أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - الذكاء الاصطناعي وتحولات البحث السوسيولوجي: نحو سوسيولوجيا خوارزمية نقدية















المزيد.....

الذكاء الاصطناعي وتحولات البحث السوسيولوجي: نحو سوسيولوجيا خوارزمية نقدية


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 8866 - 2026 / 10 / 22 - 12:01
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


تنبثق النظريات الاجتماعية تاريخيًا من رحم التحولات البنيوية العميقة التي تشهدها المجتمعات الإنسانية. وفي ظل الطفرة المتسارعة التي يعيشها المجتمع العلمي الدولي بفعل ثورة الذكاء الاصطناعي، والتي باتت محورًا للعديد من الفعاليات الأكاديمية العابرة للتخصصات، تبرز حاجة ملحّة إلى إعادة التفكير في موقع هذه التقنية داخل حقل علم الاجتماع.
إن هذا التسونامي المعرفي السوسيولوجي يدفعنا إلى تبنّي مسار علمي متقدم يوظّف تقنيات الذكاء الاصطناعي بوصفها أداةً فاعلة للإسهام في بناء نظريات اجتماعية جديدة؛ نظريات تتجاوز الأطر التقليدية، وتفسّر واقعنا الرقمي المعقّد بعمق ودقة أكبر، وتوفّر أدوات منهجية قادرة على تفسير التفاعلات والسلوكيات البشرية المستجدة وفهمها، وربما استشراف بعض مساراتها.
وقد يُفضي هذا التحول إلى مراجعة نقدية واسعة للمتن النظري السوسيولوجي، بكافة مدارسه الكلاسيكية والحديثة. غير أن ذلك لا يعني إزاحة العقل البشري أو إلغاء دور الباحث، بل يستدعي التكامل والتعاون الذي يدمج بين طاقات الآلة وإبداع العقل البشري لإنتاج أثر أكبر؛ وذلك لإعادة صياغة دور الباحث وكفاياته الأساسية، مثل : الملكة التحليلية، والقدرة على استدعاء المعرفة، وتفكيك الظواهر والربط بينها، وقراءة ما بين السطور، وهي مهارات أسهمت في تشكيل إرث مفكرين بارزين؛ بدءًا من ابن خلدون في مقدمته، مرورًا بأوغست كونت وتأطيره ثنائية النظام والتقدم في سياق الاضطراب الذي أعقب الثورة الفرنسية، وصولًا إلى كارل ماركس ونظريته في الجدلية المادية.
في ظل النموذج المعرفي الجديد، يتطور دور الباحث ليصبح سوسيولوجيًا خوارزميًا نقديًا؛ إذ تعمل الخوارزميات الذكية بمثابة نظام توجيه سوسيولوجي (Sociological GPS)، يساعد الباحث على رصد الأنماط والإرهاصات البنيوية بدقة أكبر، فيما تحتفظ الذات البشرية بامتياز التفسير الفلسفي والنقدي. وبناءً على ذلك، لا تعود الخبرة البحثية مقتصرة على القدرة الاسترجاعية التقليدية، بل تتسع لتشمل مهارات التوجيه الاستراتيجي والاستنطاق النقدي للخوارزميات ومخرجاتها.
وهكذا يتضح لنا من التحليل السابق، أن دور (نظام التوجيه السوسيولوجي - Sociological GPS) لا يقتصر على تيسير عملية البحث فحسب، بل يمتد ليسهم في التوليد المشترك لنظريات اجتماعية جديدة، تكون قادرة على تفكيك التفاعلات والسلوكيات البشرية المستحدثة. فالعالم يشهد اليوم تضاعفًا هائلًا في إنتاج العلامات والمعاني الرقمية وتداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ وما يتدفق من خلالها من مشاهد وظواهر سلوكية عابرة للحدود، مما يجعل الإحاطة بها أمرًا متعذرًا على الباحث الفرد أو مراكز البحوث التقليدية، دون الاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي المخصصة لمعالجة البيانات الضخمة.
غير أن هذا التوليد النظري المدعوم آليًا لا يخلو من ثغرات لعل أهمهما تحديين بنيويين. أولهما التحيز الخوارزمي؛ فالخوارزميات ليست كيانات محايدة بالضرورة، وقد تعيد إنتاج التحيزات العرقية والطبقية والجغرافية المتضمنة في البيانات التي دُرّبت عليها. وهذا ما يفرض على السوسيولوجي الرقمي الاضطلاع بدور نقدي في فحص النماذج والبيانات التي تستند إليها، قبل التسليم بمخرجاتها. أما التحدي الثاني، فيتصل بـالأخلاقيات الرقمية وحرمة البيانات؛ وهو ما يستدعي صياغة مواثيق أخلاقية صارمة تكفل احترام خصوصية المستخدمين وحقوقهم الرقمية، وتحول دون توظيف البحث الاجتماعي أداةً للمراقبة أو للهندسة الاجتماعية ذات الطابع الرأسمالي.
