أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - هيثم ضمره - نظام طيبات السمع















المزيد.....

نظام طيبات السمع


هيثم ضمره

الحوار المتمدن-العدد: 8800 - 2026 / 8 / 17 - 10:25
المحور: كتابات ساخرة
    


كما تعلمون، أنا مغرم بنظام «الطيبات».

وأؤمن أن الإنسان، في هذه الحياة، يجب أن ينتبه جيدًا لما يدخل إلى فمه، وما يخرج من مؤخرته.

لكن يبدو أن الإنسان لا يملك فمًا ومعدة فقط؛ عنده أذنان أيضًا.

وهنا اكتشفت أن مشروع «الطيبات» يحتاج إلى توسعة.

فإذا كان نظام الطيبات الغذائية قد سبقنا إليه الشهيد المرحوم، المناضل العظيم، الدكتور الطبيب، المؤسس والمكتشف والرائد والمرجع التاريخي لنظام الطيبات، ضياء العوضي، الخارج من السجلات الطبية في مصر، والداخل إلى التاريخ من أوسع طيباته.

وأنا، طبعًا، لا أريد أن أروّج للرجل ولا لنظامه. أنا فقط استعرت الفكرة ووسّعتها قليلًا.

هو اهتم بما يدخل إلى الفم، وأنا قررت أن أتحمل مسؤولية ما يدخل إلى الأذن.

ومن هنا وُلد، بكل تواضع، نظام طيبات السمع.

أنا شخصيًا، منذ ما يقارب خمسة عشر عامًا، أتبع نظام «طيبات السمع»؛ ومنذ ذلك الوقت أخرجت الموسيقى العربية تقريبًا من حياتي.

ليس لأنني أكره العربية.

ولا لأنني أعتقد أن كل موسيقى عربية سيئة.

لكنني وصلت إلى قناعة شخصية، قد تكون عادلة وقد تكون ظالمة:

جزء كبير مما تنتجه الموسيقى العربية الحديثة لم يعد يقدم لي شيئًا يستحق أن أدخله في أذني.

وأنا هنا أستخدم كلمة «حرام» بمعناها الإنساني، لا الديني.

خلي الدين لأهله.

أنا أقصد شيئًا أبسط:

حرام أن تُظلم الموسيقى.

وحرام أن تُظلم الأذن.

وحرام أن يُظلم المستمع.

المشكلة لم تعد في الموسيقى وحدها

المشكلة أن صناعة المحتوى كلها تقريبًا بدأت تتعامل مع الإنسان وكأن عينيه وأذنيه لا يستطيعان العمل كل واحدة منهما وحدها.

تدخل إلى يوتيوب لتتعلم الطبخ، فتجد أن أزياء الطباخة أهم من مكونات الطبخة.

تبحث عن طريقة إصلاح سيارتك، فتريد أن تعرف أين المشكلة في المحرك، فإذا بالفيديو مشغول بإخراج المشهد أكثر من شرح العطل.

تبحث عن طريقة زراعة الطماطم، فتريد أن تعرف متى تسقيها وكيف تقلمها، فإذا بك تشاهد عرضًا بصريًا طويلًا قبل أن تصل إلى المعلومة.

يا أخي، اتركونا نشوف الشيء الذي جئنا من أجله!

زمان، كان المحتوى يقول لك:

«تعال، سأعلمك شيئًا.»

أما اليوم، فأحيانًا يقول لك المحتوى:

«تعال، وسأغريك.»

حتى أصبح بعض المحتوى أقرب ما يكون إلى دعاية لحبوب فياغرا.

وهنا وصلنا إلى شيء غريب:

حتى أذنك لم تعد تستطيع أن تعمل وحدها؛ صار عليها أن تستأذن عينيك أولًا.

وهذا بالضبط ما أرفضه في الموسيقى.

عندما يصبح الجسد أهم من الصوت

متى أصبح المطرب مضطرًا إلى أن يستعرض كل شيء إلا صوته؟

أنا عندما أسمع فيروز، مثلًا، لا أشعر أنني أمام شخص يريد أن يثبت لي شيئًا بجسده.

فيروز تستعرض صوتها.

وهذا يكفيني.

الفنان الحقيقي، في رأيي، لا يحتاج أن يصرخ في وجهك:

«انظر إليّ!»

