أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - هيثم ضمره - حين يأتي الإدمان متعطّرًا















المزيد.....

حين يأتي الإدمان متعطّرًا


هيثم ضمره

الحوار المتمدن-العدد: 8847 - 2026 / 10 / 3 - 09:24
المحور: المجتمع المدني
    


عندما نقول «مدمن»، ترسم مخيلتنا بسرعة صورة جاهزة: رجل بلحية مهملة، وشعر منكوش، وثياب ممزقة، وملامح تقول لك من بعيد إن هناك مشكلة.

لكن خلال سنوات عملي وتعاملاتي مع كثير من العرب في إحدى دول القوقاز، اكتشفت أن هذه الصورة قد تكون مضللة تمامًا.

قد يدخل عليك الرجل متعطرًا، أنيقًا، مرتديًا أجمل ملابسه، يتحدث بثقة عن أعماله وخططه ومستقبله. ربما يخبرك عن المشروع الذي سيبدأه، والبيت الذي سيشتريه، والحياة التي يرتب لها.

ولا شيء في شكله يقول لك إن لديه مشكلة.

وأحيانًا كنت أراه في الصباح الباكر، يحمل مشروب طاقة، ويتجه إلى الصيدلية.

في البداية لم أكن أفهم لماذا يتكرر هذا المشهد.

ثم بدأت، مع الوقت، ألاحظ أشياء أخرى.

تردد متكرر على الصيدليات. استعمال غير سليم لبعض الأدوية. سجائر لا تفارق اليد. وأحيانًا مواد أخرى أشد خطورة.

هنا بدأت أفهم أن الإدمان ليس دائمًا بالشكل الذي نتصوره، وليس بالضرورة متعلقًا بمادة واحدة فقط.

وأنا لا أقول هذا لأشرح للناس كيف تُساءُ الاستفادة من الأدوية، أو ما الذي يُستخدم مع ماذا.

هذه التفاصيل ليست مهمة.

المهم أنني اكتشفت شيئًا أخطر:

المدمن في كثير من الأحيان لا يرى نفسه مدمنًا أصلًا.

هو يعيش حياته، ويتحدث عن مستقبله، ويبني الخطط، ويعدك بمشاريع وأحلام، وربما يرسم لنفسه عالمًا كاملًا يبدو له منطقيًا جدًا.

أما الأشخاص الأقرب إليه، فقد يكونون قد فهموا المشكلة منذ وقت طويل.

وهذه، في رأيي، من أخطر مراحل الإدمان: أن تصبح المادة جزءًا من حياة الإنسان، بينما يظل مقتنعًا بأنه مسيطر عليها.

وأنا لا أقول إن تجربتي تصلح إحصائية عن العالم العربي كله.

طبيعة عملي جعلتني أتعامل كثيرًا مع المغتربين والمسافرين والأشخاص الذين انتقلوا من بلد إلى آخر، وربما تكون لهذه الفئة ظروف مختلفة.

لكن ما رأيته كان كافيًا حتى أسأل:

ماذا قدمنا فعلًا لحماية شبابنا من الإدمان؟

ليس بالشعارات.

ماذا قدمنا عمليًا؟

هل توجد برامج حقيقية تبدأ قبل وقوع المشكلة؟

هل يتعلم الطالب في المدرسة أو الجامعة كيف يمكن أن يبدأ الاعتماد على مادة ما تدريجيًا قبل أن يتحول إلى مشكلة كبيرة؟

هل يستطيع شاب أن يقول: «عندي مشكلة» من دون أن يخاف من الفضيحة أو الوصمة أو خسارة مستقبله؟

هل توجد مراكز يستطيع الإنسان أن يراجعها ويحصل فيها على مساعدة وعلاج مع الحفاظ على كرامته وخصوصيته؟

وهل توجد برامج طوعية وسرية تساعد الطلاب والمغتربين والعائدين من الخارج إذا شعروا بأنهم بدأوا يفقدون السيطرة؟

لأن انتظار الإنسان حتى تنهار حياته ثم سؤاله:

«كيف وصلت إلى هنا؟»

ليس سياسة علاج.

إنه انتظار للكوارث.

وأثناء هذه التجربة تغيرت أيضًا نظرتي لبعض الأشياء التي كنا نتعامل معها باعتبارها عادية تمامًا.

مشروبات الطاقة مثلًا.

لا أقول إن كل من يشرب مشروب طاقة مدمن، ولا إن علبة واحدة ستدمر حياة إنسان.

لكنني لم أعد أراها شيئًا ينبغي تقديمه للشباب وكأنه مجرد مشروب عادي لا يستحق التفكير.

وفي مرة وصلتني هدية.

لم تكن علبة واحدة.

كان صندوقًا كاملًا يحتوي على مجموعة من علب مشروبات الطاقة.

الصندوق نفسه كان جميلًا جدًا.

التغليف مرتب، والرسومات جذابة، وكل شيء فيه مصمم بطريقة تجعلك تنظر إليه كأنه هدية فاخرة.

وكان من السهل جدًا أن أقول:

«هدية… وببلاش. خلينا نستخدمها.»

لكنني لم أفعل.

فتحت الصندوق وتخلصنا من محتواه.

وأردت أن يرى ابني ذلك.

ليس لأنني أريد أن أعلمه أن كل من يشرب مشروب طاقة إنسان سيئ.

ولا لأنني أريد أن أربيه على الخوف من كل شيء.

كنت أريد أن أعلمه شيئًا أبسط:

ليس كل ما يأتيك في صندوق جميل يجب أن يدخل جسدك.

وليس كل ما يُقدم لك مجانًا يصبح ذا قيمة فقط لأنك لم تدفع ثمنه.

