أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حسين سالم مرجين - الجامعات الليبية بين سراب التصنيفات الدولية وأولويات غائبة في زمن الهشاشة















المزيد.....

الجامعات الليبية بين سراب التصنيفات الدولية وأولويات غائبة في زمن الهشاشة


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 8867 - 2026 / 10 / 23 - 13:44
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


تتجلى القيمة الحقيقية للتعليم في قدرته على تزويد المجتمعات بالعقول والمهارات القادرة على قيادة قاطرة البناء وتحقيق الأهداف التنموية المستدامة. فالتعليم، في جوهره، هو الرافعة الأساسية لتعزيز رأس المال الاجتماعي وبناء الوعي الجمعي ورسم الرؤى المجتمعية المشتركة، ومن هنا صحّ القول بأن التعليم الجيد يثمر دولة جيدة.
لكن، في أوقات الحروب والنزاعات، لا يملك التعليم ترف الوقوف موقف المتفرج إزاء مشاهد التفكك والنزوح والاضطرابات. وهنا تحديدًا، تبرز الجامعات كقائدة للمشهد؛ كونها تتعامل مع فئة شبابية وصلت إلى مرحلة متقدمة من الوعي والإدراك والمسؤولية الوطنية.
وفي السياق الليبي، يدفعنا هذا الواقع بالضرورة إلى إعادة تفكيك أدوار ومسؤوليات جامعاتنا، خاصة ونحن نعيش في بيئة ما بعد النزاع التي ما زالت تعاني من هشاشة واضحة في وظائف الدولة وحوكمة مؤسساتها. ومن هنا، يصبح لزامًا على الجامعات أن تتسع أدوارها التقليدية لتشمل الوظيفة الثالثة المتمثلة في المسؤولية المجتمعية، لردم الفجوات التنموية، وإغلاق الثقوب السوداء التي تغذي التشظي وتمزق النسيج الاجتماعي.
وهنا تفرض الأسئلة الحاضرة والمؤجلة نفسها على منظومة الجودة والاعتماد: أين هو الدور الحقيقي للجامعات الليبية في قضايا مجتمعها؟ هل نجحت في الاستجابة لاستحقاقات السلم الأهلي وتخفيف حدة النزاعات والمشاحنات المناطقية والقبلية؟ وهل تحولت مدرجاتها ومراكزها البحثية إلى منصات لإنتاج المعرفة التطبيقية وطرح حلول علمية تلامس الأزمات الهيكلية اليومية للمواطن، كانقطاع الكهرباء، ونقص السيولة، وحالات الانقسام السياسي؟
إننا أمام علامة استفهام كبرى حول ركيزة خدمة المجتمع؛ وهل هي هدف استراتيجي أصيل يتساوى في الوزن النسبي مع هدفي التعليم والبحث العلمي، أم أنها مجرد فرض غائب سقط من حسابات الإدارات المتعاقبة؟
وما يدفعنا لفتح هذا الملف المهم، ليس رفضًا للتصنيفات الدولية كأداة قياس هامة في بيئات الاستقرار، إنما إشكاليتنا تكمن في غياب فقه الأولويات الأكاديمية وسياقية المعايير. حيث نشهد اليوم طفرة مفاجئة في رصد الميزانيات وعقد الاجتماعات المكثفة من أجل اللحاق بركب تلك التصنيفات؛ ذلك الهدف الذي يبدو في ظل واقعنا المعاش نوعًا من الانفصال الأكاديمي والاستعراض المؤسسي الذي ترنو إليه بعض جامعاتنا، منفصلة به عن نبض الشارع وهموم الوطن ومحققة به فخ الفخر الزائف. وحتى في سياق أدبيات الجودة ونظم الاعتماد الأكاديمي الوطني المعمول به، نجد أن محور خدمة المجتمع قد أُقصيَ عن دائرة الاهتمام الفعلي لصالح المؤشرات الكمية والشكلية. إن صناعة المعايير والمؤشرات التعليمية في دول ما بعد النزاع لا يجوز أن تُبنى في أبراج عاجية تحاكي النماذج الغربية المستقرة، بل يجب أن تتوطن وتتشابك مع أهداف المجتمع واحتياجاته الحقيقية عبر تبني مؤشرات قائمة على الأثر المجتمعي.
وهنا نتساءل: كيف يمكن لهذه المعايير أن تساهم في ردم الفجوات وتقليص الثقوب السوداء؟ فالجودة ليست بريقًا تجميليًا للبحث عن وهم التميز، بل هي أداة حاسمة لمعالجة أزمات المجتمع وتحقيق أهدافه الوطنية، من خلال منح وزن نسبي ثقيل وعلامات أعلى لمعايير الاستجابة، والنضج المجتمعي، وصناعة السلم الأهلي.
في بيئات الحروب والصراعات، نحن بحاجة ماسة إلى ما يمكن تسميته معايير ومؤشرات الصمود؛ تلك المعايير الاستثنائية الإجرائية التي لا تقيس ترف النشر العلمي الفاخر، بل تقيس مدى فاعلية خطط الطوارئ المرنة التي تضمن استمرارية العملية التعليمية والتعافي من الأزمات منذ اليوم الأول لاندلاع أي نزاع.
معايير الصمود تعني عمليًا: تفعيل أدوات التعليم الهجين والبديل، وتوفير مصادر طاقة مستقلة ومستدامة، وفتح قنوات الدعم النفسي والتربوي والقانوني للمتضررين، وتحويل الجامعة إلى ملاذ آمن للمجتمع المحيط بها. فهل يُعقل، من منظور علمي أو أخلاقي، أن تمنح نظم التقييم أوزانًا نسبية أعلى لمؤشرات شكلية، في وقت يئن فيه المجتمع من التفكك والانقسامات السياسية والاجتماعية؟