يكفي أن يجعلك تقول:

«اسمع.»

أنا لا أريد أن أُجبر على مشاهدة شيء حتى أستطيع سماع شيء.

الأذن ليست تابعة للعين.

والأغنية ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى إعلان طويل عن صاحبها حتى تصبح أغنية.

ثم تأتي المصيبة الأخرى: الأغنية التي ترقص وأنت تبكي

وهنا عندي مشكلة أخرى مع الموسيقى الحديثة.

أحيانًا تسمع لحنًا حماسيًا جدًا.

إيقاع راقص.

الموسيقى ترفعك من مكانك.

الناس ترقص.

وأنت، طبعًا، تدخل معهم في الجو.

ثم تأتي الترجمة.

فتكتشف أن الرجل، في الحقيقة، يبكي على أبوه.

يا جماعة، استنوا شوي!

إحنا بنرقص على إيش بالضبط؟

الأغنية حزينة.

اللحن فرحان.

المغني يبكي.

والجمهور يرقص.

وأنت واقف في المنتصف لا تعرف: هل المطلوب منك أن ترقص أم تعزيه؟

وهذا يشبه تمامًا أن تكون مهاجرًا جديدًا ولسه مش فاهم اللغة مظبوط؛ كل ما يجي واحد يحكي لك إشي، تبتسم وتهز راسك وكأنك فاهم، إلى أن تكون جالسًا في القطار، فيجلس بجانبك رجل ويحكي لك طوال الطريق عن ابنه الوحيد وكيف مات، وأنت طول الطريق تهز راسك وتبتسم له:

«آه، والله… جميل.»

ثم فجأة تفهم أنه لم يكن يحكي لك قصة مضحكة أصلًا.

فتتغير ملامحك.

وتبدأ تنظر حولك.

وين الحمام؟

وين الباب؟

أنا بدي أنزل من القطار.

وهكذا أصبحت بعض الأغاني:

أنت ترقص، والأغنية تبكي.

لا أنت فاهم ماذا يحدث، ولا الأغنية فاهمة لماذا أنت ترقص عليها.

طيبات السمع

ومن هنا بدأت أبحث عن شيء آخر.

سمعت الموسيقى الروسية، مع تحفظاتي على بعض ما فيها.

ثم وجدت نفسي أعود مرارًا إلى الموسيقى الجورجية.

وهناك وجدت الفنانة الجورجية ميجي غوغيتيدزي (Megi Gogitidze).

ميجي بالنسبة إليّ ليست مجرد مغنية.

هي مثال على الفكرة التي أحاول شرحها.

لا أفهم الجورجية.

قد لا أفهم كلمة واحدة مما تغنيه.

لكنني أفهم شيئًا آخر.

أفهم الإحساس.

وهنا اكتشفت أن الموسيقى لا تحتاج دائمًا إلى مترجم.

أنا لا أحتاج أن يأتي الشيف ويشرح لي مكونات الطبق قبل أن أعرف أنه لذيذ.

ولا أحتاج أن أعرف اسم كل مقام وإيقاع حتى أعرف أن أذني وجدت شيئًا تحبه.

أعطني الموسيقى.

دعني أتذوقها.

قد لا أعرف ماذا وضع الطباخ في الطبق، لكنني أعرف أن الطبق طيب.

وهكذا الموسيقى.

قد لا أفهم اللغة، لكن شيئًا منها يصل إليّ.

وهذا، بالنسبة إليّ، هو الفن.

الفن لا يشرح نفسه دائمًا.

أحيانًا يكفي أن يصل.

ومع ميجي، وصلتني الموسيقى دون أن أفهم اللغة.

وهذه هي «طيبات السمع» التي أبحث عنها.

ليس شرطًا أن تكون الموسيقى هادئة.

وليس شرطًا أن يقف الفنان مثل تمثال في متحف.

يمكنه أن يركض على المسرح، ويتحرك، ويجنّ قليلًا، ويعيش الأغنية بكل ما فيه.

لا مشكلة.

المهم أن يكون هناك شيء يستحق أن يدخل الأذن.

وهنا أصل إلى الفكرة كلها.

