هيثم ضمره
الحوار المتمدن-العدد: 8675 - 2026 / 4 / 12 - 10:28
المحور:
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
المعذرة لكل رموز الاشتراكية…
لكل من صدّق يومًا أن الإنسان هو القيمة العليا، وأن العدالة يمكن أن تُبنى على النوايا الطيبة وحدها.
أكتب اليوم لا لأهاجم، بل لأعترف.
بعد سنوات من الدفاع عن حقوق الإنسان، والمساواة، والوقوف في وجه تغوّل الآلة والرأسمال… أجد نفسي مضطرًا للوقوف في الجهة الأخرى من المعركة. ليس حبًا بها… بل لأن الواقع كسر ما تبقى من الوهم.
الحقيقة المؤلمة؟
ليست الاشتراكية هي التي فشلت…
بل الإنسان الذي كان من المفترض أن يحملها.
في دولٍ عاشت التجربة الاشتراكية، من الاتحاد السوفيتي إلى يوغوسلافيا، لم يكن الانهيار مجرد نتيجة مؤامرات أو ضغوط خارجية، بل كان في جوهره انهيارًا داخليًا… انهيارًا في أخلاق التعامل مع “العام”.
الممتلكات العامة لم تُعامل كأمانة… بل كغنيمة.
أدوات الإنتاج لم تُصن… بل استُنزفت.
الدولة لم تُحمَ… بل نُهبت.
لم يكن هناك نقص في الشعارات…
بل كان هناك فائض في الاستهتار.
جرب أن تضع ملكيتك بيد مجموعة لا تشعر بالمسؤولية، وستفهم.
ليس لأنهم أشرار… بل لأن غياب المحاسبة يحوّل أي نظام إلى أرض سائبة.
هنا بدأت الشكوك.
وعندما عشت في مجتمعات غربية، لم أجد إنسانًا “أفضل”…
وجدت نظامًا يفرض على الإنسان أن يكون أفضل.
في الرأسمالية، لا أحد يثق بأخلاقك…
بل هناك قوانين تراقبك، وأنظمة تحاسبك، وعقوبات تردعك.
قد لا يكون الإنسان هناك أنقى…
لكنه بالتأكيد أكثر انضباطًا.
وهنا المفارقة القاسية:
الاشتراكية تفترض إنسانًا مثاليًا…
والرأسمالية تفترض إنسانًا أنانيًا… وتبني نظامها على هذا الأساس.
لذلك تنجح الثانية… لا لأنها أعدل، بل لأنها أكثر واقعية.
قد تبدو هذه خيانة لفكرة العدالة… لكنها في الحقيقة اعتراف بحدود الطبيعة البشرية.
لقد دافعنا طويلًا عن “الإنسان”…
لكن ماذا لو لم يعد هذا الإنسان موجودًا بالشكل الذي تخيلناه؟
ماذا لو أن المشكلة ليست في النظام… بل في المادة التي يُبنى عليها النظام؟
لهذا، أقولها دون تردد:
مرحبًا بالرأسمالية…
مرحبًا بالأنظمة التي لا تثق بالبشر، بل تقيدهم.
مرحبًا بالعالم الذي يُدار بالقانون، لا بالنوايا.
بل… مرحبًا بالروبوت.
نعم، الروبوت الذي لا يسرق، لا يهمل، لا يبرر، ولا يخون.
الروبوت الذي لا يحتاج إلى ضمير… لأنه لا يملك شهوة الفساد أصلًا.
ربما لم نصل بعد إلى هذه المرحلة…
لكننا بالتأكيد فقدنا القدرة على بناء عالم يعتمد فقط على “إنسانية الإنسان”.
هذا ليس انتصارًا للرأسمالية…
بل هزيمة لفكرة كناد تصديقها.
وهذا… هو الاعتذار.
#هيثم_ضمره (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