أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حسين سالم مرجين - وهم تصنيف ستانفورد: لماذا تحتاج العلوم الاجتماعية في العالم العربي إلى إعادة البوصلة المعرفية؟















المزيد.....

وهم تصنيف ستانفورد: لماذا تحتاج العلوم الاجتماعية في العالم العربي إلى إعادة البوصلة المعرفية؟


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 8858 - 2026 / 10 / 14 - 17:50
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


شهدت الأيام الماضية احتفاءً واسعًا في جل الجامعات العربية بنشر تصنيف جامعة ستانفورد لأعضاء هيئة التدريس والباحثين الأكثر تأثيرًا في العالم، وتسارعت الجامعات العربية لإعلان قوائم أسماء علمائها الذين حظيت بحوثهم بأعلى نسب استشهاد. وأمام هذه الظاهرة المتكررة سنويًا، يبرز سؤال إبستمولوجي وسوسيولوجي جوهري: أليس الأجدر بمؤسساتنا العلمية أن تُعيد تقييم أساتذتها وخبرائها بناءً على السياق والمضمون بدلًا من الانسياق وراء الكم والمؤشرات الرقمية الجامدة ؟
إن قراءة هذا المشهد من منظور علم اجتماع تكشف عن ثغرة بنيوية في تعميم هذا النموذج التقييمي؛ إذ إن تصنيف ستانفورد ينجح بشكل مقبول في العلوم التطبيقية مثل الطب، والـهندسة، والـنانو تكنولوجي؛ لأن الاكتشاف المختبري هناك عابر للحدود والثقافات ويقاس بالتراكم الكمي. أما المعضلة الكبرى فتكمن في إسقاط النموذج المختبري على العلوم الإنسانية والاجتماعية وإغفال خصوصيتها الاجتماعية والثقافية فالمعادلة الفيزيائية أو الرياضية تظل صالحة ومطابقة في طرابلس ولندن على حد سواء، بينما النظرية السوسيولوجية المعنية بالأسرة أو الجريمة أو الهوية في بريطانيا لا يمكن إسقاطها كميًا على مجتمع عربي له خصوصيته التاريخية، وبنيته الثقافية، وتحولاته المستقلة.
ونتيجة لهذا التنميط الرقمي المعولم، وقعت البيئات الأكاديمية والبحثية في فخ شبكات الاستشهاد النفعية، حيث يطلب بعض الباحثين من زملائهم أو طلابهم الاستشهاد بأبحاثهم لرفع مؤشراتهم الشخصية، مما يفقد عملية الاستشهاد دلالتها العلمية الحقيقية ويحولها إلى آلية للتربح الأكاديمي والسلعية المعرفية.
كما إن طبيعة الفكر النقدي في العلوم الاجتماعية تصطدم بالضرورة مع البنى المستقرة والأنظمة القائمة. ولو تأملنا تاريخ الفكر الإنساني، وسألنا أنفسنا: حين فكك ابن خلدون آليات العصبية والدولة في مقدمته منتصرًا لتشخيص حركة المجتمع وموجهًا نقده الصريح للحكام وسياقات زمانه، وحين انتقد كارل ماركس النظام الصناعي وعلاقات الإنتاج غير الإنسانية بين المالك والعمال مطالبًا بالثورة على هذا الواقع، هل كانت المؤسسات التعليمية أو السلطوية المعاصرة لهما ستمنحهما جوائز أو تضعهما في صدارة قوائمها؟ الإجابة هي النفي بالتأكيد؛ لأن مشاريعهم النقدية كانت تفكرًا خارج السياق السائد، ولم تكن تبحث عن تراكم عددي للاستشهادات في مجلات دورية تخضع لآليات السوق المعرفي.
وفي سياق علم الاجتماع العربي المعاصر، نجد مفكرين بارزين كتبوا وبحثوا مدفوعين بإيمانهم بضرورة تشخيص الواقع المعاش وتقديم معالجات حقيقية، لا ركضًا خلف الجوائز والتصنيفات. ويعد المفكر الأكاديمي العراقي علي الوردي نموذجًا حيًا؛ فقد عاش حياته يشرّح طبيعة المجتمع العراقي وسلوكه، ورحل عن عالمنا وهو مغضوب عليه من السلطة الحاكمة. وهنا نطرح التساؤل الحرج: لو داهن الوردي السلطة ورضيت عنه، هل كانت كتاباته وأطروحاته ستحتفظ بحضورها الطاغي وحيويتها حتى اليوم؟ الجزم السوسيولوجي يؤكد أن الأمر كان سيختلف تمامًا، وأن أفكاره كانت ستندثر مع اندثار تلك السلطة.
