أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصناعة والزراعة - هيثم ضمره - نقلنا كل شيء… إلا أسباب النجاح














المزيد.....

نقلنا كل شيء… إلا أسباب النجاح


هيثم ضمره

الحوار المتمدن-العدد: 8774 - 2026 / 7 / 22 - 08:05
المحور: الصناعة والزراعة
    


ليست المشكلة في أن نتعلم من الآخرين، بل في اعتقادنا أن نجاح فكرة في مجتمع ما يعني أنها ستنجح تلقائيًا في مجتمع آخر. فالثقافات لا تُنقل كما تُنقل الأجهزة أو التقنيات، لأنها ليست منتجات معزولة، بل منظومات متشابكة من القيم والتربية والمؤسسات والاقتصاد والتاريخ.

لهذا السبب، كثيرًا ما نفشل عندما نستورد النتائج، بينما نتجاهل الأسباب التي أنتجتها.

خذ مثالًا يتكرر في النقاشات العامة: تقنين القنب (الماريجوانا) في بعض الدول الغربية مثل كندا. ينظر البعض إلى هذا القانون باعتباره دليلًا على أن تلك المجتمعات تعيش بلا ضوابط، بينما يراه آخرون نموذجًا ينبغي نسخه بالكامل. والحقيقة أن كلا الموقفين يختزل الواقع.

فوجود قانون يسمح بشيء ما لا يعني غياب الضوابط. فهناك منظومة كاملة تشمل التربية، والتعليم، والرقابة، والرعاية الصحية، والتوعية، وإنفاذ القانون، وثقافة المسؤولية الفردية. ولا يعني ذلك أيضًا أن هذه المجتمعات خالية من الإدمان أو المشكلات الصحية، لكنها تمتلك أدوات مختلفة للتعامل معها.

وفي المقابل، تتميز مجتمعاتنا العربية بروابط أسرية واجتماعية قوية تشكل شبكة دعم لا تزال تلعب دورًا محوريًا في حياة الفرد. هذه الروابط تمنح الإنسان شعورًا بالأمان والانتماء، وهي من أجمل ما نملكه، لكنها تنتج أيضًا نمطًا مختلفًا من تحمل المسؤولية مقارنة بالمجتمعات التي يعتمد فيها الفرد بدرجة أكبر على نفسه ومؤسسات الدولة.

المقصود هنا ليس المفاضلة بين النموذجين، بل الإشارة إلى أن السلوك الإنساني لا تصنعه القوانين وحدها، وإنما البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها الإنسان.

هذه الفكرة تتكرر في مجالات أخرى، أبرزها الغذاء.

فالسوشي الياباني، على سبيل المثال، ليس مجرد سمك نيئ يقدم في طبق أنيق. إنه جزء من ثقافة غذائية متكاملة تقوم على معايير دقيقة في اختيار الأسماك، وسلسلة تبريد صارمة، وخبرة طويلة في التحضير، إضافة إلى مكونات مرافقة مثل الوسابي والزنجبيل المخلل، اللذين يضيفان نكهة مميزة، وتشير بعض الدراسات إلى أن لهما خصائص قد تساعد في الحد من بعض أنواع البكتيريا، وإن كانت سلامة الغذاء تعتمد أساسًا على جودة التحضير وحفظ المكونات.

عندما ننقل الطبق ونهمل المنظومة التي أنتجته، فإننا لا ننقل الثقافة، بل نقلد شكلها الخارجي فقط.

والأمر نفسه ينطبق على أنماط الحياة الغربية عمومًا.

فكثير من شبابنا الذين يسافرون للدراسة أو العمل في الخارج يعودون حاملين بعض المظاهر الاستهلاكية، لكنهم نادرًا ما ينقلون معهم العادات التي ساهمت في بناء تلك المجتمعات: احترام الوقت، والانضباط، والقراءة، والرياضة، والعمل التطوعي، والاعتماد على الذات، والالتزام بالقانون حتى في غياب الرقابة.

فنحن نلتقط القشرة، بينما نترك اللب.

ومن المفارقات أن بلدانًا عُرفت تاريخيًا بإنتاج القمح، والشعير، والحنطة السوداء، والبقول، والخضروات الموسمية، أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الأغذية فائقة المعالجة والمشروبات السكرية والوجبات السريعة، رغم أن كثيرًا من الدول المتقدمة نفسها بدأت تعود إلى مفهوم الغذاء الطبيعي والمحلي بعد أن أدركت الآثار الصحية للنمط الغذائي الصناعي.

وهنا تظهر مفارقة أخرى؛ فبينما نسعى إلى تقليد الغرب، نجد أن الغرب نفسه يعيد اكتشاف كثير من الممارسات التي كانت جزءًا من حياتنا اليومية، مثل الاهتمام بالأغذية المحلية، والزراعة المستدامة، والمشي، وتقليل استهلاك المنتجات الصناعية.

إن أخطر أشكال التقليد ليس أن نأخذ من الآخرين، بل أن نأخذ ما تخلوا هم أنفسهم عنه، وأن نهمل في المقابل ما يحقق لهم النجاح الحقيقي.

