرى هنا، والتي تتجلى فيها الفجوة المعرفية والسوسيولوجية الفادحة، أن أحد المؤلفين الرئيسيين لهذا الكتاب هو أستاذ فلسطيني الجنسية، كان يدرّس في أقسام علم الاجتماع بالجامعات الليبية، ورحل عن البلاد منذ عشرات السنوات!
أن يدرس طلابنا في القرن الحادي والعشرين كتابًا صاغه أكاديمي غادر البيئة المجتمعية منذ عقود، فهذا يعني ببساطة أن المنهج يعيش في زمن متجمد. إنه دليل قاطع على أن صناعة المناهج لدينا معزولة تمامًا عن التحولات السوسيولوجية، والديناميكيات الحالية للمجتمع، ومتغيرات العصر الرقمي. كيف لكتاب لم يتغير مؤلفوه أو يواكبوا الحاضر منذ عقود أن يشرح لطالب اليوم قضايا مجتمعه المشظى أو يمنحه أدوات التحليل والنقد؟ هذا النموذج الصارخ يكفي وحده ليوضح للمجتمع والرأي العام حجم الهوة السحيقة في آلية تأليف الكتب المدرسية؛ إننا لا نملك مناهج بالمعنى العلمي، بل نملك تجميعًا روتينيًا للمعلومات تجاوزها الزمن.
إن الخروج من نفق الارتجال والعبور نحو مراجعة حقيقية للمناهج التعليمية لن يتحقق بالانخداع بمصطلحات الجودة البراقة، ولا بإقامة مهرجانات سوق الجودة التي تكتفي بالديكورات البروتوكولية؛ نحن بحاجة إلى مراجعة بنيوية راديكالية، وهنا تحديدًا يتوجب علينا التوقف لطرح سؤال استراتيجي غائب: أين المفتشون التربويون؟
لقد كان للمفتش التربوي تاريخيًا دور سوسيولوجي وبيداغوجي حاسم؛ فهم الحراس الميدانيون للوعي. ولا ينسى الميدان التربوي كيف كان لتقاريرهم الغنية والعلمية الرصينة الفضل الأبرز في الكشف عن عيوب وثغرات كتب التربية الوطنية التي صُنعت ذات يوم في غرف مغلقة بعيدًا عن نبض الهوية وقيم المجتمع الأخلاقية؛ كانت تقاريرهم بمنزلة جرس إنذار مبكر نبّه وزارة التربية والتعليم إلى ذاك الاختراق القيمي، وأجبرها على التراجع.
أين هم اليوم من هندسة جودة المناهج؟ إن مكاتب التفتيش تعج بملاحظات بالغة الأهمية ومستقاة من واقع ممارستهم اليومية ومعايشتهم للمناهج داخل الصفوف؛ وتهميش هذه التقارير هو إهدار لأثمن كنز معرفي وميداني تملكه الدولة لإصلاح تعليمها.
إن هذا الواقع التربوي المعقد يدفعنا بالضرورة الحتمية إلى تجاوز الحلول الترقيعية، والمناداة بإطلاق مشروع وطني حقيقي وشامل لجودة المناهج التعليمية؛ مشروع يتضمن كافة العناصر الحقيقية للمنظومة: من أهداف فلسفية، ومحتوى علمي، وتقارير تفتيش ميدانية، وتكنولوجيا رقمية حديثة. وهذا يعني ببساطة يجب أن ينطلق هذا المشروع من أرضية اعترافنا الجماعي بالحاجة الملحة لتحسين المناهج وتطويرها، وهي مَهمة وطنية مقدسة قبل أي شيء آخر.
وفي ظل وطن يعيش حالة من التشظي والاصطفاف والانقسام السياسي، تصبح المناهج التعليمية هي خط الدفاع الأخير عن الدولة. إن المنهج الشامل والذي نقصد به تلك المنظومة المتكاملة التي لا تختزل التعليم في مجرد كتاب مدرسي يُحفظ، بل تمتد لتشمل ممارسات المعلم داخل الصف، والأنشطة التربوية، وبيئة المدرسة الحية، والقيم الوجدانية التي تبني شخصية الطالب وتصيغ وعيه، هي الرابطة المعرفية والوجدانية التي تجمع أبناء الوطن الواحد على قيم مشتركة، وتاريخ موحد، وتطلع جمعي نحو المستقبل. وهذا يعني إنه إذا فشلت السياسة في توحيد المؤسسات، فإن المنهج التعليمي الوطني الحقيقي قادر على توحيد العقول والقلوب، وتصفير مخلفات النزاع، ليكون المنهج هو الجسر الذي يعبر به جيل الغد نحو وطن مستقر، آمن، ومتصالح مع ذاته ومستقبله.
##حسين_مرجين (هاشتاغ)
Hussein_Salem__Mrgin#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