أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - هيثم ضمره - البيض الكندي














المزيد.....

البيض الكندي


هيثم ضمره

الحوار المتمدن-العدد: 8841 - 2026 / 9 / 27 - 10:06
المحور: كتابات ساخرة
    




في السوق الكندي، لا توجد سلعة واحدة.

توجد أربع عشرة نسخة من السلعة نفسها.

خذ البيض مثلًا.

بيض عادي.
بيض عضوي.
بيض أوميغا 3.
بيض من دجاج يأكل الحبوب.
بيض من دجاج يأكل العشب.
بيض من دجاج يتمشى في الخارج.

وبينما أقف أقرأ المكونات والسيرة الذاتية للدجاج، تقف زوجتي على بُعد خطوات مني وقد نفد صبرها.

هي غير مقتنعة بكل هذا.

تقول إن أمها، التي عملت في مؤسسة غذائية أيام الاتحاد السوفييتي، كانت تردد:

— الذي يتغير هو الغلاف فقط.

زوجتي مقتنعة بهذه النظرية تمامًا.

أنا لا.

أنا رجل مثقف.

أمسك الكيس، أقلبه، وأقرأ ما على ظهره.

نسبة السكر.
السعرات.
الدهون.
الألياف.
بلد المنشأ.

وهنا بدأت أخاف أن أعود إلى بلادنا يومًا وأدخل إلى البقالة.

أقول لصاحب المحل:

— عندك رز؟

فيخرج لي شوالًا أبيض.

لا اسم شركة.
لا جدول سعرات.
لا نسبة سكر.
لا بلد منشأ.

يفتح الشوال، يدخل فيه المكيال، ويسأل:

— قديش بدك؟

هنا يبدأ الرعب الحقيقي.

لأنني، للأسف، بدأت أتحول إلى كندي.

أحسب السعرات والسكر والبروتين، وأقرأ الملصق الغذائي. وأحيانًا أرفع الكيس أمام الضوء وكأنني أراجع عقد شراء منزل.

مع أنني في بلادنا لم أكن أحسب شيئًا…

وكنا بخير.

نأكل.
نشرب.
ننام.

ولا أحد يسأل عن عدد غرامات الكربوهيدرات التي دخلت جسمه اليوم.

أما هنا…

فتحسب السعرات.

وتقف على الميزان.

بعد الحمام.
قبل الحمام.
بعد الأكل.
قبل الأكل.
بعد شرب الماء.
وفور استيقاظك من النوم.

وفي النهاية…

يزيد وزنك.

وهنا تبدأ بالشك في أن الميزان نفسه يأكل من وراء ظهرك.

لكن الذي حيّرني أكثر كان جاري مايكل.

ذهبت معه مرة للتسوق.

دخل السوبرماركت بكل ثقة.

يمشي.
يمد يده.
يأخذ سلعة.
يلقيها في العربة.
ويتابع سيره.

لا يقرأ.
لا يقارن.
لا يقلب الكيس.

وكأنه يعرف البضائع بالاسم.

أما أنا، فأقف أمام الرف.

أقرأ الأول.
ثم الثاني.
ثم أعود إلى الأول.

ثم ألاحظ منتجًا آخر، فقط لأن بطاقة السعر تحته صفراء.

والأصفر هنا يعني عادة أنك ستدفع أقل.

أحيانًا أخرج من الممر ولم أقرر بعد ماذا أريد.

لكنني أعرف تاريخ المنتج كاملًا.

ثم جاءني يومًا ضيف.

وقررت أن أريه أنني اندمجت في كندا.

لا أقول إنني أصبحت كنديًا بالكامل…

لكن على الأقل، يعود الرجل إلى بلده مقتنعًا بأنني أفهم هذا البلد.

اصطحبته إلى وولمارت.

ووولمارت في كندا ليس للتسوق فقط. هو أيضًا مكان للنزهة، خصوصًا عندما يكون الجو في الخارج باردًا.

قلت له:

— نتمشى، ونحكي، ونتسوق. ثلاثة بواحد.

وصلنا.

وكان أول امتحان:

عربة التسوق.

وضعت العملة المعدنية وحاولت أن أسحب العربة.

لم تخرج.

سحبت مرة ثانية.

لا شيء.

حاولت أن أستعيد العملة.

لم تخرج هي…

ولم تخرج العربة.

وكأن الاثنتين اتفقتا عليّ.

