حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)
الحوار المتمدن-العدد: 8860 - 2026 / 10 / 16 - 11:43
المحور:
التربية والتعليم والبحث العلمي
صدر عن منتدى الشبكة العربية لضمان جودة التعليم العالي الذي عقد بالدوحة خلال الفترة من 7 إلى 8 أكتوبر 2026، جملة من التوصيات الختامية التي ركزت في جوهرها على أهمية التحول الرقمي في التعليم الجامعي، وحوكمة الذكاء الاصطناعي، والانتقال من منطق الامتثال الشكلي إلى قياس الأثر الفعلي. ورغم ما تحمله هذه التوصيات من مواكب للتحولات العالمية، إلا أن القراءة السوسيولوجية المعمقة لمتنها تكشف عن إشكالية بنيوية يمكن تسميتها بفرضية الاستقرار الكوني، ونعني بها ذلك الاعتقاد الواهم والمنفصل عن الواقع، الذي يتعامل مع الأوضاع في الجامعات العربية وكأنها مستقرة وتعيش في سلام تام، دون أي مراعاة لوجود دول عربية تعاني من ويلات النزاعات المسلحة، أو تمر بمراحل حرجة ما بعد الحرب لإعادة بناء مؤسساتها. وهذا يعني ببساطة شديدة إن التوصيات، في صيغتها الراهنة، انطلقت من فضاءات جغرافية وسياسية مستقرة، وصيغت بعيون الطمأنينة العربية، وكأن الواقع العربي كله يعيش في استقرار وسلام، متناسية أن جغرافيا التعليم العالي في المنطقة العربية مشطورة إلى نصفين: نصف ينعم بالاستقرار المادي والسياسي، ونصف آخر يرزح تحت وطأة النزاعات المسلحة، والتشظي المؤسسي، والتحولات العنيفة لما بعد الحرب، كما هو الحال في ليبيا، واليمن، والسودان، وسوريا.
هنا يبرز الاغتراب المعرفي والإجرائي؛ إذ كيف يمكن لجامعات تعاني من انقطاع الكهرباء، ونزوح الكوادر، وتدمير البنى التحتية، وتسييس الفضاء الجامعي، أن تلتفت إلى حوكمة الذكاء الاصطناعي التوليدي أو معايير الرفاهية الأكاديمية؟ كما إن إخضاع هذه الدول لذات المسطرة التقويمية المستقرة لا يعد إجحافًا علميًا فحسب، بل هو تكريس للعزل الأكاديمي لهذه المؤسسات. وهذا يدفعنا إلى القول بإن ما تحتاجه فضاءات النزاع وما بعد النزاع ليس معايير جودة مستعارة من سياقات الرفاه والاستقرار، بل حاجتها ماسة إلى ما يمكن تسميته بمؤشرات الصمود الأكاديمي. وهذا يدعونا بالضرورة إلى القول بإن الجودة في بيئات الهشاشة يجب أن تُعاد صياغتها فلسفيًا وإجرائيًا، عبر أدلة ديناميكية تتضمن مؤشرات قابلة للقياس الكمي والكيفي، وأبرزها:
• مؤشر مرونة التحول البنيوي الكارثي: وهو قدرة الجامعة على نقل العملية التعليمية من النمط الحضوري إلى نمط بديل منخفض التكلفة في غضون 48 ساعة مثلا عند حدوث خروقات أمنية.
• مؤشر استبقاء الرأس المال البشري الأكاديمي: ويقيس مدى قدرة المؤسسة على توفير بيئات دعم أمني ونفسي ومادي كفيل بالحد من هجرة العقول التدريسية والبحثية في فترات الأزمات.
• مؤشر السيادة الرقمية وحفظ الذاكرة الأكاديمية: ويقيس مدى متانة البنية السحابية في حفظ وثائق الطلبة وسجلاتهم التاريخية وحمايتها من التلف والضياع المادي المباشر نتيجة للحروب.
وهذه المؤشرات تعني بالضرورة الحاجة إلى أدلة تضمن الحد الأدنى من الكفايات التعليمية، وتجعل من الصمود البنيوي المعيار الأول للاعتماد الأكاديمي.
وفي سياق متصل، تستوقفني هنا واقعة معاصرة بالغة الدلالة والمغزى الجيوسياسي والمعرفي؛ إذ تحشد الصين اليوم في محفل علمي استثنائي قرابة الألف خبير في علم الرياضيات المرتبط بالذكاء الاصطناعي، في مهمة محددة بوضوح وهي : مراجعة علم الرياضيات وتطوير حلول عملية وتطبيقية فورية. هذا النموذج الصيني يمثل ذروة الواقعية المعرفية، حيث العلم هو أداة حركية تُهندس محلياً لحل مشكلات واقعية قائمة على الأدلة، وقابلة للتطبيق المباشر.
