أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هيثم ضمره - شيتو غفريتو… من الطيبات














المزيد.....

شيتو غفريتو… من الطيبات


هيثم ضمره

الحوار المتمدن-العدد: 8801 - 2026 / 8 / 18 - 09:29
المحور: الادب والفن
    


القومية العربية، بالنسبة لي، واحدة من أضيق الأفكار التي يمكن للإنسان أن يحبس نفسه داخلها. ليس لأنني ضد العرب، ولا ضد اللغة العربية، ولا ضد أن يكون للعرب مشروع يجمعهم؛ بل لأنني اكتشفت، من خلال الحياة والسفر والاحتكاك بالناس، أن الإنسان أكبر بكثير من القومية التي وُلد داخلها.

أنا أؤمن بالأممية، لا بمعناها السياسي الضيق، بل بمعناها الإنساني البسيط: أن الإنسان، أينما وجد، هو إنسان. همومه تشبه همومك، أمه تشبه أمك، طفولته تشبه طفولتك، وخوفه على بيته يشبه خوفك على بيتك.

وهذا شيء لم أتعلمه من كتاب، بل تعلمته من الطريق.

عشت في القوقاز، ومشيت بين شعوب مختلفة في اللغة والتاريخ والذاكرة، فاكتشفت أن الحدود التي تبدو ضخمة على الخرائط تصبح صغيرة جدًا عندما تجلس أمام إنسان وتحكي معه. قد لا تفهم لغته، لكنك تفهم حزنه. وقد لا يعرف من أنت، لكنك تعرف لماذا يشتاق إلى أمه، ولماذا يحب أرضه، ولماذا يخاف على أطفاله.

ولذلك أنا أتبع منذ زمن ما أسميه «نظام الطيبات السمعي». لا أسمع الأغاني العربية كثيرًا، وليس لأنني ضد العربية، بل لأنني لا أعتقد أن اللغة وحدها تجعل الأغنية قريبة مني، ولا أن اللغة المختلفة تجعل الإنسان غريبًا عني.

هناك أغنية جورجية قديمة من الحقبة السوفييتية أعود إليها أحيانًا، وعنوانها بالروسية: «Читагрито. Фрагмент из фильма «Мимино»».

وهذا وحده مثال صغير على ما أحاول قوله.

العنوان مكتوب باللغة الروسية، لكن الأغنية جورجية.

فهل أصبحت الأغنية روسية لأن عنوانها كُتب بالروسية؟

طبعًا لا.

وهنا تتضح الفكرة أكثر: اللغة التي كُتب بها الاسم لا تحدد بالضرورة هوية المضمون.

يمكنك أن تكتب شيئًا بالعربية، ويكون مضمونه بعيدًا كل البعد عن روح العرب.

ويمكنك أن تكتب شيئًا بلغة لا تفهم منها كلمة واحدة، ثم تجد فيه شيئًا يشبهك أنت، وطفولتك، وأمك، وبيتك، وحنينك.

قد يكون الاسم روسيًا، والمضمون جورجيًا.

وقد يكون النص عربيًا، لكن المضمون إنسانيًا.

وقد يكون مكتوبًا بلغة لا تعرفها أصلًا، ومع ذلك تشعر أنه يقول شيئًا كنت أنت عاجزًا عن قوله.

وهذا، بالنسبة لي، هو أكبر دليل على أن الإنسان أوسع من اللغة، وأوسع من القومية، وأوسع من الاسم الذي نضعه على الأشياء.

قد لا تفهم كلمة واحدة منها، لكن اسمعها، وستفهم شيئًا آخر.

المغني يتساءل: ما الذي يجعلني أغني؟

هذا السؤال وحده كافٍ.

لأنك لو ترجمت الأغنية إلى العربية، قد تظن أنك تسمع إنسانًا عربيًا يغني. ولو ترجمتها إلى الأرمنية، قد تظن أن إنسانًا أرمنيًا يغني. ولو ترجمتها إلى الروسية أو الأوكرانية أو أي لغة أخرى، فلن يتغير جوهرها.

الإنسان هو نفسه.

أنا أحترم، بصراحة، في التجربة السوفييتية جانبًا مهمًا: فكرة أن شعوبًا ولغات مختلفة استطاعت أن تعيش داخل فضاء واحد، وأن يتعلم الإنسان الروسية دون أن يتخلى بالضرورة عن لغته الأم وهويته المحلية. قد نختلف جذريًا حول النظام السوفييتي وتاريخه ومشكلاته، لكن هذه التجربة تجعلني أفكر في سؤال أكبر: لماذا نعتقد أن وحدة الناس تحتاج إلى أن يصبحوا نسخة واحدة من بعضهم؟

لماذا لا يمكن للجورجي أن يبقى جورجيًا، والأرمني أرمنيًا، والعربي عربيًا، وفي الوقت نفسه يكونون جميعًا جزءًا من إنسانية واحدة؟

أنا لو كانت بيدي لوحة أرسم فيها الوطن العربي، فلن أرسم حدوده كما هي على الخريطة فقط. ربما أمد يدي شمالًا، وأضيف إليها جورجيا وأرمينيا، لا لأنني أريد أن أبتلع أو ألغي هوياتهما، بل لأنني عشت هناك، ورأيت بأم عيني أن معاناة الإنسان هناك ليست غريبة عن معاناتنا.

