أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - هيثم ضمره - حتى بالانحراف إله ضوابط















المزيد.....

حتى بالانحراف إله ضوابط


هيثم ضمره

الحوار المتمدن-العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 11:42
المحور: كتابات ساخرة
    


إذا كنت عربيًا، وتعيش في المنطقة الممتدة من المحيط إلى الخليج، وبدأت تشعر أن حياتك أصبحت مملة، وأنك تحتاج إلى شيء من المغامرة، أو هواية جديدة، أو قليل من الخروج عن المألوف…

اهدأ.

قبل أن تفعل أي شيء، ارجع إلى بيتك، اعمل لك كوب شاي، واقعد شوي.

لأنك على الأغلب لا تعرف حجم المصيبة الاجتماعية التي أنت مقبل عليها.

أنت أول ما تروح على المجتمعات الغربية، تكتشف أن الناس عندهم أسئلة غريبة.

ما بسألك عن دينك.

ولا بسألك من وين أنت.

ولا أول سؤال عنده: «متزوج؟ وكم ولد عندك؟»

يسألك:

«شو هواياتك؟»

Hobbies.

لأن الإنسان عندهم، على ما يبدو، مطلوب منه أن يكون عنده شيء يحبه ويمارسه بوقت فراغه.

مش بالضرورة شغل.

مش بالضرورة دراسة.

هواية.

حتى يعرفوا إذا في شيء مشترك بينكم.

فتلاقيه يسألك:

“What are your hobbies?”

وأنت تبدأ تطلع حواليك.

لأنك فجأة تتذكر الحقيقة المرة:

ما عندك هواية.

شو بدك تقوله؟

«والله بحب أقعد.»

«بحب أنام.»

«بحب أفتح الثلاجة كل عشر دقائق وأشوف إذا تغير شيء.»

فتبدأ تلف وتدور.

لكن إذا، لا سمح الله، كان عندك فعلًا هواية، وقلت له:

«بحب تسلق الجبال.»

هنا يبدأ الإعجاب.

«واو! تسلق جبال؟»

Oh my God! He has hobbies!

شاب نشيط.

يحب الأدرينالين.

يبحث عن تجارب جديدة.

وقد تجد واحدًا يسألك عن آخر مغامرة عملتها، وواحدًا ثانيًا يقترح عليك مكانًا جديدًا تروحه.

أما عندنا…

فالموضوع مختلف قليلًا.

الخطوة الأولى: إياك أن تكون عندك هواية

تخيل أنك، لا سمح الله، خطرت ببالك فكرة أنك تتسلق جبلًا.

أو تطلع على مكان مرتفع عشان تشوف شروق الشمس.

أو تأخذ صورة.

أو تشوف أبراج السادس.

أو أصلًا أنت نفسك لا تعرف لماذا طلعت.

المهم أنك قررت، في لحظة ضعف عقلي، أن تتسلق عمارة قيد الإنشاء في الحي.

أول ما تصل إلى منتصف المبنى…

تسمع:

«حرامي! حرامي!»

تطلع من الشباك المقابل.

جارك أبو أحمد:

«يا ابن الحلال! انزل! شو بتعمل هناك؟!»

أنت:

«يا أبو أحمد، والله بس—»

«انزل يا زلمة! نزل! نزل!»

يطلع واحد ثاني من الشباك:

«شو فيه؟»

أبو أحمد:

«واحد فوق العمارة!»

«حرامي؟»

«مش عارف! بس أكيد مش طبيعي!»

بعد دقيقتين، الشارع كله صار تحت العمارة.

واحد يتصل بالدفاع المدني.

واحد بالإسعاف.

واحد بالشرطة.

واحد يصور.

واحد يعطيك نصائح من تحت.

واحد يقول:

«لا تتحرك!»

والثاني:

«تحرك بس شوي!»

والثالث:

«خليك مكانك!»

والرابع أصلًا لا يعرف شو القصة، لكنه وصل لأنه شاف الناس متجمعة.

وبعد قليل تصبح أنت أهم حدث في الحارة.

تصل سيارات الطوارئ، ويبدأ رجال الإنقاذ بالتعامل مع الموقف، وأنت واقف فوق العمارة تفكر:

«يا جماعة، بدي أحكي لكم بس…»

لكن لا أحد يسمعك.

لأن القصة أخذت منحنى آخر تمامًا.

وبعدها تبدأ الروايات:

«شاب غريب شوهد فوق عمارة قيد الإنشاء.»

«حاولنا مساعدته.»

«الحمد لله تدخلت الجهات المختصة.»

«كان لازم ينتبه من البداية.»

