أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - خالد محمود خدر - عندما نخجل من أوفيائنا إرضاء لعيون من يقيسون العلاقات والصداقات وفقا للجاه والمال















المزيد.....

عندما نخجل من أوفيائنا إرضاء لعيون من يقيسون العلاقات والصداقات وفقا للجاه والمال


خالد محمود خدر

الحوار المتمدن-العدد: 8861 - 2026 / 10 / 17 - 08:27
المحور: المجتمع المدني
    


في عالم يلهث خلف الأقنعة والشكليات، قد تتوارى أثمن الكنوز خلف أبسط الهيئات. إن العلاقات الإنسانية الحقيقية لا تقاس بما نرتديه أو بما نملكه من مال وجاه، بل بما تحمله قلوبنا من صدق وإخلاص ونبل ووفاء.

مَن يخجل من صديقه أو رفيق دربه بعد أن تتغير أحواله ويرتقي إلى مستوى مادي أو مكانة اجتماعية أعلى، إرضاء لعيون الآخرين من أصحاب المكانة، قد يخسر سندا حقيقيا لا تشتريه كل أموال الدنيا. فالمظاهر قد تجلب مئات المعارف، لكنها لا تستطيع أن تعوضنا عن قلب واحد أحبنا بصدق، ووقف إلى جانبنا حين تخلى عنا الآخرون.

هناك أناس يقيسون قيمتهم بما يملكونه وبما يملكونه من مال ممن يتعاملوا معهم من أصدقاؤهم الجدد ، أو بما يشغلونه من مكانة أو منصب. وسرعان ما يقعون، مع مرور الوقت، في فخ السعي إلى إرضاء من يرون أنهم على شاكلتهم أو أعلى منهم مكانة، فيسمحون لنظرات هؤلاء وأحكامهم بأن تحدد من يقتربون منه ومن يتنكرون له، مهما كانت درجة الصلة أو العلاقة التي تربطهم بهم سابقا. وفي حالات كهذه، قد يبدأ الأمر بتغيير بسيط في أسلوب الحياة ، ثم يتحول تدريجيا إلى تغير في نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى الآخرين. وحين ينتقل المرء من حياة بسيطة إلى عالم تحكمه المصالح والمظاهر، قد يجد الإنسان نفسه مدفوعا إلى مجاراة معايير لم يكن يؤمن بها من قبل. وربما يبدأ بالخجل من أصدقائه القدامى، لا لأنهم تغيروا أو أساؤوا إليه، بل لأن صورتهم في عيون الآخرين لم تعد تتفق مع الصورة التي يريد أن يظهر بها أمامهم.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية، حين يصبح رضا الناس عند الإنسان أهم من الوفاء لمن أحبوه بصدق، وحين يخشى أن يراه أصحاب المكانة الذين يسعى إلى كسب رضاهم إلى جانب صديق بسيط لا يملك من الدنيا سوى محبته الصادقة وأخلاقه النبيلة.

كم من المؤلم أن يتنكر المرء لصديق عرفه في أيام ضعفه وتقاسم معه الخبز والهموم، لمجرد أنه أصبح اليوم أكثر مالا أو نفوذا أو وجاهة. إن الصداقة الحقيقية لا تنتقص من مكانة أحد، وبساطة المظهر لا تقلل من قيمة أحد، كما أن الثراء لا يمنح الإنسان فضيلة لا يمتلكها.

إن ما يستحق الخجل حقا ليس أن يكون للإنسان صديق بسيط ووفي، بل أن يسمح للمظاهر بأن تجعله يخجل من الاعتراف بصداقته، وأن ينسى العشرة التي جمعته به حين كان في أمس الحاجة إلى من يقف إلى جانبه.

في كتابه النبي، يرى جبران خليل جبران أن الصداقة ليست وسيلة لتحقيق مآرب شخصية أو منفعة متبادلة، بل هي حاجة روحية عميقة وعلاقة قائمة على العطاء غير المشروط والمشاركة الوجدانية الكاملة.
ويقول جبران أيضا : إن صديقك هو كفاية حاجاتك، هو حقلك الذي تزرعه بالمحبة وتحصده بالشكر، مائدتك وموقدك؛ لأنك تأتي إليه جائعًا، وتسعى وراءه مستدفئًا فإذا أوضح لك صديقك فكره فلا تخش أن تصرح بما في فكرك من النفي أو تحتفظ بما في ذهنك من الإيجاب.