كما أننا لا نأكل كل ما يوضع أمامنا على المائدة، لأننا نعرف أن بعض الطعام يؤذينا، فلماذا نتعامل مع آذاننا وكأنها مكب نفايات مفتوح؟

لماذا نسمح لكل خبر أن يدخل؟

ولكل صراخ؟

ولكل أغنية؟

ولكل رأي؟

ولكل شخص يحمل ميكروفونًا؟

ولكل شخص فتح كاميرا أن يحتل أذننا عشر دقائق؟

الأذن أيضًا لها حق.

والذوق له حق.

والموسيقى لها حق.

والمستمع له حق.

لذلك أنا لا أقول لكم: افعلوا مثلي واقطعوا الموسيقى العربية.

هذه ليست دعوة إلى هجرة جماعية من الموسيقى العربية.

أنا فقط أقول:

اختاروا.

لا تدخلوا إلى أذنكم كل ما يُنتج.

ليس كل ما يسمى أغنية يستحق أن يُسمع.

وليس كل من حمل ميكروفونًا أصبح مطربًا.

وليس كل من فتح كاميرا أصبح خبيرًا.

وليس كل ما انتشر أصبح فنًا.

وليس كل ما رأته العين يستحق أن تسمعه الأذن.

لأن الإنسان الذي تعلم أن ينتبه لما يدخل إلى فمه، يستطيع أن يتعلم أيضًا أن ينتبه لما يدخل إلى أذنه.

وهذا هو نظام طيبات السمع:

فلتر صغير بينك وبين هذا العالم الكبير.

خذ منه ما يضيف إليك.

واترك ما يؤذي ذوقك.

استمع لما يستحق الاستماع.

ولا تجعل أذنك مكبًا لكل ما عجز الآخرون عن الاحتفاظ به.

وفي النهاية، نتمنى أن يقف المشروع هنا.

لدينا طيبات للفم.

وطيبات للسمع.

يكفينا الفم والأذن… خلّوا باقي الإنسان بحاله.



#هيثم_ضمره (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السائح يضحك… ونحن لا نفهم لماذا
- من نظام الطيبات إلى الطيزات
- هناك، حيث تغني الجبال
- ماتَ الذي كنته… فمن الذي استيقظ مكانك؟
- ذئبٌ من الجبال… ومهرةٌ من الصحراء
- نقلنا كل شيء… إلا أسباب النجاح
- حين يصبح العشب قضية
- ليس كل من يصرخ مخلصًا للوطن
- الإمارات كما عرفتها أنا
- بيان الاعتذار… من الاشتراكية إلى معسكر الواقع
- لا شيء أغلى من حياة الإنسان
- لعلّ الشباب
- من الكاتب إلى المفكّر…
- ترامب… حين تتحول الرئاسة إلى منصة مضاربة عالمية
- سقوط الدولار ونهاية الاقتصاد الوهمي
- الدول التي لا تصرخ تقود: قراءة في الدور الكندي القادم
- نهاية النظام العالمي القديم: ماذا بعد الدولار؟
- القارة العجوز في زمن الأوغاد
- فنزويلا، الردع النووي، وانهيار وهم القيادة العالمية
- حين تتحول القرى إلى أحياء سكنية والاقتصاد إلى “واجهة بلا آلة ...


المزيد.....




- عن عمر 36 عاماً، وفاة الممثلة الأمريكية هايدن بانيتيري نجمة ...
- إذاعة الأغاني تحتفي بذكرى رحيل الشاعر فتحي قورة
- الاستخبارات الروسية: الغرب يعد مسرحية جديدة لاتهام روسيا بتس ...
- في دورة استثنائية.. -كتارا- تعلن قوائمها القصيرة لجائزة الرو ...
- الممثلة هايدن بانتير شريكة فلاديمير كليتشكو السابقة تتوفى عن ...
- مهندس إماراتي في موسكو: مستقبل العمارة في مساحات تجمع الناس ...
- إيطاليا: سرقة لوحات -استثنائية- للفنان الشهير أنتونيلو دا مي ...
- بدأت مسيرتها الفنية طفلة.. وفاة الممثلة هايدن بانتير عن عمر ...
- فلسطين ليست مرآة لأحد: من كسر احتكار الرواية إلى استعادة ا ...
- صائد الأمواج.. سليم النفار الشاعر الشهيد الذي ما زال تحت الر ...


المزيد.....

- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - هيثم ضمره - نظام طيبات السمع