أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هيثم ضمره - قبل أن تصبح مهاجرًا














المزيد.....

قبل أن تصبح مهاجرًا


هيثم ضمره

الحوار المتمدن-العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 03:01
المحور: الادب والفن
    


لما تروح على معرض سيارات في كندا وبدك تشتري سيارة، البياع ما بيجبرك تدفع وتمشي. بيحط لك لوحة مؤقتة، بيعطيك المفتاح، وبيقول لك:

«تفضل، اعمل Drive Test.»

بتاخذ السيارة، بتلف فيها، بتجربها على أرض الواقع. عجبتك؟ بتشتريها. ما عجبتك؟ بترجع المفتاح وبتروح تدور على غيرها.

بكل بساطة.

وتخيلوا لو الحياة نفسها فيها Drive Test!

تروح على بلد، تعيش فيها شهرين، تمشي في شوارعها، تشوف ناسها، تجرب طقسها وقوانينها، وبعدين تقول:

«آه… هاي البلد زبطت معي.»

أو:

«لا، هاي مش إلي.»

وترجع المفتاح.

يا ريت الحياة هيك.

أنا من وأنا صغير كنت أتساءل عن أشياء كثيرة، وخصوصًا عن العالم الذي ولدت فيه. وكل ما كبرت شوي، فتحت التلفزيون، لقيت حربًا أو احتلالًا أو أزمة أو حدودًا أو صراعًا جديدًا.

وبدل ما أقعد أسأل: «ليش إحنا هيك؟»

كنت أدور على حل.

مسكت الأطلس.

وصرت أقلب الدول مثل واحد داخل مطعم وبقلب المينيو:

هاي باردة.

هاي حارة.

هاي كبيرة.

هاي صغيرة.

هاي فيها مضائق.

هاي بلد نفطي.

هاي أجمل.

هاي بعيدة.

هاي قريبة.

وهاي…

شكلها ممكن تزبط!

صارت الخريطة بالنسبة إليّ منيو العالم.

أنا ما كنت أبحث عن بلد أزوره.

كنت أبحث عن بلد أجرّبه.

أعيش فيه، أشوف شوارعه، ناسه، طقسه، قوانينه، وأعيش يومه العادي، وبعدها أقرر.

وحتى لما كنت أفكر أطلع من الوطن العربي، ما كان الموضوع كرهًا للوطن، ولا رفضًا للناس، ولا حكاية جنسية أو تجنّس.

بالعكس.

كنت أحب بلدي، وأعرف أنه جزء مني.

لكن كنت أشعر أنني إذا بقيت داخل نفس الدائرة، فسأظل أعيش بنفس اللغة، ونفس الأخبار، ونفس الأسئلة، ونفس طريقة النظر إلى العالم.

كنت أبحث عن تجربة مختلفة تمامًا.

لدرجة أن خيالي كان يروح لأماكن غريبة.

كنت أتخيل، من شدة رغبتي في تغيير المشهد، أنني أصحى الصبح فأكتشف أنني في عالم آخر…

أحكي لغة ثانية.

أقرأ أخبارًا بلغة ثانية.

وأفكر، ولو ليوم واحد، خارج كل القوالب التي تربيت عليها.

وكنت أستغرب:

العلم اخترع الطائرات، ووصل للقمر، وخلى السيارة تسوق حالها…

بس ما اخترع لنا Drive Test للحياة.

ما أعطانا فرصة نجرب البلد قبل ما نعطيها عمرنا.

ولو كان الخيار بيدي، كنت أختار حياة أبسط.

ما بدي أصحى كل صباح وأفتح الأخبار باللغة العربية، فأدخل في سيل لا ينتهي من الحروب والتصريحات والأزمات.

بدي أفتح عيني على المطر.

أطلع من الخيمة.

أشوف الجبل.

أشوف الحصان.

وأقول:

«اليوم ما في خبر عاجل.»

وهذا لحاله خبر عاجل.

ولهذا أخذتني مخيلتي بعيدًا؛ إلى جورجيا، إلى أرمينيا، إلى منغوليا.

أما منغوليا، فكانت تغريني بفكرة غريبة:

سهوب واسعة، خيول، خيام…

لا مضائق.

لا موانئ.

لا نفط.

شو عندي هناك؟

حصان.

خيمة.

وكم غرض بسيط.

خلي العالم يتقاتل على النفط والموانئ والممرات.

أنا أقعد فوق حصاني وأقول:

«الله يفرج كربكم… بس لا حدا يزعجني.»

مع الوقت، فهمت أنني لا أبحث عن البلد الأغنى، ولا الأقوى، ولا الأكثر رفاهية.

كنت أبحث عن مكان أقدر فيه أكون إنسانًا فقط.