بالتالي تفرض هذه التحولات الرقمية المتسارعة مراجعةً نقدية لأدوات التفكير والمنهجيات الإبستمولوجية المستقرة في حقل علم الاجتماع. ولا يعني هذا التطور تلاشي الأطر النظرية أو انفصال الظواهر عن سياقاتها التاريخية، بل يعني إعادة إنتاج تلك السياقات وتكثيفها خوارزميًا؛ فالظواهر الرقمية المستحدثة، على الرغم من تجلياتها الافتراضية، تظل متصلة بجذورها الطبقية والسياسية في الواقع المادي.
وحتى نقرب الصورة أكثر يمكن، من منظور تاريخ العلوم، مقارنة هذا التحول الجذري بمسار تقبّل الآلة الحاسبة في التعليم؛ إذ واجه استخدامها، في بداياته، ممانعةً أكاديمية، ورأى بعض أساتذة الرياضيات أنها قد تُضعف المهارات الذهنية أو تشجع على الاتكالية. لكنها أصبحت اليوم أداةً أساسية تساعد على تجاوز العمليات الحسابية المعقدة، وتتيح توجيه الجهد نحو التفكير الاستراتيجي ومعالجة المسائل الكلية. وبالمثل، قد تتراجع حدة الرفض الأكاديمي الراهن لتقنيات الذكاء الاصطناعي في العلوم الاجتماعية، ليتحول الذكاء الاصطناعي من خانة المهدِّد المعرفي إلى المُمكِّن المنهجي الذي يعيد تشكيل أدوات التحليل والتشخيص السوسيولوجي، مع إبقاء الظواهر متصلة بامتداداتها التاريخية.
ويقودنا تفكيك هذا المثال، سوسيولوجيًا ومنهجيًا، إلى التفكير في نشوء نمط جديد من الأمية البحثية المستحدثة. فكما قد يُعدّ العجز عن توظيف الأدوات الحسابية المتاحة قصورًا في مواكبة متطلبات العمل الرياضي المعاصر، قد يواجه الباحثون في علم الاجتماع تحديًا مماثلًا إذا عجزوا عن إدماج أدوات الذكاء الاصطناعي في مساراتهم البحثية والتفسيرية. ويمكن وصف هذا القصور بالأمية المنهجية الرقمية النقدية، أي العجز عن استخدام هذه الأدوات وفحصها نقديًا في آنٍ واحد.
ويطرح هذا الاستشراف المعرفي تساؤلًا إبستمولوجيًا ملحًّا حول مدى جاهزية الحقل الأكاديمي السوسيولوجي، بمؤسساته ومناهجه الراهنة، لاستيعاب هذا التسونامي المعرفي. ويستدعي ذلك تشخيصًا دقيقًا لمواطن الضعف البنيوية في برامج إعداد الباحثين، وتحديد الفجوات المهارية التي تتطلب معالجةً وتطويرًا، بما يضمن مواكبة التحولات المنهجية والتعامل مع الآلة بكفاءة، من دون الارتهان لمخرجاتها.
وحاصل القول إذن، أن الحقل الأكاديمي سيغدو مطالبًا بمراجعة مناهج علم الاجتماع، وتعزيز الدراسات البينية بالتعاون مع علوم الحاسب، واستحداث مسارات ومقررات دراسية مشتركة، إلى جانب فتح قنوات حوار بنّاءة مع خبراء الذكاء الاصطناعي لتطوير برمجيات وخوارزميات سوسيولوجية متخصصة ومستنيرة أخلاقيًا.
بالتالي قد يفضي هذا التحول إلى صراع بين نماذج معرفية ومواجهة مؤقتة بين أنصار المناهج التقليدية والداعين إلى النموذج الرقمي المستحدث. غير أن مآلات هذا الصراع ستتوقف على قدرة الحقل الأكاديمي على تقييم الأدوات الجديدة وتوظيفها توظيفًا نقديًا ومسؤولًا، لا على افتراض انتصارها الحتمي. ومن شأن هذا التوظيف أن يعزز إمكانات الرصد والتشخيص والتحليل والتفسير النظري، وصولًا إلى بناء تصورات استشرافية ومعالجات للمشكلات المجتمعية المستحدثة. إن هذا الإطار يضمن التوازن الدقيق بين قدرة الآلة على معالجة البيانات الضخمة، وحصافة العقل البشري في التوجيه والنقد والتفكيك. وسواءٌ قَبِل البعض بوجهة النظر هذه أم لم يقبل، فمن المؤكد أن هناك تسونامي معرفيًا سوسيولوجيًا حقيقيًا يزحف نحونا، ولكنه لكونه يتحرك تدريجيًا، فإنه لم يلفت الانتباه إليه بالشكل المطلوب.