لقد أثبت التاريخ أن المجتمعات التي نهضت لم تفعل ذلك لأنها نسخت غيرها حرفيًا، بل لأنها فهمت أسباب نجاح الآخرين، ثم أعادت صياغتها بما ينسجم مع ثقافتها وظروفها. فاليابان لم تصبح يابانًا بتقليد أوروبا، وكوريا الجنوبية لم تتقدم بنسخ الولايات المتحدة، وسنغافورة لم تنجح لأنها استوردت القوانين وحدها؛ بل لأن كل واحدة منها أعادت بناء الأفكار بما يتلاءم مع مجتمعها وتاريخها وأولوياتها.

لذلك، فإن السؤال الصحيح ليس: ماذا نفعل مثلهم؟ بل: لماذا نجحوا؟ وما الذي يمكن أن نتعلمه دون أن نفقد هويتنا؟

فالحضارة لا تُقاس بعدد ما نستورد من أنماط الحياة، وإنما بقدرتنا على بناء نموذج يناسب مجتمعنا، يستفيد من تجارب الآخرين دون أن يفقد جذوره. فالأمم التي تتقدم ليست تلك التي تقلد أكثر، بل تلك التي تفهم أكثر.



#هيثم_ضمره (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يصبح العشب قضية
- ليس كل من يصرخ مخلصًا للوطن
- الإمارات كما عرفتها أنا
- بيان الاعتذار… من الاشتراكية إلى معسكر الواقع
- لا شيء أغلى من حياة الإنسان
- لعلّ الشباب
- من الكاتب إلى المفكّر…
- ترامب… حين تتحول الرئاسة إلى منصة مضاربة عالمية
- سقوط الدولار ونهاية الاقتصاد الوهمي
- الدول التي لا تصرخ تقود: قراءة في الدور الكندي القادم
- نهاية النظام العالمي القديم: ماذا بعد الدولار؟
- القارة العجوز في زمن الأوغاد
- فنزويلا، الردع النووي، وانهيار وهم القيادة العالمية
- حين تتحول القرى إلى أحياء سكنية والاقتصاد إلى “واجهة بلا آلة ...
- كندا ضد أمريكا: من يبتلع من؟
- لم أرَ طفلًا قتلته يقطينة
- مارك كارني… الرجل الذي قد يُسقط إمبراطورية الدولار
- مصر… المدرسة التي لا تغلق أبوابها
- اللجوء الكاذب… سرقة مقنّعة من أموال الشعوب جزء 2
- اللجوء الكاذب… سرقة مقنّعة من أموال الشعوب


المزيد.....




- كيف تؤثر حمامات الساونا على المناعة؟
- العلماء يحذرون من تأثيرات الثقب الإكليلي الجديد على الأرض
- الكويت تعوّل على -أبواط باكستان- في مواجهة إيران
- مذكرة إسلام آباد زرعت قنبلة تحت أي تسوية سلمية في الشرق الأو ...
- تاريخ مشترك وروابط أخوية راسخة.. مسؤولون في السعودية والإمار ...
- -نيويورك بوست-: ترامب يرغب بأن يكون رئيس -فيفا- جياني إنفانت ...
- ترامب يوافق على اتفاق نووي مع السعودية لا يحظر تخصيب اليوران ...
- الجيش الأمريكي يكشف هوية جندي -يُعتقد أنه قُتل في هجوم على ا ...
- واشنطن تواصل ضرباتها على إيران، وترامب يقول: -لم ننتهِ بعد- ...
- ترامب يتوعد بمواصلة ضرب إيران وطهران توسع هجماتها في الخليج ...


المزيد.....

- كيف استفادت روسيا من العقوبات الاقتصادية الأمريكية لصالح تطو ... / سناء عبد القادر مصطفى
- مشروع الجزيرة والرأسمالية الطفيلية الإسلامية الرثة (رطاس) / صديق عبد الهادي
- الديمغرافية التاريخية: دراسة حالة المغرب الوطاسي. / فخرالدين القاسمي
- التغذية والغذاء خلال الفترة الوطاسية: مباحث في المجتمع والفل ... / فخرالدين القاسمي
- الاقتصاد الزراعي المصري: دراسات في التطور الاقتصادي- الجزء ا ... / محمد مدحت مصطفى
- الاقتصاد الزراعي المصري: دراسات في التطور الاقتصادي-الجزء ال ... / محمد مدحت مصطفى
- مراجعة في بحوث نحل العسل ومنتجاته في العراق / منتصر الحسناوي
- حتمية التصنيع في مصر / إلهامي الميرغني
- تبادل حرّ أم تبادل لا متكافئ : -إتّفاق التّبادل الحرّ الشّام ... / عبدالله بنسعد
- تطوير المشاريع الصغيرة والمتوسطة، الطريقة الرشيدة للتنمية ا ... / احمد موكرياني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصناعة والزراعة - هيثم ضمره - نقلنا كل شيء… إلا أسباب النجاح