وأمام هذه التجربة المتميزة يطرح سؤال سوسيولوجي ومعرفي مهم : لماذا لا تكون لقاءات خبراء الجودة وضمانها في التعليم العالي بالمنطقة العربية شبيهة بهذه اللقاءات الديناميكية؟ لماذا تغيب الروح الواقعية (البراغماتية) عن مؤتمراتنا لتتحول إلى محافل تكرس الاغتراب المعياري؟
لذلك فلعله من المفيد القول إن صياغة أطروحة عربية عميقة حول الجودة والاعتماد تتطلب، قبل كل شيء، مراجعة وتحليلًا لبنيوية البيئة التعليمية العربية بشفافية ونزاهة صارمة، بعيدًا عن تقارير التجميل المؤسسي والامتثال الشكلي. هذه النزاهة تفرض علينا مكاشفة حقيقة بدون طلاء بأن سياقاتنا التعليمية والسياسية متباينة تعقيدًا وهشاشة، ولا يمكن تسييرها بأدلة موحدة.
وهنا تبرز مفارقة خطيرة تتعلق بالهيمنة المعرفية؛ ففي معظم مؤتمرات الجودة الإقليمية، تتبدى فجوة حادة وصادمة، عندما يقف المتحدث الغربي مستعرضًا تجارب بلاده ونماذجه الجاهزة. إن ما يحدث غالبًا ليس تبادلًا معرفيًا متكافئًا، بل هو نمط من فرض المفاهيم وإسقاطها القسري على بيئات ومؤسسات تعاني من فقر بنيوي مركب. ومع إيماننا التام بأن تبادل الممارسات والخبرات الدولية أمر حيوي لتضييق الفجوات المعرفية بين الشرق والغرب، إلا أن الصورة الحالية لهذه اللقاءات تكرس التبعية بدلًا من التكافؤ، وتنتج اعتمادًا شكليًا ينتهي مفعوله بانتهاء زيارة المراجع الخارجي. بالتالي يتوجب إن يكون هدفنا تأسيس شراكة نديّة قائمة على التكافؤ، تضمن وصول الجامعات العربية إلى الموثوقية العالمية، ولكن من بوابة الخصوصية والسياقات العربية المتباينة، تمامًا كما نجحت في ذلك دول شرق آسيا. وهذا ما يفسر أن بنية الأداء لأغلب الجامعات العربية لم تتغير؛ لا من الداخل ولا من الخارج. وتكمن المفارقة السوسيولوجية اللافتة للانتباه هنا، في أن الخبرات الغربية التي فرضت مفاهيمها ومؤشراتها، لم تسعَ يومًا إلى منح الجانب العربي منزلة الشريك الحقيقي في بناء هذه المعايير والمؤشرات. والأهم من كل ذلك، أننا لم نكن ندري ما وجهة تلك المعايير والمؤشرات، ولا إلى أين تقودنا في نهاية المطاف.
وفي هذا السياق، وقبل أكثر من سنتين، وخلال محفل أكاديمي جمعني بأحد رؤساء هيئات ضمان الجودة والاعتماد العربية، استعرض الأخير عرضًا مرئيًا يتناول مراحل تطبيق الجودة في جامعات دولته، مبيّنًا أن عمر هذه الهيئة قد تجاوز العشرين عامًا. حينها، لم أملك إلا أن أواجهه بأسئلة سوسيولوجية جوهرية: هل يكفي الاعتماد لذاته؟ وماذا بعد نيله؟ وأين هو الأثر الفعلي الملموس لهذا الاعتماد على أرض الواقع؟
إن هذه التساؤلات المهمة تدفعنا بالضرورة اليوم إلى مراجعة حقيقية لمعايير ومؤشرات الجودة، والاعتماد، وبشكل خاص منهجية قياس الأثر؛ إذ يتوجب علينا صياغة منهجية وطنية وعربية مستقلة، تبتعد عن قوالب القياس الغربية الجاهزة. وحتى نُقرّب المعنى أكثر، يمكننا الإشارة إلى أن المعيار الحقيقي للجودة اليوم لم يعد يكمن في مجرد وجود تلك الصياغات اللفظية الأنيقة للرؤية والرسالة والقيم المعلقة على جدران الجامعات؛ بل في التمحيص الشفاف حول: هل هناك أثر حقيقي وملموس لرسالة المؤسسة داخل أسوار الجامعة وخارجها؟
وعلى هذا النحو، فإن التحدي الأكبر يكمن في استمرار الاعتقاد بأن مؤشرات قياس الأثر الأكاديمي موحدة وثابتة، مما يؤدي إلى عدم الاعتراف بالتباينات السوسيولوجية والتنموية بين مجتمع وآخر. وهذا يعني إذن، أن مفهوم الأثر يجب أن يختلف جذريًا من جامعة إلى أخرى؛ وذلك عبر توحيد المنهجية العامة للقياس، مع تغيير الأوزان النسبية والمستهدفات لتناسب سياق كل مجتمع وظروفه،حتى داخل الدولة الواحدة. وللمزيد من الإيضاح وتقريب الصورة؛ فإن جامعة تقع في الجنوب الليبي، على سبيل المثال، تعيش في بيئة ذات طبيعة جغرافية واقتصادية واجتماعية خاصة؛ ولذلك يتوجب أن يُقيّم أثرها بأوزان تفضيلية تمنح الثقل الأكبر (بنسبة 50% مثلًا) لبُعد خدمة المجتمع، والتنمية المكانية، وحل النزاعات المحلية ورأب الصدع المجتمعي. وفي المقابل، نجد أن جامعة مستقرة في الشمال الليبي يرتكز وزنها التقويمي الشامل على الابتكار المعرفي، والإنتاج البحثي، ومواءمة أسواق العمل ومتطلبات التنمية.