وأنت تنزل من العمارة، تكون قد اكتسبت خلال ساعتين ملفًا اجتماعيًا كاملًا.

هواية جديدة؟

لا.

مغامر؟

مستبعد.

شاب عنده طموح؟

مستحيل.

شبهة؟

نعم.

وتجد نفسك في نهاية المغامرة تحاول شرح:

«والله يا جماعة، كنت بدي أشوف المنظر بس.»

فيرد عليك الموظف:

«طيب… تعال معنا.»

وهنا تفهم أن المشكلة لم تكن في العمارة.

المشكلة أنك فكرت أصلًا بفكرة غير مألوفة.

الهوايات الخطيرة المعتمدة عندنا

لذلك، إذا كنت تبحث عن هواية فيها أدرينالين، لا تتعب نفسك.

لدينا مجموعة من الهوايات الشعبية الآمنة اجتماعيًا.

مثلًا:

الهروب من المدرسة وقت الفرصة عشان تروح تشتري من المطعم اللي جنب المدرسة.

أحلى من أكل المقصف طبعًا.

أو أنك ترن جرس بيت واحد وتهرب.

هذه هواية جماعية قديمة.

أو تسرق حبة فاكهة من شجرة الجيران وتهرب قبل ما يشوفك صاحب البيت.

أو تسرق قداحة صاحبك وترجعها بعد أسبوع وكأنك لقيتها صدفة.

هذه الأشياء مفهومة.

هذه لها تاريخ.

أما أن تقول:

«أنا أحب تسلق الجبال.»

فهنا تبدأ الأسئلة.

«ليش؟»

«شو بتحس؟»

«شو مستفيد؟»

«ما عندك شغل؟»

ثم يأخذك صاحبك على جنب:

«معلم… بدي أحكي معك ع انفراد.»

وأنت تفتح فمك وتحاول تبرر.

«شو صاير معك؟»

«أنت مش طبيعي هالأيام.»

«يعني شو ناقصك بحياتك؟»

وهذا السؤال الأخير هو الأخطر.

لأن المجتمع لا يريد أن يعرف ماذا تحب.

يريد أن يعرف لماذا لم تعد مثلنا.

الخطوة الثانية: قائمة الانحراف الرسمية

وهنا نصل إلى الجزء الأكثر تنظيمًا.

عندنا حتى الانحراف له منهج دراسي.

إذا أردت أن تكون شخصًا «منحرفًا»، لا يمكنك اختراع أسلوبك الخاص.

هناك قائمة غير مكتوبة، لكنها معروفة للجميع.

أولًا:

أن تسكر وتبدأ تترنح في الشارع، وتمسك بالحيطان حتى تصل إلى بيتك، بينما تحاول إقناع كل من تقابله أنك بخير.

«أنا؟!

أنا زي الفل يا باشا!»

ثم تبدأ في سرد القصص.

قصة وراء قصة.

ولا أحد يعرف أين بدأت القصة ولا أين ستنتهي.

ثم تنتقل إلى قصة ثانية.

ثم ثالثة.

ثم تبدأ بإعطائك نصائح عن الزواج، وهو أصلًا لم يتزوج.

ثم نصائح عن تربية الأولاد، وهو لم يربِّ حتى نبتة صبار.

ثم فجأة يتحول إلى فيلسوف.

وهنا يصبح الأمر أخطر.

لأنك لم تعد تعرف هل أنت جالس مع شخص فاقدًا لتركيزه، أم محاضر في جامعة، أم شاهد عيان على تاريخ البشرية.

وهناك طبعًا النسخة الأخرى من «الانحراف التقليدي»؛ شخص يدخل في عالم المواد التي تغيّر الإدراك، ثم يحاول أن يبدو طبيعيًا أمامك.

فتجلس معه وهو يحكي لك عن إنجازاته العظيمة.

تنظر إليه.

ثم تنظر إلى هاتفه المكسور الذي لا يعمل إلا إذا ظل موصولًا بالشاحن.

وتقول في نفسك:

«طيب… هذا الرجل عن أي إنجازات يتحدث؟»

ثم تكتشف أنه منذ تسع سنوات يحاول التخرج من الكلية.

ولا يزال يأخذ مصروفه من والده.

ومع ذلك، في روايته الخاصة، هو رجل أعمال، وفيلسوف، وخبير علاقات دولية، وصاحب مشروع عالمي.

ويبدأ يسولف لك عن الحياة.

عن النجاح.

عن الناس.

عن المستقبل.

وأنت جالس أمامه، فاتح فمك، تحاول أن تفهم أين ذهبت هذه الثقة كلها.

