أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - هيثم ضمره - المشروب الأسود















المزيد.....

المشروب الأسود


هيثم ضمره

الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 14:25
المحور: كتابات ساخرة
    


«المشروب الأسود» حكاية من الكتاب الساخر القادم A Very Polite Forest للكاتب الأردني المقيم في كندا هيثم ضمره. سيصدر الكتاب باللغة الإنجليزية، ويستمد حكاياته من تفاصيل الحياة اليومية في كندا، حيث تختبئ خلف حيوانات الغابة وأماكنها تفاصيل قد تبدو مألوفة لمن عاش هناك.


المشروب الأسود
عند طرف الغابة، كان هناك محل صغير يبيع مشروبًا أسود.

مرًّا.

ساخنًا.

ولا يفعل شيئًا واضحًا.

لكن الحيوانات كانت تقف أمامه في طابور طويل كل صباح كي تحصل عليه.

كان بعضها يقول إن المشروب يوقظ الرأس، وبعضها يقول إنه يحسّن المزاج.

أما برونو، الدب الأبيض الضخم، فكان يشرب ثلاثة أكواب كل صباح.

يمسح فمه بعد الأول، ويتثاءب بعد الثاني، ويشرب الثالث وهو ينظر إلى ساعته، كأن التأخير جاء من المشروب لا منه.

لم يستيقظ رأسه.

ولم يتحسن مزاجه.

ومع ذلك، كان يعود في اليوم التالي.

كان المحل قديمًا. بابه أحمر، وسقفه منخفض، وفوقه مدخنة صغيرة تستيقظ قبل جميع حيوانات الغابة.

وكانت فوق الباب لافتة حمراء أيضًا، أو هكذا يقول كبار السن. أما اسم المحل، فكانت حروفه ممسوحة من الأطراف؛ الحيوانات الصغيرة لا تستطيع قراءته، والحيوانات الكبيرة تقرؤه من الذاكرة.

عندما يظهر الدخان من المدخنة، تعرف الحيوانات أن تومي، الغزال العجوز، وصل، وأن مشروب الصباح أصبح جاهزًا.

لم يكن تومي هو الذي أسس المحل.

قرب الموقد كانت معلقة صورة غزال شاب وسيم، يقف فوق الجليد وبيده عصا هوكي. كانت الحيوانات تقول إنه المؤسس؛ كان يلعب الهوكي في الشتاء، ويبيع المشروب الأسود حين تسمح له المباريات، ثم افتتح المحل الأول وعلّق عصاه قرب الباب.

لكنه رحل في الرابعة والأربعين، بعد حادث على الطريق، قبل أن يرى إلى أين ستصل اللافتة الحمراء.

أما كيف وصل المحل إلى تومي، فكانت لدى الحيوانات الكبيرة روايات كثيرة، ولم تكن لدى الأوراق رواية واحدة.

كان تومي يعرف زبائنه.

يعرف أن البومة تطلب مشروبها خفيفًا، ثم تظل مستيقظة طوال الليل.

وأن سنجابًا صغيرًا يطلب كوبين: واحدًا له، وآخر للوظيفة التي سيذهب إليها بعد وظيفته الأولى.

أما الغزال صاحب القرنين اللامعين، فكان يطلب كوبًا صغيرًا، ويجلس أمامه حتى يبرد، ثم يطلب تسخينه. وفي كل مرة، كان تومي يسخنه.

لم يكن سريعًا، لكن الحيوانات لم تأتِ إليه من أجل السرعة. كانت تأتي لأنها تعرفه، وهو يعرفها. وإذا تأخر أحدها يومين، سأله في اليوم الثالث:

— أين كنت؟

ثم بدأ التوصيل ينتشر في الغابة.

صارت الحيوانات تريد المشروب الأسود من دون أن تخرج من جحورها، فبدأ تومي يبحث عن حيوان يوصل الطلبات.

وفي الجهة الأخرى من الغابة، كان فاتو، الضربان السمين، قصير الساقين، يتوسط ظهره خط أبيض عريض، ويملك عربة حمراء تبدو أسرع منه بقليل.

كان يعمل في مطعم شاورما يملكه ضربان طويل نحيل، له خط أبيض رفيع وذيل كثيف يعتني به أكثر من عماله.

وفي أحد الأيام، وضع المدير طلبًا فوق الطاولة، ثم أدار وجهه وأعطى فاتو ظهره، وانحنى قليلًا كأنه اتخذ وضعية الدفاع عن النفس.

ظن فاتو أنه يبحث عن شيء تحت الطاولة، فانحنى هو أيضًا لينظر.

لم ير شيئًا.

وعندما رفع رأسه، كان آخر ما رآه ذيل المدير يرتفع.

ثم خرجت دخنة سوداء.

وعتمت الدنيا.

تراجع فاتو وهو يسعل، واصطدم بالباب.

أعاد المدير ذيله إلى مكانه، ثم استدار وقال:

— Oh, sorry.

وأشار إلى الطلب.

— أسرع. الزبون ينتظر.

حمل فاتو الكيس وغادر، وظلت رائحة اعتذار المدير ترافقه حتى بعد أن أوصل الطلب.

تكرر الأمر.

وفي كل مرة، كان المدير يقول:

— Oh, sorry.

حتى فهم فاتو أن الكلمتين لا تمنعان الإهانة، لكنهما تجعلانها رسمية.

لم يترك العمل فورًا. كان يحتاج إلى الأجر، وكان مديره يحتاج إلى حيوان يقف في الجهة الصحيحة من ذيله.