بناءً على هذه المعطيات، يتضح أن سياق التصنيف في العلوم الاجتماعية والإنسانية يتوجب أن يختلف جذريًا عن العلوم التطبيقية والبحوث المختبرية؛ فالعلوم الإنسانية تُقاس بأثرها القيمي والتحويلي في المجتمعات. وحين نتأمل بعض النماذج الدولية كجوائز الأثر الفكري المستقلة، أو حتى بعض الأبعاد في جائزة نوبل برغم ما يوجه للأخيرة من انتقادات سوسيولوجية حادة تتعلق بالمركزية الأوروبية والأدلجة السياسية – نجد أنها تحسب لها ميزة التركيز على الأثر النوعي لعمل فكري واحد مثل كتاب استثنائي أو نظرية فارقة أحدثت تحولًا في الوعي البشري، مقارنة بالعدادات الرقمية الآلية التي تراكم الأوراق بلا أثر زلزالي في الواقع المعرفي.
إن التساؤل الذي يبرز في السطح هنا : ما الذي يجب أن نواجه به تصنيف ستانفورد وأشباهه في حقل العلوم الاجتماعية والإنسانية؟ وهل العلماء والأساتذة الذين احتفت بهم هذه القوائم يملكون أثرًا معرفيًا واجتماعيًا حقيقيًا، أم أن التفوق كان حليف الكم الهائل من البحوث المكررة والتلاعب الذكي في عدادات المؤشرات؟ إن تاريخ العلم يثبت أن كتابًا واحدًا أو دراسة نوعية واحدة قد تملك من الأثر والقدرة على تغيير الوعي البشري ما لا تملكه مائة دراسة كمية صيغت وفق مقاسات خوارزميات التصنيف الحديثة. كما إن النقد الإبستمولوجي لمنظومة المعرفة الغربية يضع الجامعات العربية أمام مسؤولية تاريخية لإنتاج منظومة تقويمية مستقلة تحفز الباحث العربي بعيدًا عن التبعية للمعايير الكمية الجامدة. بالتالي نحن بحاجة اليوم إلى هجرة معرفية نحو ثقافة المعالجات المبنية على الأدلة، التي تقيس قيمة الباحث بمدى إسهامه في حل المشكلات والقضايا المجتمعية المعاشة عبر ثلاثة أبعاد رئيسية:
1. الأثر المجتمعي والتنموي : وهذا يعني ألا يُقاس البحث بعدد من قرأوه، بل بمدى توفيره لمعالجات مبنية على أدلة للمشكلات المجتمعية المعاشة (كقضايا التفكك الأسري، البطالة، الهوية، والتحولات المحلية)، ومدى اعتماد السياسات العامة للدول على هذه النتائج.
2. الأثر التعليمي والتعلمي : وهو يعني قدرة الباحث على توطين المعرفة وتبيئة النظريات العالمية لتناسب خصوصية المجتمع العربي، ومدى أثره في طلابه لبناء جيل جديد من الباحثين القادرين على التفكير النقدي خارج السياق السائد.
3. إنتاج المعرفة النوعية : وهو إعطاء وزن تقويمي ثقيل للدراسات والمؤلفات الفكرية الكبرى (حتى لو كانت دراسة واحدة أو كتابًا واحدًا) التي تُحدث تحولًا في الفهم السوسيولوجي للواقع، بدلًا من تفتيت الأفكار إلى عشرات الأوراق البحثية القصيرة لرفع العداد الشخصي.
وتأكيدًا على حوكمة هذا المؤشر وضمان نزاهته واستدامته، يتوجب صياغة آليات التنفيذ عبر شراكات إستراتيجية موسعة:
• الشراكة والرقابة الدولية والإقليمية: تأسيس المؤشر تحت رعاية وبناء شراكات مع منظمات ومراكز بحثية عربية ودولية مرموقة مثل اليونيسكو، أو المنظمة الدولية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب اتحاد مجالس البحث العلمي العربية، مما يمنحه غطاءً قانونيًا، ومعايير شفافة، واستقلالية كاملة من أي ضغوطات.
• لجان تحكيم مجتمعية مستقلة: تشكيل لجان تقييم مشتركة تضم خبراء في العلوم الاجتماعية مستقلين وصناع قرار ميدانيين من مراكز بحثية غير حكومية لتقييم الأثر العملي والتنموي للبحوث خارج الأسوار الأكاديمية التقليدية.
• المؤشرات البديلة والمنصات الذكية: أهمية تطوير قواعد بيانات ترصد التوظيف الحقيقي للبحث في خطط التنمية، وكم مرة تم اقتباسه في صياغة القوانين أو مناقشته في وسائل الإعلام المحلية، بدلًا من الاعتماد على الاستشهاد الآلي المصطنع.
• توجيه الدعم المستدام: تعزيز ربط الجوائز المادية بالبحوث التي تقدم حلولاً إبداعية ومعالجات حقيقية للأزمات العربية الراهنة، بدعم وتمويل مشترك من الصناديق التنموية الدولية والمحلية لضمان ديمومة المشروع.
أخيرًا ، يمكن القول بإن مراجعة بوصلة البحث العلمي في عالمنا العربي هي ضرورة وجودية؛ فالعلماء الذين تحتاجهم مجتمعاتنا اليوم هم أولئك الذين يتركون أثراً في حياة الناس وعقول الطلبة ويقدمون معالجات مبنية على الأدلة والمؤشرات الميدانية، لا الذين يتصدرون عدادات رقمية في سياقات معولمة لا ترى في المجتمع الإنساني سوى رقم وإحصاء جامد.



