أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - هيثم ضمره - في هجومهم على الأردن… قتلوا محمد














المزيد.....

في هجومهم على الأردن… قتلوا محمد


هيثم ضمره

الحوار المتمدن-العدد: 8869 - 2026 / 10 / 25 - 02:37
المحور: الارهاب, الحرب والسلام
    


تأخرت قليلا في كتابة هذا المقال. كنت يومها على بعد نحو ثلاث ساعات بالسيارة من بيتي في كندا، وعائلتي إلى جانبي، أستمع إلى الأخبار كعادتي في الطريق. سمعت الخبر، لكنني لم أستوعب في اللحظة الأولى حجم ما حدث.

توقفت على كتف الطريق السريع، وفتحت هاتفي. بدأت أبحث بين الأخبار والصور والمقاطع، ثم رأيت صورة لصديقي أمجد الحباشنة ممددا على سرير في المستشفى، وآثار الدم ظاهرة عليه. لم أكن أعرف تفاصيل ما جرى له.

أمجد رفيق الكلمة والموقف، واعتدت أن أجد نفسي متفقا معه في شؤون الوطن. لكنني، في الليلة السابقة للحادثة، كنت قد كتبت له تعقيبا طرحت فيه رأيا ربما اختلف عن طرحه، ولم يكن قد رد عليه بعد. حين رأيته، قلت في نفسي: «يا رب ما يصير له إشي». ثم بدأت ألوم نفسي: هل ضايقه كلامي؟ هل كان زعلان مني؟ خفت أن يبقى ذلك التعقيب آخر كلام مني إليه.

لم أستطع أن أتمالك نفسي. بكيت على أمجد، وبكيت على الوطن، وبكيت على أبرياء جاؤوا ليواسوا أهل فقيدة، فصار أهلهم بحاجة إلى من يواسيهم. بكيت على لحظة الغدر نفسها؛ لحظة لا أتمناها لأحد، حتى لو كان عدوي. وفي الغربة، بين المسافات وفارق التوقيت، كنت أبحث عن خبر يطمئنني، وشعرت بالعجز يومها، ربما لأنني بعيد.

تلك الرصاصات أصابتنا نحن الأردنيين جميعا. أصابت وجداننا وأعصابنا، وأوجعت قلوبنا.

ومن الذين فقدناهم في هذه الحادثة الإرهابية طبيب الأسنان محمد القسوس، الذي عرفه أهل الزرقاء بـ«طبيب الفقراء»، لما قدمه من علاج ومساعدة للمحتاجين. كان مسيحيا، واسمه محمد، كما سماه أهله. لم يكن يخفي ديانته، لكن الناس عرفته بطبه ومواقفه وخدمته لهم، وربما لم يخطر ببال بعضهم أن يسأل عن معتقده أصلا. هكذا قد تعرف الإنسان سنوات في الأردن، ولا تسأله عن دينه.

وصادف أن كان محمد بين المعزين في كنيسة حمود بالكرك حين هاجمها الإرهابيون. كما اعتاد أن يخفف آلام الناس في عيادته، جاء يخفف عن أهل الفقيدة مصابهم. وهناك أصابه رصاص الغدر؛ وكأن الوجع الذي أمضى عمره يخففه عن الآخرين استقر هذه المرة في جسده. ورحل متأثرا بجراحه. ويا للمفارقة، قتلوا محمد، وقتلوا غيره من المعزين.

هؤلاء هاجموا الأردن. هاجموا بيت عزاء أردنيا على أرض أردنية، في بيت عبادة أردني، والمعزون فيه أردنيون. وصادف أن كان بيت العبادة كنيسة. وكان المصاب مصاب وطن كامل. هذه هي الصورة التي أراها، ولهذا أرفض أن نحصر الجريمة في حديث عن مسلم ومسيحي. الرصاص أطلق على أردنيين آمنين، اجتمعوا ليقفوا إلى جانب أهل فقيدتهم، فأصابهم وأصاب الوطن كله.

ومن يعرف الأردن يعرف أن المشيعين والمعزين لا تجمعهم ديانة واحدة بالضرورة. يذهب المسلم إلى عزاء صديقه المسيحي، ويقف المسيحي إلى جانب جاره المسلم. يجتمع أهل القرية، والأصدقاء، وزملاء العمل، والأقارب. هذا ما نعرفه في بيوتنا، وما تربينا عليه.

وحين أسمع بعد ذلك حديثا عن «التعايش»، أتوقف عند الكلمة نفسها. سأعطي مثالا قريبا مني، عن صديقي جمال الحدادين. تخيلت نفسي أذهب إليه وأقول: «والله يا جمال، أنا بدي أتعايش معك».

ثم سألت نفسي: كيف أقول له ذلك، وكأنني أفسح له مكانا في بلدي؟ أفكر في تاريخ عائلته، وفي روايات نسب الحدادين التي تربط أصولهم بالغساسنة، العرب المسيحيين الذين يعود تاريخهم إلى ما قبل الإسلام. هو في بلده، كما أنا في بلدي. وجود أي منا لا ينتظر قبول الآخر.