وتستحضرني هنا واقعة تلخص هذه المفارقة الصادمة؛ فعندما أعلن المركز الوطني لضمان جودة واعتماد المؤسسات التعليمية والتدريبية عن نتائج تصنيف الجامعات الليبية، بدت الصورة سريالية إلى حد بعيد. أولى تلك المفارقات، والتي كانت محل انتقادنا المنهجي حينها، تمثلت في فلسفة بناء لجان التقييم ذاتها؛ حيث ضمت اللجنة مسؤولي الجودة بالجامعات أنفسهم، في تضارب مصالح صارخ يضرب مبادئ الحياد والاستقلالية والموضوعية في مقتل، فكيف للمُقيَّم أن يكون حكمًا ومقيمًا في آن واحد؟
أما المفارقة الأشد مرارة، فكانت إعلان تفوق وحصول جامعة على الترتيب الأول، رغم أن مجتمعها المحلي يغرق في أتون الحروب والصراعات والمآسي اليومية! بل إن أعضاء هيئة التدريس في تلك الجامعة المتفوقة كانوا يبحثون عن فرص عمل في جامعات أخرى، وسكان المدينة أنفسهم يفتشون عن أي سبيل للهجرة والنزوح.
إن انتقادنا لتلك النتائج كان صرخة ضد الفلسفة العقيمة للتصنيفات منزوعة السياق التي استنسخت معايير دولية مستقرة وأسقطتها بصورة مشوهة على بيئة مضطربة، ليتحول التصنيف إلى قناع زائف وترف أكاديمي منفصل تمامًا عن الواقع المعاش؛ فالتقييم الحقيقي لنجاح المؤسسة يُقاس بقوة أثرها التنموي والاجتماعي في محيطها، لا بكونه شهادة تفوق ورقية صُدّقت على جثة مجتمع يحتضر.
إن ما دفعني لتفكيك هذه الأبعاد وإعادة طرحها، هو ذلك الحراك المحموم الذي تشهده جلّ الجامعات الليبية والوزارة منذ سنتين وأكثر؛ لدرجة أن الوزارة شكلت لجنة مركزية لمتابعة تصنيف الجامعات. حيث تسابقت الإدارات لتشكيل لجان متخصصة للتصنيفات الدولية، وازدحمت منصاتها الرسمية بأخبار اللقاءات المكثفة مع خبراء محليين ودوليين، متمحورة حول سؤال واحد: كيف نلج إلى مراتب أعلى في التصنيفات الدولية؟
وهنا، أجد نفسي مدفوعًا للعودة سنوات إلى الوراء، لأستحضر مقالة نشرتها في ذات السياق بعنوان: الجامعات الليبية ووهم التصنيفات الدولية. إننا اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، بحاجة ماسة إلى إعادة توجيه البوصلة وتحديد الأولويات الحقيقية، والتحذير من فخ "الانحياز للمؤشرات الرقمية السطحية على حساب الجوهر.
إن جامعاتنا الوطنية التي أنهكتها سنوات الحروب والفوضى المؤسساتية بحاجة ماسة أولًا وقبل كل شيء إلى استراتيجية وطنية لإعادة الإعمار والتعافي الهيكلي، تطال بنيتها التحتية، ومختبراتها العلمية، ومكتباتها، كمتطلب أساسي وحاسم لتوطين بيئة تعليمية حقيقية قبل التفكير في تحسين موقعها الرقمي الافتراضي. وهو الواقع المعاش الذي تجسده بوضوح وأمل تجربتا جامعتي سرت وبنغازي؛ فبعد أن دفعتا ضريبة الحرب من بنيتهما ومقوماتهما الأساسية، وجهتا البوصلة الحقيقية نحو معايير الصمود من خلال التركيز المطلق على إعادة الإعمار والتعافي الهيكلي الشامل. واليوم، نشهد ثمرة هذا التوجه الاستراتيجي في قفزة نوعية حوّلت بنيتهما التحتية والتكنولوجية إلى نماذج متطورة تحاكي جامعات الجيل الخامس. إن هذا التحول الذكي على أرض الواقع هو البوصلة الحقيقية نحو بناء سمعة أكاديمية ومجتمعية أصيلة؛ إذ يثبت بالدليل القاطع أن صعود الجامعات وتميزها لا يأتي عبر استنساخ معايير تصنيف مشوهة ومنفصلة عن الواقع، بل ينبثق من قدرة المؤسسة على إعادة بناء ذاتها من الركام، لتقدم لمجتمعها بيئة معرفية ذكية ومستدامة قادرة على مواجهة أزمات الحاضر وتلبية استحقاقات المستقبل.
إننا بحاجة ماسة اليوم إلى مراجعة شجاعة للمناهج والبرامج الأكاديمية لتواكب العصر، وإلى إعادة صياغة جذرية لعلاقة الجامعة ببيئتها المحلية؛ نريد جامعات تتحول إلى بيوت خبرة وتفكير حقيقية، تُشخّص أزمات المجتمع وتطرح الحلول القابلة للتطبيق.
ومن الضروري هنا، ربط أنشطة أعضاء هيئة التدريس والطلاب ومشاريع تخرجهم بقضايا مجتمعاتهم المحلية برابطة وثيقة؛ لكي تتحول أبحاث التخرج من مجرد ملازم حبر مكدسة على رفوف مغبرة، إلى مشروعات تطبيقية ملموسة تسهم في حل أزمات البلديات المحيطة، من شح سيولة، وانقطاع طاقة، وتفكك اجتماعي. إن المدخل الحقيقي للإصلاح يبدأ من مراجعة معايير ومؤشرات الجودة والاعتماد المحلية، لتصبح أداة صمود حقيقية تسد الثقوب السوداء في جسد الوطن.
وأخيرًا، فإننا لا ننكر أن التصنيفات الدولية قد تكون ذات أهمية في سياقات مستقرة، لكنها قطعًا ليست الأولوية القصوى في دول النزاعات والبيئات الهشة. لقد حان الوقت لإيقاظ الوعي الأكاديمي، وإعادة ضبط البوصلة نحو القضايا والمؤشرات الوطنية الملحة، بدلًا من الركض اللاهث وراء سراب دولي ووهم لا يمنح جامعاتنا في وضعها الحالي سوى فخر زائف، بينما يظل المجتمع غارقًا في أزماته.



