أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - هيثم ضمره - الرجل القابض على دينه… حين تتحول القبضة إلى لكمة















المزيد.....

الرجل القابض على دينه… حين تتحول القبضة إلى لكمة


هيثم ضمره

الحوار المتمدن-العدد: 8805 - 2026 / 8 / 22 - 09:42
المحور: كتابات ساخرة
    


شاهدت مقطعًا للرجل الورع، صاحب الدين والخلق، وهو يؤدي الصلاة على متن طائرة تابعة لشركة ترانسافيا الفرنسية.

ولا مشكلة عندي في الصلاة.

صلِّ في بيتك، في المسجد، في الحديقة، في الصحراء، وحتى على متن الطائرة، إن استطعت أن تفعل ذلك من دون أن تؤذي أحدًا أو تعطل الناس عن أعمالهم.

المشكلة ليست في الصلاة.

المشكلة تبدأ أحيانًا بعد أن تنتهي منها.

فالرجل الذي كان قبل لحظات ساجدًا، مستكينًا، خاشعًا، قام من سجوده ليحوّل خشوعه، بسرعة قياسية، إلى قبضة حديدية، لكم بها مضيفة الطيران.

ولا أدري ما السبب.

لكن بحسب ما فهمت من رواية الحادثة، كان الرجل قد أغلق على المضيفة مدخل منطقة تحضير الطعام والمشروبات في الطائرة، وأخذ يصلي هناك.

وهنا بدأت المضيفة تتململ.

وطبعًا، ممكن الرجل يفهم تململها على أنه حرب على صلاته، أو على دينه، أو على خشوعه.

لكن خلينا نترك كل هذا جانبًا.

المضيفة، يا سيدي، كانت بدها تروح تجيب كاس الويسكي.

هاي كل القصة.

لا كانت تحاربك، ولا ضد صلاتك، ولا عندها مشكلة مع خشوعك.

بل أكاد أزعم أنها أصلًا لا تعرف ماذا تفعل!

أنت تفكر أن كل الناس تعرف تفاصيل صلاتك، وتعرف متى أنت قائم ومتى راكع ومتى ساجد.

يا رجل، من أين لها أن تعرف؟

يمكن بالنسبة إلها أنت بتتمرن.

يمكن بتعمل بلانك.

يمكن بتعمل بعض تمارين اليوغا في مدخل المطبخ.

هي مضيفة طيران، مش لجنة تحكيم في مسابقة صلاة.

هي فقط موظفة، وعندها راكب جالس ينتظر مشروبه.

وأنت، يا رجل، واقف في مدخل مكان عملها تصلي.

يعني بالله عليك، لو كنت مكانها، شو بدك إياها تعمل؟

توقف وتقول للراكب:

— آسفة، الويسكي جاهز، بس البار مغلق للصلاة؟

يا أخي، خلّص صلاتك، وخلي الناس تشتغل.

ثم، بدل أن ينتهي الموضوع هنا، انتهت الصلاة، وبدأت الملاكمة.

وهنا وقفت أنا مذهولًا أيضًا.

ليس لأن رجلًا صلى في الطائرة.

بل لأن الصلاة، بكل ما تحمله من معانٍ عن النهي عن المنكر، لم تنهه عن المنكر الذي فعله بعد ثوانٍ من انتهائه منها.

ولا ألومه وحده.

فهو، في النهاية، نتاج بيئة عاش فيها سنوات طويلة.

وأذكر أنني، في إحدى الدول العربية، شاهدت مجموعة من الرجال الورعين، أصحاب اللحى والوجوه التي تسبقها الهيبة إلى المكان، يمسكون برجل، ويقولون إنه سب الذات الإلهية.

فقاموا بضربه وشتم ذاته الإلهية، لأنه، بحسب روايتهم، سب الذات الإلهية.

أقسم بالله، لا أمزح.

الرجل سب الذات الإلهية، فجاؤوا للدفاع عن الذات الإلهية، فشتموا الذات الإلهية نفسها وهم يضربونه لأنه شتم الذات الإلهية.

يعني حتى إبليس، وهو قاعد يتفرج عليهم، لا بد إنه حكّ راسه وقال في نفسه:

«أنا راجع لباطن الأرض.»

ثم عاد إلى زوجته وأطفاله وقال لهم:

— اليوم ما في شغل. بدي أقضي اليوم تحت معاكم، بين الحمم البركانية.

وهذا النوع من «القابضين على دينهم» يستطيع أحيانًا أن يجعل آلاف الناس يكرهون الفكرة التي يظنون أنهم يدافعون عنها.

لأن الدين، يا صديقي، لا يحتاج إلى رجل يصرخ باسمه أكثر مما يحتاج إلى إنسان يجعل الآخرين يحترمونه من خلال أخلاقه.

الإسلام لم يصل إلى مناطق واسعة في جنوب شرق آسيا لأن التجار المسلمين كانوا يقفون على ظهر السفن، يلكمون البحارة والعاملين عليها.

وصل، في جانب كبير منه، لأن الناس رأوا في بعض المسلمين صدقًا وأمانة وحسن تعامل.

رأوا إنسانًا.

ثم سألوا عن دينه.

أما نحن، فأحيانًا نعكس العملية تمامًا.

