أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هيثم ضمره - هناك، حيث تغني الجبال















المزيد.....

هناك، حيث تغني الجبال


هيثم ضمره

الحوار المتمدن-العدد: 8797 - 2026 / 8 / 14 - 08:01
المحور: الادب والفن
    


هناك بلدان تزورها بعينيك، ثم تغادرها وكأنك لم تترك وراءك سوى صورٍ محفوظة في هاتفك.

وهناك بلدان أخرى لا تغادرها حقاً، لأنها تترك شيئاً منها في داخلك؛ نغمةً عالقة في الذاكرة، رائحةً لا تعرف كيف تعود إليها، أو صوتاً بشرياً تسمعه مرة واحدة ثم يبقى يطرق أبواب ذاكرتك كلما تذكرت المكان.

جورجيا من تلك البلدان.

في هذه البقعة الصغيرة من القوقاز، حيث تصعد الجبال نحو السماء وتتشابك الوديان مع القرى والكروم، يبدو كل شيء وكأنه جزء من لوحة واحدة. الجبل، والبيت الخشبي، والطريق القديم، والكنيسة البعيدة، ورائحة الأرض بعد المطر، وحتى حديث الناس في الأسواق… كلها أصوات في موسيقى واحدة لا تحتاج إلى قائد أوركسترا.

لكن أكثر ما يأسر الزائر ليس ما تراه العين.

إنه ما تسمعه الأذن.

لغةٌ كأنها وُلدت من الجبال

حين تسمع اللغة الجورجية للمرة الأولى، قد تشعر بشيء غريب.

لا تفهم الكلمات، ولا تستطيع الإمساك بمعانيها، لكنك لا تشعر أنها غريبة تماماً.

هناك إيقاع خفي في طريقة خروجها من أفواه أهلها؛ تتابع من الأصوات الساكنة، وقوة في بعض المقاطع، ثم انسياب مفاجئ يجعل الكلمة تبدو وكأنها تتحرك فوق لحن غير مسموع.

الجورجية ليست لغة سهلة على أذن الغريب، لكنها لغة لها شخصية.

تبدو أحياناً وكأن الجبال نفسها تركت شيئاً من خشونتها في حروفها، ثم جاءت الأنهار وأعطتها شيئاً من انسيابها.

تسمع رجلين يتحدثان في مقهى صغير، فلا تعرف عمّ يتحدثان؛ ربما عن الطقس، أو عن مباراة كرة قدم، أو عن سعر الخبز.

لكن الكلمات تتوالى بينهما بطريقة تجعلك تنسى أنك لا تفهم شيئاً.

تراقب الوجوه، وحركة الأيدي، وارتفاع الصوت وانخفاضه، ثم تكتشف أنك لا تستمع إلى حديث فقط.

أنت تستمع إلى موسيقى لا تعرف كلماتها.

حين تتكلم الحناجر بلغة الجبال

ربما لم يكن غريباً أن تنشأ في هذه البلاد واحدة من أكثر تقاليد الغناء الجماعي تميزاً في العالم.

فالغناء الجورجي متعدد الأصوات ليس مجرد مجموعة أشخاص يغنون في الوقت نفسه؛ إنه حوار بين الأصوات.

صوت يرتفع.

وصوت يجيبه.

وثالث يدخل من مكان آخر، كأنه كان ينتظر دوره منذ قرون.

ثم، فجأة، تلتقي الأصوات كلها في لحظة واحدة، فتشعر أن شيئاً أكبر من الأغنية قد حدث.

كأن الرجال لا يغنون وحدهم.

كأن الجبال تغني معهم.

وهذا التقليد ليس قطعة محفوظة في متحف. لقد عاش داخل المجتمع، في المناسبات والعمل والاحتفالات، وانتقل من جيل إلى جيل حتى أصبح جزءاً من الذاكرة الثقافية للجورجيين. وقد أدرجته اليونسكو ضمن التراث الثقافي غير المادي للإنسانية.

ولعل أجمل ما في هذا الغناء أنه لا يحاول أن يكون صاخباً كي يكون عظيماً.

فيه شيء من الوقار.

شيء من الحزن القديم.

وشيء من الفرح الذي لا يحتاج إلى صراخ.

كأنه يعرف أن الإنسان، مهما ابتعد، يحمل في صدره أصوات من سبقوه.

حين يصبح الكلام أغنية

ولعل العلاقة بين اللغة والغناء في جورجيا تجعل المستمع يشعر بأن الحدود بين الحديث والموسيقى ليست واضحة تماماً.

تسمع الكلمات فتتساءل:

هل هذه جملة أم مقطع من أغنية؟

هل يتحدث الرجل أم يرنّم؟

هل الصوت الذي يصلني من النافذة حديث عابر، أم أن أحدهم استدعى للتو أغنية عمرها مئات السنين؟

وهنا يكمن سحر المكان.

في كثير من البلدان تحتاج إلى أن تذهب إلى مسرح حتى تسمع الموسيقى.

أما في جورجيا، فقد تأتيك الموسيقى وأنت لا تبحث عنها.

تخرج من مطعم صغير.

تتسلل من بيت في قرية جبلية.

تسمعها في مجلس عائلي.

أو تأتيك من بعيد مع صوت لا تعرف صاحبه.

فتقف للحظة.

ولا تفعل شيئاً.

فقط تستمع.

وتحت الأرض… تنضج الحكاية

ثم هناك الكرمة.

تلك الشجرة التي تبدو في جورجيا وكأنها ليست نباتاً فحسب، بل جزء من ذاكرة الأرض.

منذ آلاف السنين، عرف الجورجيون صناعة النبيذ، وارتبطت هذه الصناعة بحياتهم الاجتماعية وثقافتهم واحتفالاتهم.