##حسين_مرجين (هاشتاغ)       Hussein_Salem__Mrgin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الذكاء الاصطناعي وتحولات البحث السوسيولوجي: نحو سوسيولوجيا خ ...
- أثر مخرجات التعليم في السلوك الاحتجاجي الطلابي : قراءة سوسيو ...
- قياس الأثر في الجامعات العربية: من المنهجية الواحدة إلى مرون ...
- وهم تصنيف ستانفورد: لماذا تحتاج العلوم الاجتماعية في العالم ...
- الذكاء الاصطناعي تسونامي معرفي: مقاربة سوسيولوجية في الإكراه ...
- هل الجامعات العربية مستعدة لجامعات المستقبل؟
- 7 أكتوبر بين الاختزال النفسي والزلزال الجيوسياسي: مراجعة فكر ...
- غابات المشكلات وبذور التحول المؤجل
- كيف هندس نظام التفاهة انهيار مؤسسات الدولة في ليبيا؟
- المناهج التعليمية في ليبيا بين وهم الجودة وسوسيولوجيا التشظي ...
- اغتراب السوسيولوجيا الليبية: عودة إلى سؤال لماذا نكتب في علم ...
- ديناميكيات القوة وسيولة التحالفات في المشهد الليبي بعد عام 2 ...
- سوسيولوجيا الحقل المعرفي في بيئات الهشاشة: صراع الحوكمة والم ...
- إعادة هندسة علم الاجتماع في الجامعات الليبية: المسارات الوظي ...
- قراءة نقديّة في حوكمة المناهج التعليمية الليبية
- من شرنقة المعرفة المريحة إلى سوسيولوجيا الاشتباك: بيان لتثوي ...
- الجودة والاعتماد في المؤسسات التعليمية الليبية : الإشكاليات، ...
- قراءة تفكيكية في الاستراتيجية الوطنية الليبية للشباب (2026-2 ...
- علم الاجتماع في الجامعات الليبية: من شرنقة التدجين المنهجي إ ...
- مؤتمر الخبراء الليبيين: تشتت البوصلة بين خطاب الطموح وواقع ا ...