نصل إلى بلد جديد، وننبهر بالقوانين، والنظام، والحرية، واحترام الناس لبعضهم.

ثم نشعر فجأة بضرورة إثبات وجودنا.

فننظر حولنا.

ونفتش في جيوبنا.

ماذا نملك؟

رياضة؟

لا.

تسلق جبال؟

لا.

ركوب خيل؟

لا.

سباحة؟

لا.

هواية؟

مهارة؟

إنجاز شخصي؟

أي شيء يمكن أن تقوله للعالم:

«أنا موجود، لأنني أجيد هذا»؟

لا شيء.

ففي بلادنا لم نتعلم كثيرًا من هذه الأشياء.

كنا أبطالًا في رياضات أخرى.

رياضات لا تحتاج إلى ملعب، ولا مدرب، ولا عضلات.

رياضة النميمة.

رياضة النفاق.

رياضة العرط.

وهذه، للأسف، لا تلقى جمهورًا كبيرًا هنا في الغرب.

فماذا يفعل البطل؟

يتذكر فجأة أنه ينتمي إلى «خير أمة أُخرجت للناس».

ومن هنا يبدأ الموسم الرياضي.

يتعالى على البشر.

يوزع شهادات الأخلاق.

يفتي في ملابس الناس.

يراقب النساء.

يحاكم المجتمع.

يشتم الغرب صباحًا، ويتمسك بالإقامة فيه مساءً.

يتحدث عن الحرية، وهو أول من يخنقها في بيته.

يتحدث عن الأسرة، وهو لا يعرف ماذا يفعل مع ابنه المدمن.

يتحدث عن الأخلاق، وقد يقضي الليل في أعمال لا يريد لأحد أن يعرف عنها شيئًا، ثم يستيقظ صباحًا ليعطي البشرية درسًا في الفضيلة.

وكأن المشكلة كلها أن العالم لم يكن يعرف أنه رجل صالح.

فيقرر أن يثبت لهم ذلك بالقوة.

بصوته.

بصراخه.

باحتلاله للمكان.

وأحيانًا…

بقبضته.

وهنا تكمن المأساة الحقيقية.

لأن الإنسان لا يمثل دينه عندما يصلي فقط.

بل يمثله عندما ينتهي من الصلاة.

لا تمثل أخلاقك عندما تتحدث عن الأخلاق، بل عندما تكون قادرًا على الإساءة ولا تفعل.

ولا تثبت تدينك بأن تجبر الآخرين على رؤية تدينك.

بل بأن تجعلهم، من خلال معاملتك، يتمنون أن يعرفوا السر الذي جعلك هكذا.

أما أن تسجد لله، ثم تقوم لتضرب امرأة تؤدي عملها، فهذه ليست مشكلة في طريقة الصلاة.

وليست مشكلة في اتجاه القبلة.

وليست مشكلة في طول السجود.

هذه مشكلة في شيء أعمق بكثير:

أنك حفظت الحركات… ونسيت المعنى.



#هيثم_ضمره (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- البامية عنوان الديمقراطية
- من هو سجّاننا؟
- في سنة 2036… المال بلا قيمة
- حتى بالانحراف إله ضوابط
- قبل أن تصبح مهاجرًا
- شيتو غفريتو… من الطيبات
- الطيبات التي لا تؤكل
- نظام طيبات السمع
- السائح يضحك… ونحن لا نفهم لماذا
- من نظام الطيبات إلى الطيزات
- هناك، حيث تغني الجبال
- ماتَ الذي كنته… فمن الذي استيقظ مكانك؟
- ذئبٌ من الجبال… ومهرةٌ من الصحراء
- نقلنا كل شيء… إلا أسباب النجاح
- حين يصبح العشب قضية
- ليس كل من يصرخ مخلصًا للوطن
- الإمارات كما عرفتها أنا
- بيان الاعتذار… من الاشتراكية إلى معسكر الواقع
- لا شيء أغلى من حياة الإنسان
- لعلّ الشباب


المزيد.....




- مسلسل -من الصعب أن تكون إلهاً- المقتبس عن رواية الأخوين سترو ...
- -الولاء والخيانة-.. إطلاق الإعلان التشويقي لفيلم تاريخي عن ا ...
- -برامج القراءة الأدبية- يعود بموسم جديد لتطوير مهارات القراء ...
- من هو الشخص الذي مُنح وسام -يهوذا- الخائن في روسيا؟
- أمريكا تسلم مصر 48 قطعة أثرية مهربة تعود لـ3 عصور مختلفة
- فرقة موسيقى الميتال -ديمون هانتر- ترفع دعوى قضائية ضد نتفليك ...
- في -عش العُقاب-.. رحلة إلى قلعة أَلَموت معقل -الحشاشين- الحص ...
- بعد 15 عاما من الغياب.. -عودة الأصالة- من قلب دمشق
- ريدلي سكوت يبحث عن الأمل بعد نهاية العالم في فيلم -نجوم الكل ...
- من الموسيقى إلى الذكاء الاصطناعي.. ماذا تخبئ -إيربودز- مع -آ ...


المزيد.....

- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - هيثم ضمره - الرجل القابض على دينه… حين تتحول القبضة إلى لكمة