أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - هيثم ضمره - اقتصاد القبو














المزيد.....

اقتصاد القبو


هيثم ضمره

الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 10:19
المحور: كتابات ساخرة
    


هذا المقال جزء من كتابي «الحلم الكندي»، وهو مشروع أدبي ساخر عن الحياة اليومية في كندا.


ناريش انتقل إلى كندا قبل سنوات، للدراسة.

وهذه وحدها، في نظر البعض، كافية لإعادة تصنيف الإنسان اجتماعيًا، حتى لو كانت تذكرة السفر على حساب أقاربه، وحتى لو كان القبول الدراسي الذي جاء به إلى البلد قصة لا يعرف تفاصيلها إلا الله وناريش.

المهم أنه وصل.

وبعد الوصول بدأت النهضة.

بدأ يدرس ويشتغل.

مستودع بضائع.

تيم هورتنز.

مطعم شاورما.

ناريش عمل كل شيء يمكن أن تتخيله، ما دام الراتب ينزل آخر الشهر.

ثم اشترى ناريش هونداي إلنترا سوداء.

كانت، لفترة من حياته، منزله ووسيلة مواصلاته، وربما حمامه أيضًا.

ثم استأجر غرفة في قبو مع شريك آخر، في بيت تعود ملكيته إلى جاري الكندي مايكل.

مايكل لديه وظيفة حكومية محترمة، وهو مستثمر عقاري أيضًا. عنده عدة بيوت في كندا، يؤجرها لشركات عقارية.

الشركة تأخذ البيت وتدير كل شيء.

تبحث عن مستأجر.

فيأتي المستأجر الرئيسي، غالبًا من أبناء الجالية الجديدة، ويستأجر البيت كاملًا.

ثم تبدأ الحياة الاقتصادية الحقيقية.

يعيش المستأجر الجديد في الطابق الرئيسي هو وعدد من أبناء جاليته، ويقسم القبو إلى غرف، ثم يبدأ بتأجيرها للوافدين الجدد والطلاب.

وهكذا يتحول إيجار بيت واحد، وإعادة تأجيره، إلى سلسلة اقتصادية كاملة.

كل واحد يدفع للذي فوقه، ثم يبحث عن شخص يدفع له من الأسفل.

وفي آخر السلسلة تجد طالبًا وصل قبل أسبوع من كيرلا، يحمل حقيبته، ويشارك غرفة مع شخص لا يعرف حتى اسمه.

أما مايكل، فيأخذ إيجار البيت مقدمًا من الشركة العقارية، ويمارس حياته.

غولف.

سفر.

إجازات.

وكومبوتشا، أو أي عشبة خضراء غريبة يشربها هؤلاء الأثرياء.

لكن مايكل، كما اكتشفت، لديه وظيفة حكومية ممتازة، ومع ذلك قد تراه بعد الدوام يركب سيارته ويعمل بعض طلبات التوصيل.

وفي أحد الأيام جاءه طلب.

العنوان؟

أحد بيوت مايكل نفسه المؤجرة.

والطلب؟

إلى ناريش.

مايكل، صاحب البيت، ذهب ليوصل طلبًا إلى ناريش، الذي يعيش في قبو بيته.

وهنا تبدأ المسرحية.

مايكل يوقف السيارة.

يحمل الطلب.

ويمشي إلى الباب الجانبي، حسب تعليمات الزبون:

— Please, side door. Basement.

يصل مايكل إلى البيسمنت.

تق.

تق.

تق.

ناريش في الداخل.

يسمع.

لكنه لا يفتح.

لأنه يتظاهر بأنه مشغول.

يعدل شعره.

يرتب نفسه.

ترن الرنة.

ثم الثانية.

ثم الثالثة.

مايكل يراقب نافذة القبو الصغيرة بجانب قدميه تقريبًا، حسب وصفه لي.

لكن ناريش يريد أن يبدو مشغولًا.

ربما سأله شريكه بالغرفة:

— مين اللي بتصل فيك يا ناريش؟

فيجيب:

— عامل التوصيل.

أو يخترع أي كذبة أخرى ترفع من شأنه.

وكأنه لا يريد أن يظهر أمام شريكه كرجل ينتظر البراتا في القبو بفارغ الصبر، بل كمدير استثمار مشغول بصفقة دولية.

ثم، بعد دقائق من المماطلة، يفتح الباب.

وبحسب ما وصف لي مايكل، ما إن فتح ناريش الباب حتى حسّ مايكل بصفعة.

صفعة لها رائحة.

كانت رطوبة القبو.

ثم ظهر ناريش.

بالشورت.

بدون بلوزة.