إن هذا المعنى يذكرنا بأن الصديق الوفي ليس تفصيلا من تفاصيل حياتنا يمكن الاستغناء عنه حين تتحسن أحوالنا، بل هو إنسان شاركنا رحلة الحياة ومنحنا من محبته ووقته ما لا يمكن تعويضه بالمال أو المكانة.

فكيف نقبل، بعد هذا كله، أن نخجل من إنسان زرع في حياتنا المحبة حين كانت أيامنا قاسية، لمجرد أن وجوده لم يعد يتناسب مع المظاهر التي نريد أن نظهر بها أمام الآخرين، الذين أصبحوا يعنون لنا الكثير بعدما منحنا تحسن وضعنا المادي وموقعنا الجديد مكانا بينهم بحكم المال أو العمل؟

كم ينبغي أن تكون للصديق الوفي عند الإنسان مكانة لا تستطيع الأموال أن تمنحها، ولا يمكن للمجاملات أن تصنعها. فهو الذي يفرح لنجاحنا من دون حسد، وينصحنا حين نخطئ من دون شماتة، ويقف إلى جانبنا عندما تضيق بنا الحياة، لا انتظارا لمقابل، بل لأن ما يجمعه بنا أعمق من المصالح العابرة. ومن هنا، لا ينبغي أن نحكم على قيمة الإنسان من خلال مظهره أو وظيفته أو دائرة معارفه، بل من خلال أخلاقه ومواقفه، وما يبديه من صدق حين لا تكون وراء صدقه منفعة.

إن العلاقات التي تنشأ بسبب المال والجاه والمكانة قد تبدو متينة ما دامت المصالح قائمة، لكنها قد تفقد تماسكها حين تتغير الظروف. وقد يكتشف الإنسان، بعد سنوات من الانشغال بكثرة معارفه، أن كثيرا من الوجوه التي أحاطت به في أيام نجاحه لم تكن تعرفه حقا، بل كانت تعرف ما يملكه وما يستطيع تقديمه.

وليس من العدل أن نحكم على الناس جميعا من خلال مواقف بعضهم، أو أن نعد كل من ابتعد عنا في الشدة عديم الوفاء، فقد يعجز بعضهم عن المساعدة، أو لا يحسن التعبير عن تضامنه. لكن المحن كثيرا ما تساعدنا على التمييز بين من يرتبط بنا لمصلحة ومن يحتفظ لنا بمكانة حقيقية في قلبه.

الوفاء لا يعني أن يكون الصديق قادرا على حل مشكلاتنا كلها، بل أن يكون صادقا معنا، وألا يتنكر لنا لمجرد تغير ظروفنا. وقد لا يستطيع أن يقدم لنا مالا أو نفوذا، لكنه يمنحنا ما هو أثمن من ذلك كله، وهو الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة الحياة.

في مسرحية ريتشارد الثاني، يعبر ويليام شكسبير عن سعادته بتذكر الأصدقاء الأوفياء، فيقول:
لا أجد سعادة تضاهي سعادتي حين أتذكر أصدقائي الطيبين.

إن قيمة هذا المعنى تكمن في أن الصداقة الصادقة ليست مجرد علاقة نحتفظ بها حين نحتاج إلى الآخرين، بل رابطة إنسانية تبقى حاضرة في ذاكرتنا ووجداننا، حتى عندما تتغير ظروف الحياة وتتباعد المسافات. صور من حفل توزيع هذه الصفحه عن فإذا كان تذكر الأصدقاء الأوفياء يمنح الإنسان هذه السعادة، فكيف يقبل أن يخفي صداقته بأحدهم، أو يتنكر له أمام الآخرين، لمجرد أن مظهره البسيط لا يتفق مع صورته الاجتماعية الجديدة؟

إن المرء الذي يخجل من صديقه القديم لا يجرح صديقه وحده، بل يسيء أيضا إلى تاريخه الشخصي، وإلى مرحلة من حياته كان فيها ذلك الصديق جزءا من أحلامه وآماله وكفاحه.

يبقى الوفاء أولى بالاهتمام من مجاملة عابرة غايتها نيل إعجاب أصحاب المال والجاه، ولذلك ليس من النبل أن نعامل صديقا قديما ببرود، أو نتظاهر بعدم معرفته كي نحظى برضا أشخاص ومعارف جدد، وفق المقاييس التي أشرت إليها.
إن احترام الآخرين لا يقتضي أن نتخلى عن تاريخنا، ولا أن نضحي بكرامة من أحبونا، بل أن نظل أوفياء لقيمنا مهما تغيرت مواقعنا وظروفنا.