الشعوب كلها تحمل ندوبًا متشابهة.

والحكايات تتغير أسماؤها، لكن مضمونها يبقى واحدًا.

قد تجد إنسانًا يتحدث العربية بالفصحى، ويحمل شهادة في الأدب العربي، ويكتب عن القومية صباحًا ومساءً، لكنه لا يحمل في قلبه شيئًا من الإنسان.

وقد تجد إنسانًا لا يعرف من العربية إلا «مرحبًا» و«شكرًا»، لكنه يقف في المكان الصحيح عندما يحتاج الإنسان إلى موقف.

وهنا بالنسبة لي تسقط القومية كمعيار للأخلاق.

فالإنسانية ليست مسابقة لغات، ولا شهادة نسب، ولا جواز سفر.

والحثالة، أينما ذهبت، ستجدها.

في العالم العربي، وفي القوقاز، وفي أوروبا، وفي أمريكا، وفي كل مكان.

كما ستجد الطيبين في كل مكان.

ولهذا لا أريد أن أعرف الإنسان أولًا من أي قومية هو.

أريد أن أعرف ماذا يفعل عندما يرى إنسانًا يتألم.

أريد أن أعرف ماذا يفعل عندما تكون لديه القوة.

أريد أن أعرف هل يحفظ كرامة الضعيف أم يدوس عليه.

هناك، فقط، تبدأ هويتي الحقيقية للإنسان.

وعندما أسمع «شيتو غفريتو»، لا أسمع جورجيًا فقط.

أسمع إنسانًا.

أسمع أمًا.

أسمع طفلًا يعود من الذاكرة.

أسمع أرضًا يشتاق إليها صاحبها.

وأسمع صوتًا يقول لي إن العالم، رغم كل الحدود التي رسمناها، لم ينجح بعد في تقسيم الإنسان من الداخل.

چِمي سيمغيرا…

هذه أغنيتي.

وربما، في مكان ما من هذا العالم، هي أغنيتك أنت أيضًا.



#هيثم_ضمره (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الطيبات التي لا تؤكل
- نظام طيبات السمع
- السائح يضحك… ونحن لا نفهم لماذا
- من نظام الطيبات إلى الطيزات
- هناك، حيث تغني الجبال
- ماتَ الذي كنته… فمن الذي استيقظ مكانك؟
- ذئبٌ من الجبال… ومهرةٌ من الصحراء
- نقلنا كل شيء… إلا أسباب النجاح
- حين يصبح العشب قضية
- ليس كل من يصرخ مخلصًا للوطن
- الإمارات كما عرفتها أنا
- بيان الاعتذار… من الاشتراكية إلى معسكر الواقع
- لا شيء أغلى من حياة الإنسان
- لعلّ الشباب
- من الكاتب إلى المفكّر…
- ترامب… حين تتحول الرئاسة إلى منصة مضاربة عالمية
- سقوط الدولار ونهاية الاقتصاد الوهمي
- الدول التي لا تصرخ تقود: قراءة في الدور الكندي القادم
- نهاية النظام العالمي القديم: ماذا بعد الدولار؟
- القارة العجوز في زمن الأوغاد


المزيد.....




- لاعب عراقي ينسحب من بطولة العالم للفنون القتالية رفضا لمواجه ...
- -الانتقال المجتمعي المعطّل-.. قراءة في تفكيك البنى العميقة ل ...
- -أثينا- و-أوديسيوس- بين الأسماء غير المألوفة لمواليد موسكو ب ...
- -بوحشية مروعة-.. كيف أنشأ النازيون مفوضية الرايخ في أوكرانيا ...
- انطلاق المنتدى الثقافي الدولي الخامس للأطفال في موسكو بمشارك ...
- أفلام -الفراشة الماسية- الفائزة بالدورة الأولى تعرض في بكين ...
- السجن 6 سنوات لوكيل وزير الثقافة الأسبق بملف كنز النمرود
- اللوح والدواية في خلاوى القرآن.. إرث تعليمي وروحانية تتوارثه ...
- -اسأل صهيوني-.. حين تتحول الرواية إلى مواجهة مع الرواية الأخ ...
- فلسطين بين إدارة الأزمة وحرب الرواية


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هيثم ضمره - شيتو غفريتو… من الطيبات