##حسين_مرجين (هاشتاغ)       Hussein_Salem__Mrgin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أثر مخرجات التعليم في السلوك الاحتجاجي الطلابي : قراءة سوسيو ...
- قياس الأثر في الجامعات العربية: من المنهجية الواحدة إلى مرون ...
- وهم تصنيف ستانفورد: لماذا تحتاج العلوم الاجتماعية في العالم ...
- الذكاء الاصطناعي تسونامي معرفي: مقاربة سوسيولوجية في الإكراه ...
- هل الجامعات العربية مستعدة لجامعات المستقبل؟
- 7 أكتوبر بين الاختزال النفسي والزلزال الجيوسياسي: مراجعة فكر ...
- غابات المشكلات وبذور التحول المؤجل
- كيف هندس نظام التفاهة انهيار مؤسسات الدولة في ليبيا؟
- المناهج التعليمية في ليبيا بين وهم الجودة وسوسيولوجيا التشظي ...
- اغتراب السوسيولوجيا الليبية: عودة إلى سؤال لماذا نكتب في علم ...
- ديناميكيات القوة وسيولة التحالفات في المشهد الليبي بعد عام 2 ...
- سوسيولوجيا الحقل المعرفي في بيئات الهشاشة: صراع الحوكمة والم ...
- إعادة هندسة علم الاجتماع في الجامعات الليبية: المسارات الوظي ...
- قراءة نقديّة في حوكمة المناهج التعليمية الليبية
- من شرنقة المعرفة المريحة إلى سوسيولوجيا الاشتباك: بيان لتثوي ...
- الجودة والاعتماد في المؤسسات التعليمية الليبية : الإشكاليات، ...
- قراءة تفكيكية في الاستراتيجية الوطنية الليبية للشباب (2026-2 ...
- علم الاجتماع في الجامعات الليبية: من شرنقة التدجين المنهجي إ ...
- مؤتمر الخبراء الليبيين: تشتت البوصلة بين خطاب الطموح وواقع ا ...
- سوسيولوجيا الحياة اليومية في ظل الأزمات المستدامة: تشريح لآل ...


المزيد.....




- مسؤول بإدارة ترامب يلمح مازحًا إلى تعيين نيكي ميناج متحدثة ب ...
- -لن يفلت أي متورط-.. الأردن يكشف تفاصيل القبض على منفذي -هجو ...
- موسكو.. انطلاق منتدى -روسيا - إفريقيا- الإعلامي برعاية RT
- -يسرائيل هايوم- تكشف عن مسار تهريب مزعوم للأسلحة من مصر إلى ...
- إسرائيل تترقب تحركات الجيش المصري الشمالي
- اجتماع غير عادي في طهران يجمع إيران بدول -اتفاق مكة-.. ماذا ...
- إعلام إسرائيلي يتحدث عن خلاف حاد بين نتنياهو وزامير بشأن توج ...
- المكسيك: موكب كاترينا مبهر بألوانه يعيد الموتى إلى الحياة
- من -دولة قذرة- إلى -شعب صامد-.. ترامب يتراجع عن تصريحاته بشأ ...
- مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي: ترامب ونتنياهو قادران على إس ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - الذكاء الاصطناعي وتحولات البحث السوسيولوجي: نحو سوسيولوجيا خوارزمية نقدية