لكن عندما سمع أن تومي يبحث عن عامل توصيل، أخذ عربته الحمراء وذهب إليه.

كانت هذه أول مرة يعمل فيها عند غزال. وكان يظن أن جميع أصحاب المحلات يعاملون عمال التوصيل بالطريقة نفسها؛ فالمدير، في النهاية، يجب أن يترك أثرًا.

في أول يوم، كان الطلب جاهزًا قبل وصوله. ناوله تومي الكيس وقال:

— صباح الخير.

أخذ فاتو الطلب، لكنه لم يتحرك. ظل ينظر إلى تومي، ثم إلى ذيله.

كان الذيل في مكانه، ولا يبدو أنه يستعد لأي إجراء إداري.

سأله تومي:

— هل كل شيء بخير؟

قال فاتو بحذر:

— نعم.

ثم خرج وهو يلتفت خلفه.

في اليوم الثاني، كان الكيس جاهزًا أيضًا.

وفي الثالث، شكره تومي.

وبعد أسبوع، اطمأن فاتو أخيرًا.

لم يكن تومي يؤجل الإهانة.

كان فقط يحسن معاملته.

صار فاتو يصل كل صباح، ويفتح الباب، فتضربه رائحة الحبوب المحمصة في وجهه. يتنفس بعمق، ثم يتذكر أن الرائحة ليست جزءًا من أجره.

كان تومي يجهز الطلبات قبل وصوله، ولا يجعله ينتظر الحيوانات التي دخلت بعده. وإذا كان الطلب بعيدًا، زاد أجره. وإذا كان الثلج كثيفًا، أعطاه كوبًا ساخنًا للطريق.

وفي مرة، كان الطلب إلى جحر عند نهاية الممر الشمالي.

قال فاتو:

— الطريق إلى هناك مغلق بالثلج.

وضع تومي عشرين دولارًا فوق الكيس وقال:

— افتحه.

أخذ فاتو الطلب والعشرين دولارًا.

وفتح الطريق.

أحب فاتو العمل مع تومي. كان تومي كريمًا، والطلبات كثيرة.

وللمرة الأولى، كان فاتو يعود إلى جحره حاملًا رائحة المشروب الأسود وحدها.

من دون رائحة الإدارة.

وفي صباح عاصف، لم يخرج أحد من جحره. بقيت الحيوانات في الداخل، وبدأت تطلب المشروب الأسود بكميات أكبر؛ فالحيوان الذي يخاف الخروج في العاصفة يحتاج إلى كوبين كي يشعر بالشجاعة وهو جالس في بيته.

امتلأت الطاولة بالأكواب. وضع تومي كل طلب في كيس، وكتب العناوين، ووضع قربه الأجر.

حمل فاتو الطلب الأول، ثم عاد للثاني، ثم الثالث. وظل يجري بين المحل والجحور حتى المساء.

وعندما عاد للمرة الأخيرة، كان الثلج يغطي ظهره.

أعطاه تومي كوبًا ساخنًا، ووضع في يده ورقة حمراء من فئة الخمسين دولارًا، وقال:

— لولاك، لما بعت شيئًا اليوم.

ابتسم فاتو وهزّ ذيله فرحًا.

— نحن نخدم الغابة.

قال تومي:

— كنت شريكي اليوم.

أخذ فاتو الكوب والخمسين دولارًا وغادر.

لكن كلمة واحدة خرجت معه من المحل.

شريكي.

ظلّت كلمة «شريكي» جالسة إلى جانبه في العربة.

أما ورقة الخمسين، فوضعها في جيبه.

وفي الطريق، بدأت الورقة تصغر.

وبدأت الكلمة تكبر.



#هيثم_ضمره (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سنة أو سنتين اغتراب
- عيد العمال… إلا العمال
- الحياة البرية الكندية
- دعم فني
- قاضم الشعير
- أخيرًا قال الكندي: No
- الذئب بدون مخالب
- عندما يغضب الكندي
- Easy, Man — هوّنها يا رجل
- اقتصاد القبو
- الرجل القابض على دينه… حين تتحول القبضة إلى لكمة
- البامية عنوان الديمقراطية
- من هو سجّاننا؟
- في سنة 2036… المال بلا قيمة
- حتى بالانحراف إله ضوابط
- قبل أن تصبح مهاجرًا
- شيتو غفريتو… من الطيبات
- الطيبات التي لا تؤكل
- نظام طيبات السمع
- السائح يضحك… ونحن لا نفهم لماذا


المزيد.....




- الممثل الويلزي ماثيو ريس يدخل تاريخ جوائز إيمي بفوز مزدوج
- مخرج فيلم -نازا- يتهم الإعلام الإسرائيلي بتجاهل مقتل المدنيي ...
- زاخاروفا: إغلاق معهد غوته لا ينهي العلاقات الثقافية مع ألمان ...
- تكريم الممثل مايكل جي فوكس بجائزة -بوب هوب- للعمل الإنساني
- جلسات الاستئناف في قضية سعد لمجرد تنطلق الخميس في فرنسا
- من مادوكس إلى زاهارا وفيفيان.. أبناء أنجلينا جولي وبراد بيت ...
- عبد الإله سباهي: نشكر روسيا على جمع الشباب في مهرجان دولي
- ردود فعل غاضبة جدا في إسرائيل على فيلم -نازا-.. ما أهمها ولم ...
- دار -ليتفوند- تعرض أول سيرة مطبوعة لإيفان الرهيب في مزاد
- -حماس- تدعو للتحقيق في شهادات فيلم -نازا- وتوثيقها كأدلة على ...


المزيد.....

- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - هيثم ضمره - المشروب الأسود