واحد عنده جبل وسماء واسعة وحصان.

واحد يحب، ويتزوج، ويعيش، من غير ما يقف فوق رأسه ألف واحد يسأله:

«منين أنت؟

شو شهادتك؟

شو شغلك؟

شو عندك؟

وين بيتك؟»

وكأن الإنسان لا يحق له أن يعيش إلا بعد أن يقدم ملفًا كاملًا عن نفسه.

من شدة التعقيد، صار ناس يدوروا على أي مهرب.

وأنا بصراحة، ضد هذا النوع من الهروب.

لكن الواقع قدامنا.

روحوا شوفوا بعض شبابنا في الجامعات، خصوصًا اللي بعيدين عن أهلهم، وكيف صار بعضهم يبحث عن الهروب في المخدرات والمهلوسات.

واحد أبوه يمكن يشتغل ليل نهار حتى يوصله للجامعة ويدرسه طب، وهو بعيد عن البيت، بدل ما يجد مساحة يحكي فيها مع أبوه عن خوفه، ووحدته، وضغطه، وأسئلته… قد يجد نفسه يبحث عن شيء ينسّيه.

وأنا هون ما بدي ألوم الابن وحده.

ولا بدي ألوم الأب.

بدي أسأل:

ليش وصلنا إلى مرحلة صار فيها الابن يخاف يحكي مع أبوه؟

ليش ما يكون بين الأب وابنه حديث حقيقي؟

ليش لازم الشاب يخفي أسئلته حتى لا يُحاكم؟

ليش ما يقدر يقول:

«أنا تعبان.»

«أنا خايف.»

«أنا مش فاهم.»

«أنا مش عارف وين رايح.»

ويلاقي أبوه جنبه، مش فوق رأسه؟

يمكن مشكلتنا من البداية ما كانت إننا ما وجدنا بلدًا مناسبًا.

يمكن مشكلتنا إننا ما عرفنا نصنع مساحة آمنة للإنسان داخل البلد التي وُلد فيها.

ولهذا، أنا لا أبحث عن وطن أهرب إليه بقدر ما أبحث عن مكان أقدر فيه أن أعيش إنسانًا.

مكان أقدر أحكي فيه.

أحب فيه.

أخطئ فيه.

وأجرب فيه.

وإذا ما زبط معي…

أرجع المفتاح.

وأقول:

«يعطيكم العافية.»

ثم أركب حصاني، وأمشي باتجاه الجبل.



#هيثم_ضمره (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شيتو غفريتو… من الطيبات
- الطيبات التي لا تؤكل
- نظام طيبات السمع
- السائح يضحك… ونحن لا نفهم لماذا
- من نظام الطيبات إلى الطيزات
- هناك، حيث تغني الجبال
- ماتَ الذي كنته… فمن الذي استيقظ مكانك؟
- ذئبٌ من الجبال… ومهرةٌ من الصحراء
- نقلنا كل شيء… إلا أسباب النجاح
- حين يصبح العشب قضية
- ليس كل من يصرخ مخلصًا للوطن
- الإمارات كما عرفتها أنا
- بيان الاعتذار… من الاشتراكية إلى معسكر الواقع
- لا شيء أغلى من حياة الإنسان
- لعلّ الشباب
- من الكاتب إلى المفكّر…
- ترامب… حين تتحول الرئاسة إلى منصة مضاربة عالمية
- سقوط الدولار ونهاية الاقتصاد الوهمي
- الدول التي لا تصرخ تقود: قراءة في الدور الكندي القادم
- نهاية النظام العالمي القديم: ماذا بعد الدولار؟


المزيد.....




- منتدى النقد الثقافي والدراسات الثقافية يحتفي بتجربة البيضاني ...
- مايا مناع: إقبال الجمهور على -أرض اللبان- يؤكد نجاح RT في بن ...
- RT تعرض فيلمها الوثائقي -أرض اللبان- في سلطنة عمان باحتفالية ...
- الكلفة الإنسانية للرفاهية الغربية.. من مذبحة سفينة -زونغ- إل ...
- مروان خوري يعود إلى سوريا.. ليلة غنائية مجانية على مسرح معرض ...
- أيمن زيدان يكسر صمته ويرد على حملة -كيماوي الوطن ولا بارفان ...
- -حي الطفايلة- في عمّان.. كيف تحوّل سفح جبل فقير إلى -عاصمة ل ...
- الثقافة تعزز التقارب الروسي الجزائري
- سحر الأبيض والأزرق.. -سيدي بوسعيد- لوحة تراثية تروي ذاكرة تو ...
- وزير التربية والتعليم يعتمد نتيجة الدور الثاني للدبلومات الف ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هيثم ضمره - قبل أن تصبح مهاجرًا