من هذا المنطلق، يجب أن ترتبط الجودة بمدى مساهمة الجامعات العربية في تحقيق الأهداف والاستراتيجيات الوطنية. وهنا قد يتبادر سؤال حرج: كيف ترتبط الجامعة بخطة وطنية في دول تعاني من تفكك أو نزاعات أو غياب هذه الخطط أصلاً؟ إن الإجابة السوسيولوجية تفرض هنا تبني إستراتيجية البناء الصاعد من الأسفل؛ ففي غياب الخطط المركزية للدولة، تتحول الجامعة من مُنفّذ تابع إلى مُنتج استباقي ومُهندس للخطط المحلية، حيث تقود بالتعاون مع البلديات والمجتمع المدني صياغة أولويات البقاء والتنمية المكانية، وتُنال جودتها واعترافها بناءً على هذا الدور الريادي البنيوي. فإذا ابتعدت الجامعات وعُزلت عن هذه الخطط والمسؤوليات، فمن ذا الذي سينفذها إذن؟
تأسيسًا على ما تقدّم، فإن الأمر لم يعد يحتمل التمحيص النظري المستمر، بل هو دعوة عربية مُلحّة لإطلاق لقاءات تحاورية ومناقشات عربية-عربية جادة، تبحث في هندسة منهجية وطنية لقياس الأثر؛ محاكاةً لتلك الروح الواقعية الصينية التي حشدت خبراءها لإيجاد حلول من صلب واقعهم. وفي هذا السياق الاستراتيجي، يأتي اللقاء التحاوري المزمع عقده هذا الأسبوع لمناقشة هذا الملف المهم، وتفكيك معضلة ما بعد الاعتماد والتصنيف عبر طرح منهجية قياس مؤشرات حقيقية وجديدة لقياس الأثر الأكاديمي والتنموي.
وهنا يجب أن نرسخ قناعة معرفية حاسمة: إن قياس الأثر لا يعني أبداً أنه مرحلة تالية أو ترفية تأتي بعد نيل شهادات الاعتماد وبلوغ مراتب التصنيف؛ بل إن الأثر هو البداية الجديدة والركيزة الأولى التي يجب أن تُبنى عليها فلسفة التعليم العالي برمتها. إننا بحاجة إلى إعادة ترميز للمنظومة التعليمية، بحيث نركز على أثر نوعي محدد وموجّه، يُشكل البوصلة الحقيقية الكبرى لكل من: عمليات التعليم والتعلم، الإنتاجية في البحث العلمي، والمساهمة الحركية في خدمة المجتمع.
ونختم هذه المقالة بالإشارة إلى إن اللقاء المرتقب هذا الأسبوع نرجو أن يكون نقطة تحول مهمة تضع حدًا للاغتراب المعياري والتبعية المعرفية. إنها دعوة لصياغة أدلة عمل عربية قائمة على الأدلة، تعيد صياغة مفهوم الجودة ليكون مرادفًا للصمود والتنمية الفاعلة، لتصبح الجامعات العربية محركات نهضة حقيقية تصنع واقع مجتمعاتها، ولا تكتفي بمراقبته من وراء زجاج المعايير المستوردة.
##حسين_مرجين (هاشتاغ)
Hussein_Salem__Mrgin#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