حين أتحدث عن جمال، وعن المسيحيين في الكرك، أتحدث عن أهل البلد، وعن أصدقاء وجيران وعشائر لها تاريخها في هذه الأرض. ولهذا تبدو لي كلمة «التعايش» مجحفة بحقهم، وكأننا غرباء اجتمعنا في مكان، ونبحث عن طريقة ليتقبل بعضنا بعضا.

أما دوافع المرتكبين ومن يقف وراءهم، فهذه أمور يجب أن تكشفها التحقيقات. ما نعرفه كاف لاتخاذ موقف واضح: جريمة ارتكبت بحق أبرياء كانوا يحملون وجع الفقد، فجاء من أضاف إلى حزنهم حزنا، وإلى فقدهم فقدا آخر. وأي شعار يرفعه أصحاب هذه الجريمة لا يمنحهم عذرا.

وموقفنا يجب أن يظهر في حياتنا اليومية: أن ننبذ المرتكبين، وكل من يثبت أنه يمول جريمتهم أو يحرض عليها أو يؤويهم، وكل من يبارك قتل الأبرياء ويبرره. نرفض التعامل معهم، ونمنع عنهم الغطاء الاجتماعي، وتكون محاسبتهم بموجب القانون.

رحم الله شهداءنا، وشفى مصابينا، والحمد لله على سلامتك يا رفيق أمجد، وسلامة كل من نجا من تلك اللحظات.

فقد الأردن في هذه الجريمة مجموعة من خيرة أبنائه. ونحن نقول إننا نفدي الوطن بأبنائنا، وأنا أتمنى أن أقدم له ابنا يكبر على محبته، ويحمل نصيبه من المسؤولية تجاهه. لعل ابني تيمور يكون أهلا لهذه المسؤولية، ويواصل شيئا من الخير الذي تركه من فقدناهم.

ولهذا أتمنى أن أعمده في كنيسة حمود نفسها، في هذا المكان المبارك الذي استهدفه الغدر. أريده أن يعرف، حين يكبر، أين تعمد ولماذا، وأن يكون في حياته وفاء لهذا الوطن ولأبنائه الذين فقدناهم.



#هيثم_ضمره (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- متى نخلص من هذه العنتريات؟
- قاموس لا يُدرَّس
- سوفياتيات (1): ذيب! ذيب!
- حين يأتي الإدمان متعطّرًا
- البيض الكندي
- من امتحان التعبير إلى «الحلم الكندي»
- يا سيد ترامب… أمسك الخريطة وتعال
- ما اختار الكاتب أن يكتبه
- المشروب الأسود
- سنة أو سنتين اغتراب
- عيد العمال… إلا العمال
- الحياة البرية الكندية
- دعم فني
- قاضم الشعير
- أخيرًا قال الكندي: No
- الذئب بدون مخالب
- عندما يغضب الكندي
- Easy, Man — هوّنها يا رجل
- اقتصاد القبو
- الرجل القابض على دينه… حين تتحول القبضة إلى لكمة


المزيد.....




- العلماء يتوقعون حدوث عاصفة نيزكية فوق الأرض عام 2099
- خدمة ستارلينك ليست لقتل المدنيين
- البنتاغون يجهز القواعد العسكرية الأمريكية للعمل ذاتيا لفترات ...
- -علينا أن نكمل المهمة التي بدأناها-.. ترامب يطالب الإسرائيلي ...
- لولا دا سيلفا يفوز بولاية رئاسية رابعة في البرازيل
- ترامب يتراجع عن تصريحاته ويشيد بـ-صمود- الشعب الليبي بعد أزم ...
- دميترييف يؤكد أن ماسك يريد السلام وزيلينسكي يريد الحرب والما ...
- مغنية راب كولومبية تدوس على علم إسرائيل وتمسح حذاءها به خلال ...
- -وول ستريت جورنال-: صواريخ حوثية تقتل 75 على الأقل في معسكر ...
- صربيا: فوتشيتش يقر بهزيمته في الانتخابات البرلمانية الحاسمة ...


المزيد.....

- حين مشينا للحرب / ملهم الملائكة
- لمحات من تاريخ اتفاقات السلام / المنصور جعفر
- كراسات شيوعية( الحركة العمالية في مواجهة الحربين العالميتين) ... / عبدالرؤوف بطيخ
- علاقات قوى السلطة في روسيا اليوم / النص الكامل / رشيد غويلب
- الانتحاريون ..او كلاب النار ...المتوهمون بجنة لم يحصلوا عليه ... / عباس عبود سالم
- البيئة الفكرية الحاضنة للتطرّف والإرهاب ودور الجامعات في الت ... / عبد الحسين شعبان
- المعلومات التفصيلية ل850 ارهابي من ارهابيي الدول العربية / خالد الخالدي
- إشكالية العلاقة بين الدين والعنف / محمد عمارة تقي الدين
- سيناء حيث أنا . سنوات التيه / أشرف العناني
- الجدلية الاجتماعية لممارسة العنف المسلح والإرهاب بالتطبيق عل ... / محمد عبد الشفيع عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - هيثم ضمره - في هجومهم على الأردن… قتلوا محمد