أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - هيثم ضمره - Easy, Man — هوّنها يا رجل















المزيد.....

Easy, Man — هوّنها يا رجل


هيثم ضمره

الحوار المتمدن-العدد: 8807 - 2026 / 8 / 24 - 10:42
المحور: كتابات ساخرة
    


هذا المقال جزء من كتابي «الحلم الكندي»، وهو كتاب يروي تجربة الهجرة إلى كندا من خلال مواقف يومية تجمع بين السخرية والتأمل، وبين ما نتخيله عن كندا وما نكتشفه فيها بعد.

كندا عندها فلسفة خاصة في التعامل مع الحياة.

اسمها:

Easy, man.

ومن مبادئ هذه الفلسفة:

لا تعقيد.
لا تفكير كثير.
لا حديث طويل.

اختصر.

أو، على قولة المصريين:

قصّر.

وأنا احتجت بعض الوقت حتى أفهم هذه المصطلحات، لأنها لم تكن مجرد لغة.

كانت طريقة حياة.

على عكس بلادنا، التي تعطي كل شيء حقه الكامل من التعقيد.

وكان ملك التعقيد عندنا معلم اللغة الإنجليزية في الصف السابع، الأستاذ حسام.

كان يعلّمنا لغة الكنديين أنفسهم… لكن على الطريقة العربية.

علّمنا أنه إذا أردت أن تقول لشخص صباح الخير أو مساء الخير بالإنجليزية، فعليك أولًا أن تخمّن الوقت، ثم تبني الجملة بناءً عليه.

إذا كان قبل الساعة الثانية عشرة، يعني صباح، تقول:

Have a good morning.

إذا كانت الساعة الثانية عشرة وما بعدها:

Have a good afternoon.

وبعد وقت معين:

Have a good evening.

أما في الليل، فالموضوع معروف:

Have a good night.

يعني قبل أن تسلّم على الإنسان، لازم تعمل دراسة ميدانية.

عندما جئت إلى كندا، حاولت أن أطبق قاعدة الأستاذ حسام.

مرّ مايكل بجانبي وقال:

— Hey!

وقفت حتى أرد عليه.

نظرت إلى الساعة.

ثم إلى الشمس.

ثم إلى مايكل.

كانت الساعة السادسة والنصف تقريبًا.

والجو كان غائمًا.

هل أقول:

— Have a good afternoon?

أم:

— Have a good evening?

بقيت محتارًا قليلًا، ثم قلت في نفسي:

خلاص، هذه Evening.

لحقت مايكل وقلت له:

— Have a good evening!

نظر إليّ باستغراب.

ثم قال ثلاث كلمات ومشى.

لم أفهم منها إلا كلمة واحدة.

ترجمتها على غوغل.

طلعت:

اللعنة.

تعلمت لاحقًا أن الكندي اختصر اللغة وقال:

Have a good one.

لا صباح.

لا مساء.

لا ليل.

One.

وأنت دبّر الـOne تبعك.

وهنا بدأت أفهم.

Easy, man.

وقِس على ذلك كل شيء.

اللغة.

الطعام.

العمل.

حتى الطرق.

وعلى سيرة الطرق، شوارعهم أيضًا تؤمن بفلسفة الاختصار.

الجزر الوسطية، مثلًا، أحيانًا ليست جزرًا أصلًا.

لا كندرين.

لا سياج.

لا شجر.

مجرد رسمة على الإسفلت.

خط أصفر.

أو خطين، حسب الشارع.

وأنت افهم الباقي.

وحتى دوريات الشرطة داخلة في فلسفة الاختصار.

تكون ماشي على الهاي واي، وفجأة، من بعيد، تشوف دورية شرطة واقفة على جنب الطريق.

تخفف السرعة.

تقرب.

تقرب أكثر.

ثم تكتشف أنها مجرد لوحة عليها صورة دورية شرطة.

وهنا تفهم الفكرة.

هم مش محتاجين شرطي يختبئ وراء شجرة حتى يذكرك بأنك تجاوزت الحد الأقصى للسرعة، ثم يطلع لك ويعطيك جائزة رمزية: ورقة صفراء أو حمراء أو حتى بيضاء، كنوع من التذكار.

يضعون صورة دورية.

أنت تراها.

تخفف سرعتك.

انتهى الموضوع.

المطلوب تحقق.

Easy, man.

أما المطبات، فهذه قصة ثانية.

تكون راجعًا إلى البيت بعد مشوار طويل.

باقي خمس دقائق وتوصل.

وبينما أنت تفكر كيف تفتح باب السيارة قبل ما ترفع الهاند بريك وتركض على الحمام، وزوجتك تنظر من الشباك، تدوس بنزين زيادة.

تزيد السرعة قليلًا.

وفجأة:

تَك!

تسألك زوجتك:

— شو اللي وقع؟ كلب التابلو؟!

ترد:

— لا، هذا مطب… ما انتبهت له.

وأكلته.

وترجع هي إلى النافذة بعدما تطمّنت على كلب التابلو.

وأنت تكمل المشوار.

أما عندنا، فمجرد ما تشوف لوحة:

انتبه، أمامك مطب.

تنتهي الحياة الطبيعية.

تشغل أذكار الصباح.

أو تقرأ المعوذات.

تفك الحزام وترجع تربطه.

إذا معك أغراض، تنزلها.

وتقول للي جنبك:

— معلم، انزل شوي واستناني بعد المطب.

توطي صوت الموسيقى.

تمسك الستيرينغ كأنك داخل على فحص قيادة.

تخفف السرعة.

وتطلع المطب بالعرض.