ابتسمت أمام ضيفي ابتسامة صفراء وقلت:

— يمكن تجمدت من الثلج.

كان عليّ أن أقول أي شيء يحفظ ما تبقى من صورة المهاجر المندمج.

فتشت في جيبي عن عملة ثانية.

واحدة أكبر.
وأخرى أصغر.

ولا واحدة منهما هي المطلوبة.

مدّ ضيفي يده إلى جيبه، وأخرج عملة. وضعها في العربة المجاورة وسحب.

خرجت فورًا.

نظرت إليه.

ثم إلى عملتي المحتجزة.

ولم أقل شيئًا.

دخلنا.

وقلت في نفسي:

هنا سأعوّض إخفاقي مع العربة.

بدأت أتصرف مثل مايكل.

أمد يدي.
ألتقط السلعة.
ألقيها في العربة.
وأواصل حديثي مع الضيف.

لا قراءة.
لا مقارنة.
لا تردد.

أبدو كنديًا محترفًا.

عند صندوق الدفع، كانت الفاتورة أعلى من المعتاد.

قلت:

— مش مشكلة.

الضيف يأتي مرة واحدة في السنة.

المهم أن الصورة وصلت.

في اليوم التالي، أرادت زوجتي أن تصنع حلوى أوكرانية تحتاج إلى البيض.

فتحت العلبة التي اشتريتها.

وسكتت.

ثم نادتني.

ذهبت إليها ونظرت إلى العلبة.

وهنا اكتشفت نتيجة اندماجي الكامل في المجتمع الكندي.

البيض الذي اشتريته…

كان مسلوقًا.

ومقشّرًا.

جاهزًا للأكل.

وقفت أنظر إليه.

ثم فكرت في بلادنا.

تخيّل أن تدخل دكانًا وتقول للبائع:

— أعطيني كرتونة بيض مسلوق ومقشّر.

أظن أن صاحب الدكان نفسه سيطردك إذا طلبتها.

أما في كندا…

فهي موجودة.

وعليها ملصق، ومعلومات غذائية، وتاريخ صلاحية.

وغالبًا يوجد بجانبها نوع آخر أغلى منها…

بيض عضوي…

مسلوق على نار هادئة…

في مياه نبع جبلي.

وقتها فهمت الفرق.

مايكل يأخذ السلعة من الرف لأنه يعرفها.

وأنا أخذتها…

لأنني أردت أن أبدو مثل مايكل.

والفرق بين الاندماج والتمثيل…

علبة بيض مسلوق ومقشّر.



#هيثم_ضمره (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من امتحان التعبير إلى «الحلم الكندي»
- يا سيد ترامب… أمسك الخريطة وتعال
- ما اختار الكاتب أن يكتبه
- المشروب الأسود
- سنة أو سنتين اغتراب
- عيد العمال… إلا العمال
- الحياة البرية الكندية
- دعم فني
- قاضم الشعير
- أخيرًا قال الكندي: No
- الذئب بدون مخالب
- عندما يغضب الكندي
- Easy, Man — هوّنها يا رجل
- اقتصاد القبو
- الرجل القابض على دينه… حين تتحول القبضة إلى لكمة
- البامية عنوان الديمقراطية
- من هو سجّاننا؟
- في سنة 2036… المال بلا قيمة
- حتى بالانحراف إله ضوابط
- قبل أن تصبح مهاجرًا


المزيد.....




- فلسطين وروسيا تتفقان على أسابيع ثقافية متبادلة وترجمة الأعما ...
- معركة شطب أمام المحكمة العليا.. التمثيل العربي في انتخابات ا ...
- الأمن المصري يكشف تفاصيل مقتل عم الفنان حمدي الميرغني بالرصا ...
- الصندوق الأسود للحرب العظمى.. من عهد السلطان عبد الحميد الثا ...
- من البرج إلى الجبل.. هل نجا فيلم -سقوط 2- من فخ التكرار؟
- من يصنع الأدب اليوم.. الكاتب أم الذكاء الاصطناعي؟
- -قصر العظم- يتصدر جوائز الإعلام السوري في المهرجان العربي بت ...
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يترأس اجتماع ا ...
- قابلوا -الليمور المغنّي-.. كيف يستخدم تقنيات الأوبرا لصنع ال ...
- معاونة وزير الثقافة السورية تكشف عن تعرضها لتهديدات ومضايقات ...


المزيد.....

- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - هيثم ضمره - البيض الكندي