هيثم ضمره
الحوار المتمدن-العدد: 8637 - 2026 / 3 / 5 - 11:50
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
هذا توضيح لموقفي الشخصي، ولا أدعو أحدًا إلى تبنّيه ما لم يكن مقتنعًا به. لكنني مؤمن تمامًا بأن العداء لا يولّد إلا العداء، وأن الحروب مهما ادّعت تحقيق الانتصار، فإنها في النهاية تترك وراءها خرابًا وأمهات ثكالى وأوطانًا مثقلة بالدم.
لا شيء يمكن أن يحلّ محلّ التسامح والحوار. فالتاريخ، مهما طال، يثبت أن الرصاص لا يبني سلامًا دائمًا، وأن السلاح قد يحسم معركة لكنه نادرًا ما يصنع مستقبلًا.
وأستحضر هنا تجربة رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان، الذي قاد ما عُرف بـ الثورة المخملية في أرمينيا. كانت ثورة قلبت نظام الحكم في البلاد، لكنها فعلت ذلك دون إطلاق رصاصة واحدة، ودون أن يتحطم لوح زجاج، ودون أن تُراق قطرة دم. خرج الناس إلى الشوارع بأصواتهم، لا بأسلحتهم؛ بأقلامهم، لا بمدافعهم. هكذا يجب أن تكون الثورات: ثورات الوعي لا ثورات الدم.
لاحقًا، واجهت أرمينيا واحدة من أصعب لحظاتها في حرب ناغورنو كاراباخ 2020، وهي حرب مؤلمة ومكلفة. لكن القرار في نهاية المطاف كان تجنيب البلاد مزيدًا من الدمار، لأن الاستمرار في طاحونة الحرب يعني دفع شعب كامل إلى الهاوية. قد يختلف الناس في تقييم القرارات السياسية، لكن الحقيقة البسيطة تبقى: حياة الإنسان أغلى من كل شعارات الكبرياء.
قبل أيام ظهر باشينيان في مشهد بسيط: يتجول بين الناس، يأكل الذرة في الشارع، ويركب الحافلة كأي مواطن عادي. قد يبدو المشهد عابرًا، لكنه في جوهره رسالة عميقة عن معنى السلطة عندما تكون قريبة من الناس، وعن معنى القيادة عندما لا تتحول إلى استعراض للقوة بل إلى حماية للحياة.
تخيّلوا لو أن القادة في كل مكان اختاروا طريق العناد والتصعيد بدل العقل والحكمة. كم مدينة كانت ستتحول إلى أنقاض؟ وكم شعبًا كان سيدفع ثمن كبرياء السياسيين؟
إن أخطر ما في الحروب أنها تبدأ بخطابات حماسية، لكنها تنتهي دائمًا بجنازات صامتة.
لهذا، قد يبدو صوت الحوار ضعيفًا أمام ضجيج المدافع، لكنه الصوت الوحيد القادر على إنقاذ البشر من دوامة الدم التي لا تنتهي. فالأوطان يمكن أن تُبنى من جديد، والمدن يمكن أن تُرمَّم، لكن حياة الإنسان إذا ضاعت فلن تعود.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأبسط والأعمق:
لا شيء… ولا أي شيء… أغلى من حياة الإنسان.
#هيثم_ضمره (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