وبسنسال جلدي أسود حول رقبته، كأنه خارج لتوه من تصوير فيديو كليب سنة 2004.

يرفع رأسه قليلًا إلى الخلف.

يأخذ وضعية الطاووس.

يمد يده.

يأخذ الطلب.

ولا يقول حتى:

Thank you.

ثم يعود إلى الداخل.

ثلاث ثوانٍ كاملة من الثراء الفاحش.

دخلت البراتا إلى القصر.

وخرجت الرطوبة.

جلس ناريش على طرف السرير وفتح العلبة بعناية.

براتا بطاطا.

ستة دولارات.

لكن مع العرض صارت بخمسة.

والتوصيل مجانًا.

لقد انتصر ناريش.

اقتصاديًا.

واجتماعيًا.

وعاطفيًا.

كل شيء تحت السيطرة.

جلس مع شريكه بالغرفة، وبينهما كيس البراتا.

والآيفون بجانب الطعام.

وبين كل لقمة وأخرى يضغط على الهاتف.

ربما ليرى من شاهد الستوري.

أو ليتأكد أن صورة الإلنترا حصلت على إعجاب جديد.

أما السنسال حول رقبته، فيتحسسه بين كل لقمة وأخرى.

ليس لأنه يضايقه.

بل لأن الإنسان لا يجب أن يفوّت أي فرصة لتذكير الآخرين بأنه يرتدي سنسالًا.

والإلنترا تنتظر في الخارج.

لا بأس.

بعض الأحلام تحتاج إلى إضاءة جيدة.

وناريش يعرف كيف يصنع الإضاءة.

يكفي أن يرفع الآيفون قليلًا.

والباقي لا يظهر في الصورة.

نحن لا نرى الغربة كما هي.

نرى برج تورونتو.

نياجرا.

تيم هورتنز.

سيارة.

آيفونًا جديدًا.

وربما إلنترا سوداء.

لكننا لا نرى القبو.

لا نرى عشرة أشخاص يتبادلون مواعيد الحمام.

لا نرى طالبًا وصل قبل أسبوع، ينام في غرفة مع شخص لا يعرفه.

ولا نرى الرطوبة التي تخرج أولًا من الباب.

نرى الصورة.

ولا نرى ما خارج إطارها.

لذلك، عندما يخبرك أحدهم أنه يعيش الحلم في كندا، لا تستعجل في الحكم.

ربما يكون فعلًا يعيش الحلم.

وربما يكون ناريش جديدًا.

لكن الصورة ممتازة.

وهذا، في زمننا، أهم شيء.



#هيثم_ضمره (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرجل القابض على دينه… حين تتحول القبضة إلى لكمة
- البامية عنوان الديمقراطية
- من هو سجّاننا؟
- في سنة 2036… المال بلا قيمة
- حتى بالانحراف إله ضوابط
- قبل أن تصبح مهاجرًا
- شيتو غفريتو… من الطيبات
- الطيبات التي لا تؤكل
- نظام طيبات السمع
- السائح يضحك… ونحن لا نفهم لماذا
- من نظام الطيبات إلى الطيزات
- هناك، حيث تغني الجبال
- ماتَ الذي كنته… فمن الذي استيقظ مكانك؟
- ذئبٌ من الجبال… ومهرةٌ من الصحراء
- نقلنا كل شيء… إلا أسباب النجاح
- حين يصبح العشب قضية
- ليس كل من يصرخ مخلصًا للوطن
- الإمارات كما عرفتها أنا
- بيان الاعتذار… من الاشتراكية إلى معسكر الواقع
- لا شيء أغلى من حياة الإنسان


المزيد.....




- -عودة الأصالة-.. صورة الفنانة السورية أصالة تعود إلى قلب ساح ...
- نقابة الفنانين السوريين تفتح باب العودة لفضل شاكر.. ودعوة رس ...
- الممثلون يبدون أصغر سنًا على الشاشة.. هل يفسد ذلك تجربة الأف ...
- العائلة السعيدة: فيلم عن الفقر في سويسرا الغنية
- الكاميرا التي لم تسقط: هاني جوهرية في الذكرى الخمسين.. من تأ ...
- أهلاً بكم في -كي-كون-.. أحد أكبر مهرجانات موسيقى الـ-كي بوب- ...
- الأردن يودع الفنان فؤاد حجازي
- الصين ضيف شرف في معرض موسكو الدولي للكتاب
- -اشمعنى عمرو دياب وأحمد سعد؟-.. روبي تشارك ابنتها طيبة الغنا ...
- من -كولبنكيان- إلى -الشواكة-.. بغداد تسترد ألوانها وتتحدى سن ...


المزيد.....

- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - هيثم ضمره - اقتصاد القبو