وأحيانًا تكون القيمة الحقيقية في قدرتك على أن تنظر إلى شيء جذاب، ومجاني، وموجود أمامك، ثم تقول ببساطة:

لا أحتاجه.

لكن الحديث عن الإدمان لا يكتمل إذا وضعنا كل المسؤولية على الشاب وحده.

هناك شيء آخر لا نحب كثيرًا الحديث عنه:

العائلة.

نحن نفتخر بالتكافل العائلي، وهذا شيء جميل.

لكن التكافل شيء، وتحويل الإنسان إلى شخص لا يدفع أبدًا ثمن قراراته شيء آخر.

كلما وقع الابن، دفع الأب.

كلما أخطأ الأخ، تدخل إخوته.

كلما حدثت مشكلة، ظهر العم والخال وابن العم:

«هذا ابننا.»

«لا نتركه.»

«نحلها نحن.»

النية قد تكون نبيلة.

لكن ماذا يحدث عندما يعرف الإنسان مسبقًا أن هناك دائمًا شخصًا سيأتي خلفه، ويدفع الدين، ويحل المشكلة، ويعتذر عنه، ويمنع عنه أي نتيجة حقيقية لأفعاله؟

هنا قد تتحول المساعدة إلى جزء من المشكلة نفسها.

مساعدة المدمن لا تعني التخلي عنه.

بالعكس، يحتاج إلى من يقف معه.

لكن الوقوف معه لا يعني أن نكذب من أجله، أو نخفي كل خطأ، أو نسدد كل دين، أو ننقذه من كل نتيجة، ثم نسمي ذلك حبًا.

أحيانًا تكون الحماية الزائدة شكلًا آخر من أشكال الضرر.

وتجربتي في كندا جعلتني أفكر في جانب آخر أيضًا.

وجود المادة أو سهولة الوصول إليها ليس وحده ما يحدد مصير الإنسان.

هناك العمل، والمسؤولية، والاستقلال، والإحساس بأن القرارات لها نتائج.

فالإنسان الذي لديه عمل، وإيجار، وفواتير، ومواعيد، والتزامات، يعيش داخل شبكة من المسؤوليات قد تساعده على البقاء مرتبطًا بحياته اليومية.

وهذا لا يمنع الإدمان، ولا يجعل مجتمعًا محصنًا منه.

لكنه يفتح سؤالًا مهمًا:

ماذا يحدث للشاب عندما يشعر أن كل أبواب حياته مغلقة؟

حين يصبح العمل صعبًا.

والزواج حلمًا بعيدًا.

والسكن شبه مستحيل.

والسيارة عبئًا.

والاستقلال عن الأسرة مشروعًا يحتاج إلى سنوات.

لا يجوز أن نستغرب أن يبحث بعض الشباب عن الهروب.

هذا ليس تبريرًا للإدمان.

ولا إعفاءً للإنسان من مسؤوليته.

لكنه محاولة لفهم الأرض التي يمكن أن ينمو فيها.

فمكافحة الإدمان ليست شرطيًا يقف في الشارع فقط.

وليست مركز علاج نفتحه بعد أن تقع الكارثة.

إنها مدرسة.

وأسرة.

وعمل.

وصحة نفسية.

وفرصة للاستقلال.

وعلاج يحفظ كرامة الإنسان.

وثقافة تقول للشاب مبكرًا:

طلب المساعدة لا يجعلك مجرمًا.

وفي الوقت نفسه تقول للأسرة:

قفوا معه، نعم.

لكن لا تقفوا بينه وبين نتائج أفعاله إلى الأبد.

لأن أخطر ما في الإدمان أنه لا يأتي دائمًا بصورة تخيفك.

أحيانًا يأتي بصورة تطمئنك.



#هيثم_ضمره (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- البيض الكندي
- من امتحان التعبير إلى «الحلم الكندي»
- يا سيد ترامب… أمسك الخريطة وتعال
- ما اختار الكاتب أن يكتبه
- المشروب الأسود
- سنة أو سنتين اغتراب
- عيد العمال… إلا العمال
- الحياة البرية الكندية
- دعم فني
- قاضم الشعير
- أخيرًا قال الكندي: No
- الذئب بدون مخالب
- عندما يغضب الكندي
- Easy, Man — هوّنها يا رجل
- اقتصاد القبو
- الرجل القابض على دينه… حين تتحول القبضة إلى لكمة
- البامية عنوان الديمقراطية
- من هو سجّاننا؟
- في سنة 2036… المال بلا قيمة
- حتى بالانحراف إله ضوابط


المزيد.....




- الخارجية الروسية تكشف تفاصيل عملية تأقلم اللاجئين الفلسطينيي ...
- فرنسا: إصابات واعتقالات واسعة مع تصاعد احتجاجات المدارس الثا ...
- فصل مسؤول أممي في منظمة -الفاو- بعد تضامنه مع ضحايا المجاعة ...
- -تايمز-: عقوبات أمريكية مرتقبة قد تُنهي وجود المحكمة الجنائي ...
- الأمم المتحدة: نحو 6 ملايين طفل لاجئ خارج المدارس في 2025
- الأمم المتحدة تحذّر: اليمن يواجه خطر انهيار -كامل- للأمن الغ ...
- أزمة داخل الأمم المتحدة بسبب التضامن مع الجوعى في غزة
- الأمم المتحدة تخصص 18 مليون دولار لإنقاذ الأرواح في اليمن
- -اليونيسف-: قتيل و12 مصابا في هجوم بمسيّرة على مركز للنازحين ...
- حين تصمت واشنطن عن حقوق الإنسان .. ماذا وراء الإعفاء الأمريك ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - هيثم ضمره - حين يأتي الإدمان متعطّرًا