المزيد.....




- العلماء يتوقعون حدوث عاصفة نيزكية فوق الأرض عام 2099
- خدمة ستارلينك ليست لقتل المدنيين
- البنتاغون يجهز القواعد العسكرية الأمريكية للعمل ذاتيا لفترات ...
- -علينا أن نكمل المهمة التي بدأناها-.. ترامب يطالب الإسرائيلي ...
- لولا دا سيلفا يفوز بولاية رئاسية رابعة في البرازيل
- ترامب يتراجع عن تصريحاته ويشيد بـ-صمود- الشعب الليبي بعد أزم ...
- دميترييف يؤكد أن ماسك يريد السلام وزيلينسكي يريد الحرب والما ...
- مغنية راب كولومبية تدوس على علم إسرائيل وتمسح حذاءها به خلال ...
- -وول ستريت جورنال-: صواريخ حوثية تقتل 75 على الأقل في معسكر ...
- صربيا: فوتشيتش يقر بهزيمته في الانتخابات البرلمانية الحاسمة ...


المزيد.....

- التخطٌط ودوره في استثمار صحراء البصرة لتنمية السياحة البيئي ... / سيف سعد سلمان
- التربية الرقمية للكاتبة د-انتصار الخشت / انتصار كامل جفلان الخشت
- الكنز المخفي / انتصار كامل جفلان الخشت
- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حسين سالم مرجين - الجامعات الليبية بين سراب التصنيفات الدولية وأولويات غائبة في زمن الهشاشة