وفي الطريقة التقليدية المعروفة باسم الكڤري، يُصنع النبيذ ويُحفظ في أوانٍ فخارية كبيرة تُدفن في الأرض.

ما أروع الصورة!

فوق الأرض، تنمو الكرمة تحت الشمس.

وتحت الأرض، يستقر النبيذ في الظلام والهدوء.

وفوق الأرض أيضاً، يجلس الناس ويغنون.

كأن الثقافة الجورجية صنعت لنفسها عالماً بين السماء والأرض:

كرمة تصعد إلى الضوء،
ونبيذ يعود إلى باطن الأرض،
وأغنية تصعد من الإنسان إلى السماء.

وهنا لا يعود النبيذ مجرد شراب، ولا الغناء مجرد فن.

كلاهما يصبحان جزءاً من ذاكرة المكان.

جورجيا التي لا تراها الكاميرا

ربما تستطيع الكاميرا أن تصور جبال القوقاز.

وتستطيع أن تحفظ صورة لقرية جميلة.

وتستطيع أن تسجل كنيسة قديمة أو شارعاً حجرياً.

لكنها لا تستطيع أن تحفظ الشعور الذي ينتابك عندما تسمع لغة لا تفهمها، ثم تجد نفسك مأخوذاً بصوتها.

ولا تستطيع أن تنقل تماماً ذلك الشعور عندما يجتمع عدة أشخاص حول مائدة، ويبدأ أحدهم بالغناء، ثم يلتحق به الآخرون، فتتغير ملامح المكان كله.

في تلك اللحظة، لا تعود سائحاً.

تصبح مستمعاً.

وتبدأ في فهم جورجيا بطريقة مختلفة.

تفهم أن بعض الشعوب لا تحفظ تاريخها في الكتب وحدها.

تحفظه في الأغاني.

وفي الكلمات.

وفي طريقة إعداد الطعام.

وفي الكروم.

وفي الأواني المدفونة تحت الأرض.

وفي الأصوات التي تنتقل من الآباء إلى الأبناء دون أن تحتاج إلى ورق.

نغمة تبقى بعد الرحيل

وحين تغادر جورجيا، قد تنسى اسم شارع، أو رقم فندق، أو تفاصيل طريق جبلي.

لكن هناك أشياء لا تنساها.

صوت اللغة.

نغمة الأغنية.

وجه رجل مسن وهو يتحدث مع صديقه.

صوت امرأة تنادي طفلها من نافذة بيت قديم.

ضحكة تأتي من مقهى صغير.

ولحن بعيد يختلط مع هواء المساء.

عندها تدرك أن بعض البلدان لا تدخل الذاكرة من خلال العين.

تدخلها من الأذن… ثم تستقر في القلب.

ولهذا، ربما لا تكون جورجيا مجرد بلد بين أوروبا وآسيا، ولا مجرد محطة على خريطة القوقاز.

إنها بلد له نبرة.

له إيقاع.

له صوت.

وحين تسمعه مرة، يصعب أن تنساه.

جورجيا لا تقول لك: انظر إليّ.

إنها تقول شيئاً أكثر هدوءاً:

اسمعني.



#هيثم_ضمره (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ماتَ الذي كنته… فمن الذي استيقظ مكانك؟
- ذئبٌ من الجبال… ومهرةٌ من الصحراء
- نقلنا كل شيء… إلا أسباب النجاح
- حين يصبح العشب قضية
- ليس كل من يصرخ مخلصًا للوطن
- الإمارات كما عرفتها أنا
- بيان الاعتذار… من الاشتراكية إلى معسكر الواقع
- لا شيء أغلى من حياة الإنسان
- لعلّ الشباب
- من الكاتب إلى المفكّر…
- ترامب… حين تتحول الرئاسة إلى منصة مضاربة عالمية
- سقوط الدولار ونهاية الاقتصاد الوهمي
- الدول التي لا تصرخ تقود: قراءة في الدور الكندي القادم
- نهاية النظام العالمي القديم: ماذا بعد الدولار؟
- القارة العجوز في زمن الأوغاد
- فنزويلا، الردع النووي، وانهيار وهم القيادة العالمية
- حين تتحول القرى إلى أحياء سكنية والاقتصاد إلى “واجهة بلا آلة ...
- كندا ضد أمريكا: من يبتلع من؟
- لم أرَ طفلًا قتلته يقطينة
- مارك كارني… الرجل الذي قد يُسقط إمبراطورية الدولار


المزيد.....




- بوتين يكرّم عددا من الفنانين الروس بأوسمة وألقاب فنية
- هل كان لومونوسوف ابنا سريا لبطرس الأكبر؟.. وثائق تفنّد أسطور ...
- وفاة مرشح لمجلس الشيوخ مؤيد لترامب انتحارا.. وعائلته تشكك في ...
- مقابر جماعية وتماثيل نذرية.. تفاصيل كشف أثري مهم في الواحات ...
- -هُرّبت منذ 15 عاما-.. سوريا تستعيد قطعا أثرية من فرنسا وتعر ...
- شاهدة على مقاومة المحتل الفرنسي.. اكتشاف رصاصات في مئذنة جام ...
- من التوبيخ إلى قمة النجاح.. كيف صنعت الممثلة ريهام عبد الغفو ...
- كولومبيا: عاملون في السينما يسخرون معداتهم للبحث عن ناجين
- أفلام تستعيد معارك الحرب العالمية الثانية في ذكرى ميلاد الما ...
- متحف تفاعلي في موسكو يتيح للزوار اكتشاف أسرار صناعة الشوكولا ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هيثم ضمره - هناك، حيث تغني الجبال