##حسين_مرجين (هاشتاغ)       Hussein_Salem__Mrgin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الذكاء الاصطناعي تسونامي معرفي: مقاربة سوسيولوجية في الإكراه ...
- هل الجامعات العربية مستعدة لجامعات المستقبل؟
- 7 أكتوبر بين الاختزال النفسي والزلزال الجيوسياسي: مراجعة فكر ...
- غابات المشكلات وبذور التحول المؤجل
- كيف هندس نظام التفاهة انهيار مؤسسات الدولة في ليبيا؟
- المناهج التعليمية في ليبيا بين وهم الجودة وسوسيولوجيا التشظي ...
- اغتراب السوسيولوجيا الليبية: عودة إلى سؤال لماذا نكتب في علم ...
- ديناميكيات القوة وسيولة التحالفات في المشهد الليبي بعد عام 2 ...
- سوسيولوجيا الحقل المعرفي في بيئات الهشاشة: صراع الحوكمة والم ...
- إعادة هندسة علم الاجتماع في الجامعات الليبية: المسارات الوظي ...
- قراءة نقديّة في حوكمة المناهج التعليمية الليبية
- من شرنقة المعرفة المريحة إلى سوسيولوجيا الاشتباك: بيان لتثوي ...
- الجودة والاعتماد في المؤسسات التعليمية الليبية : الإشكاليات، ...
- قراءة تفكيكية في الاستراتيجية الوطنية الليبية للشباب (2026-2 ...
- علم الاجتماع في الجامعات الليبية: من شرنقة التدجين المنهجي إ ...
- مؤتمر الخبراء الليبيين: تشتت البوصلة بين خطاب الطموح وواقع ا ...
- سوسيولوجيا الحياة اليومية في ظل الأزمات المستدامة: تشريح لآل ...
- تآكل الضبط الاجتماعي في ليبيا: نحو استراتيجية وطنية لترميم ا ...
- عقلية الكدوة: نمط حياة وصنع قيم التضامن والضبط الاجتماعي في ...
- البحث الاجتماعي: من سوسيولوجيا الغوص في الميدان إلى وجبات ال ...


المزيد.....




- دوقة ساسكس تشعر بـ-انزعاج شديد- بعد مزاعم ضد والدها تتعلق بـ ...
- الأردن.. ارتفاع حصيلة قتلى الهجوم على كنيسة الكرك إلى 9
- الدفاع الروسية: استمرار تقدم قواتنا وضرب البنى التحتية في أو ...
- روسيا ترسل 330 طبيبا متطوعا إلى إفريقيا
- موسكو: قرار مولدوفا طرد موظف في السفارة الروسية لن يمر دون ر ...
- الإمارات.. رأس الخيمة ثالث إمارة تغلق شواطئها بعد تسرب نفطي ...
- الجالية الأردنية والعربية في روسيا تستنكر الاعتداء الإرهابي ...
- الحكومة المصرية تحسم الجدل: لا تخفيف لأحمال الكهرباء ولا زيا ...
- العاهل الأردني يوجه بالرد بحزم على -الخوارج- ومن يبرر الإرها ...
- روسيا..ابتكار جيل جديد من المسكنات النباتية


المزيد.....

- التخطٌط ودوره في استثمار صحراء البصرة لتنمية السياحة البيئي ... / سيف سعد سلمان
- التربية الرقمية للكاتبة د-انتصار الخشت / انتصار كامل جفلان الخشت
- الكنز المخفي / انتصار كامل جفلان الخشت
- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حسين سالم مرجين - وهم تصنيف ستانفورد: لماذا تحتاج العلوم الاجتماعية في العالم العربي إلى إعادة البوصلة المعرفية؟