ثم بالطول.

ورغم كل الاحتياطات، تسمع:

بوف!

كهربا السيارة تفصل وترجع تشتغل.

وتحس إبليس نفسه ضرب لك الكرتير بالشوكة تبعته، حتى يفتن بينك وبين البلدية.

أما هنا:

Easy, man.

والاختصار الكندي يشمل العمل أيضًا.

كل شيء عندهم تقريبًا محسوب بالساعة، وليس بالشهر.

وفي أول يوم عمل لي، تعرفت فعليًا على معنى:

Easy, man.

كان صاحب العمل اسمه كريس.

أخبرني أنه يخطط لبناء سور أمام المستودع.

قال:

— We need to build a fence.

قلت في نفسي:

سور؟!

أنا جديد في البلد، وأكيد بدّه يحرث عليّ.

لأن كلمة سور، بالنسبة لي، تعني:

حصمة.

إسمنت.

رمل صويلح.

قياسات.

أساسات.

عمال.

مشاكل.

وتأخير.

وواحد واقف فوق راسك يقول:

— لا لا، هاي مش مستقيمة.

كريس لاحظ أن وجهي تغيّر.

قال لي:

— Easy, man.

ثم عاد إلى مكتبه.

بقيت مكاني لثوانٍ.

ثم ذهبت لأشرب القهوة.

وأنا أفكر بالسور.

وأفكر بحياتي.

وأفكر بالعودة إلى أرمينيا.

أو، على أقل تقدير، إلى الأردن.

مع كل رشفة قهوة، كنت أبحث على موقع السفر عن أقرب رحلة إلى عمّان أو يريفان.

عدت بعد الاستراحة.

ولقيت كريس خلّص السور.

وقفت أمامه.

نظرت إلى السور.

ثم أمعنت النظر.

وقلت:

معقول؟ كيف؟!

ثم اكتشفت أن كريس أحضر قطعًا جاهزة تشبه الليغو.

وضع واحدة فوق الثانية.

وبنى سورًا.

وفي تلك اللحظة، لأول مرة، شاهدت:

Easy, man.

ولم أسمعها.

وتستمر فلسفة الاختصار حتى تصل إلى أهم مؤسسة في حياة المهاجر:

الشاورما.

في بلادنا، الشاورما مشروع متكامل.

ساندويش.

علبة كاتشب.

علبة مايونيز.

بطاطا.

ثوم.

مخلل.

صوص.

وأحيانًا علبة مقسمة من الداخل، كأنك استلمت وجبة ومعها قطع غيار.

أما هنا…

Easy, man.

البطاطا تزاحم الأرز في القاع.

وفوقها قطع الدجاج.

ثم المايونيز بالعرض.

الكاتشب بالطول.

الحار على شكل X.

الثوم.

الخبز.

الخس.

ثم يغلق العلبة.

ولا أحد مستغرب.

الناس ماشية.

والشاورما ماشية.

والسيارات ماشية.

والحياة ماشية.

ربما Easy, man لا تقول لك إن كل شيء سهل.

لكنها كثيرًا ما تنظر إلى الأشياء التي نحملها فوق رؤوسنا كأنها جبل…

وتقول لك:

ليس كل شيء يحتاج مشروعًا.

ولا كل جملة تحتاج حسابًا.

ربما هذا هو الحلم الكندي:

أن تتعلم كيف تجعل الأشياء الصعبة…

أبسط قليلًا.



#هيثم_ضمره (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اقتصاد القبو
- الرجل القابض على دينه… حين تتحول القبضة إلى لكمة
- البامية عنوان الديمقراطية
- من هو سجّاننا؟
- في سنة 2036… المال بلا قيمة
- حتى بالانحراف إله ضوابط
- قبل أن تصبح مهاجرًا
- شيتو غفريتو… من الطيبات
- الطيبات التي لا تؤكل
- نظام طيبات السمع
- السائح يضحك… ونحن لا نفهم لماذا
- من نظام الطيبات إلى الطيزات
- هناك، حيث تغني الجبال
- ماتَ الذي كنته… فمن الذي استيقظ مكانك؟
- ذئبٌ من الجبال… ومهرةٌ من الصحراء
- نقلنا كل شيء… إلا أسباب النجاح
- حين يصبح العشب قضية
- ليس كل من يصرخ مخلصًا للوطن
- الإمارات كما عرفتها أنا
- بيان الاعتذار… من الاشتراكية إلى معسكر الواقع


المزيد.....




- يسرا تحضر العرض الخاص لفيلم -الست لمّا- فيتو- في السعودية
- الشاعر الباكستاني شاهد عباس: الهوس بالاعتراف الغربي حوّل -ال ...
- وفاة الفنان الفلسطيني الكبير سليمان منصور صاحب -جمل المحامل- ...
- نجوم الدراما يعودون إلى السينما.. هل تستعيد الأفلام التركية ...
-  بعد فوزه بجائزة النيل للمبدعين العرب.. الشاعر العراقي د. عل ...
- بين المال وعقدة اللغة.. أسرار عزوف اللاعبين الإنجليز عن الاح ...
- RT تدشن فيلم -أرض اللبان- في عُمان
- ثلاث بيضات فابرجيه طلبها نيقولاي الثاني ضمن أغلى خمس بيضات ف ...
- سوبيانين: ترميم أكثر من 30 موقعا للتراث الثقافي في موسكو خلا ...
- من قلعة بني حماد إلى بجاية.. كيف غيّر البحر مصير الدولة الحم ...


المزيد.....

- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - هيثم ضمره - Easy, Man — هوّنها يا رجل