وهنا تعرف أنك أمام شخص محترف.

محترف في ماذا؟

في إعادة تدوير نفس الانحراف الذي يعرفه المجتمع أصلًا.

أما أن تخترع انحرافًا جديدًا…

فهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

لأنك إذا قررت أن تجرب شيئًا مختلفًا تمامًا، أو تبحث عن هواية غريبة، أو تخترع لنفسك طريقة جديدة للخروج من الملل، فقد لا يقولون:

«هذا إنسان عنده فضول.»

ولا:

«هذا شخص يحب التجربة.»

بل يبدأون:

«شو صاير معك؟»

«أنت مريض؟»

«أنت غريب.»

«مين مأثر عليك؟»

وقد يصل الأمر إلى اتهامات أكبر بكثير من الفكرة نفسها.

يعني حتى في الانحراف…

ممنوع أن تبتكر.

إذا أردت أن تنحرف، انحرف مثل الجميع.

إذا أردت أن تتمرد، تمرد بالطريقة التي يعرفها الناس.

إذا أردت أن تكون مختلفًا، كن مختلفًا ضمن الحدود المتفق عليها.

أما أن تأتي بانحراف جديد من عندك…

فهنا أنت لا تعود «منحرفًا».

أنت تصبح مشكلة اجتماعية.

وهذه هي المفارقة.

المجتمع قد يتسامح مع شخص يفعل شيئًا سيئًا لأنه مألوف.

لكنه قد ينزعج أكثر من شخص يفعل شيئًا غريبًا لأنه غير مفهوم.

فالمشكلة ليست دائمًا في الشيء الذي تفعله.

المشكلة أحيانًا أنك فعلته بطريقة لم يعتد عليها الناس.

ولهذا، إذا كنت عربيًا وتشعر أن حياتك مملة، وتفكر في هواية جديدة، أو مغامرة، أو شيء مختلف عن المعتاد…

قبل أن تبدأ،

اقعد.

فكر مليًا.

واستشير الحارة.

لأنك في بعض مجتمعاتنا تستطيع أن تكون منحرفًا…

لكن بشرط أن يكون انحرافك معروفًا.

أما أن تكون مختلفًا بطريقة جديدة…

فهذه قصة ثانية.

حتى بالانحراف… إله ضوابط.



#هيثم_ضمره (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قبل أن تصبح مهاجرًا
- شيتو غفريتو… من الطيبات
- الطيبات التي لا تؤكل
- نظام طيبات السمع
- السائح يضحك… ونحن لا نفهم لماذا
- من نظام الطيبات إلى الطيزات
- هناك، حيث تغني الجبال
- ماتَ الذي كنته… فمن الذي استيقظ مكانك؟
- ذئبٌ من الجبال… ومهرةٌ من الصحراء
- نقلنا كل شيء… إلا أسباب النجاح
- حين يصبح العشب قضية
- ليس كل من يصرخ مخلصًا للوطن
- الإمارات كما عرفتها أنا
- بيان الاعتذار… من الاشتراكية إلى معسكر الواقع
- لا شيء أغلى من حياة الإنسان
- لعلّ الشباب
- من الكاتب إلى المفكّر…
- ترامب… حين تتحول الرئاسة إلى منصة مضاربة عالمية
- سقوط الدولار ونهاية الاقتصاد الوهمي
- الدول التي لا تصرخ تقود: قراءة في الدور الكندي القادم


المزيد.....




- من الموسيقى إلى الذكاء الاصطناعي.. ماذا تخبئ -إيربودز- مع -آ ...
- بمشاركة عربية.. انطلاق مهرجان أوركسترا الشباب العالمي الرابع ...
- -الرحمة-.. صبا مبارك وباسم ياخور وقيس الشيخ نجيب في مواجهة ا ...
- سبع حقائق عن -قلب الشيشان-.. أحد أبرز مساجد القوقاز الروسي ( ...
- 8.2 مليون روبل لدعم 7 مشاريع إبداعية في كبردينو - بلقاريا
- فنان مصري مشهور يطلب التوبة.. ودار الإفتاء توجه رسالة
- أكشاك الكتب في عمّان.. حين تحفظ الأرصفة ذاكرة المدينة
- فنان يُدخل معالم الشارقة إلى عالم -باتمان- بالذكاء الاصطناعي ...
- غزة وذاكرة الحرب.. أفلام عالمية في الدورة التاسعة من الجونة ...
- مهرجان -كوروتشي- السينمائي ينطلق في كالينينغراد بطابع دولي ل ...


المزيد.....

- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - هيثم ضمره - حتى بالانحراف إله ضوابط