لا قيمة لنجاح الإنسان ، إذا جعل الإنسان يتنكر لمن شاركوه بداياته ، فالمظاهر قد تجلب معارف كثيرين، لكنها لا تضمن صديقا وفيا، وأنه القلوب الصادقة أثمن من أن نخسرها إرضاء لعيون الناس.

ليس من المطلوب من الإنسان أن يبقى أسير ماضيه، أو أن يحافظ على كل علاقة قديمة مهما تغيرت الظروف، فالعلاقات قد تتباعد بصورة طبيعية، وقد تتغير اهتمامات الناس وطرق حياتهم. لكن ما لا ينبغي قبوله هو أن يتحول النجاح إلى سبب للتكبر، أو أن تصبح المكانة الاجتماعية مبررا للتنكر لمن أحسنوا إليه. كما أنه ليس العيب أن تتغير أحوالنا، أو أن ننتقل من حياة بسيطة إلى حياة أكثر يسرا، بل العيب أن تتغير قلوبنا تجاه الذين أحبونا قبل أن نملك شيئا. وليس من الحكمة أن نضحي بإنسان وفي كي نكسب إعجاب أشخاص قد لا يبقون إلى جانبنا حين تتبدل الظروف.

فلنحفظ لمن شاركونا البدايات مكانتهم، ولنمنح أصدقاءنا القدامى الاحترام الذي يستحقونه، لا لأننا مدينون لهم بجانب من ماضينا فحسب، بل لأن الوفاء قيمة نحتاج إليها كي نظل أوفياء لأنفسنا أيضا.

قد تتغير الأموال والمناصب والوجوه المحيطة بنا، لكن ما يمنح حياتنا معناها الحقيقي هو أن نبقى بشرا لا تنسينا نجاحاتنا من أحبونا حين كنا في أمس الحاجة إلى الحب والسند.



#خالد_محمود_خدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في نموذجين مختلفين لشاعرين عراقيين ….. يُهجَّر المبدعون من أ ...
- للتضحية حدود وللنفس حقوق: حين نعيش للآخرين وننسى أنفسنا
- حين تختبئ المحبة في التفاصيل الصغيرة للحياة الزوجية
- حين يسبق الشعور المعرفة، وتسبق الألفة الزمن في العلاقات الاج ...
- متى تستحق علاقاتنا الاجتماعية الاستمرار او يكون معها الابتعا ...
- الأمانة والحلال لا يضيعان... حين يكون الضمير حاضرا
- كم من القضايا الثانوية تكبر في أعيننا حتى تنسينا ما يستحق أن ...
- في زمن كثرت فيه العلاقات وتشابكت أبعادها، وقل فيه فهم معانيه ...
- في زمن كثرت فيه العلاقات وتشابكت أبعادها ، وقل فيه فهم معاني ...
- يصبح الحب وطنا بعد الزواج حين يتم إختيار الإنسان قبل المال و ...
- صناعة النخب... حين نصنع الإنسان نصنع المستقبل / مسؤولية مشتر ...
- حين يسقط القناع... ويتكلم الزمن
- لا تسمح للعالم أن يسرق قلبك
- حين يرى الإنسان الآخرين بعيني نفسه يكون حكيما
- بين براءة البدايات وحكمة الحدود: كيف نحمي قلوبنا دون أن نفقد ...
- انكسار القلب…. حين يقود الوفاء وايثار الغير إلى الخذلان / ال ...
- انكسار القلب …. حين يقود الوفاء وايثار الغير إلى الخذلان / ا ...
- انكسار القلب …. حين يقود الوفاء وايثار الغير إلى الخذلان / ا ...
- تنهيدة الأرض وأثقال البشر / الجزء الثالث : عندما يثقل العالم ...
- تنهيدة الأرض وأثقال البشر / الجزء الثاني / عندما يثقل المجتم ...


المزيد.....




- هدم محال قيد الإنشاء في بني نعيم واعتقال شقيقين بالظاهرية
- حصري: الاتحاد الأوروبي يتجه لمنح -فرونتكس- صلاحيات جديدة لتر ...
- الإعدام لمدان أجنبي بتجارة المخدرات في العراق
- -الشيب- يفجر تمرداً شيعياً على الزيدي.. ومذكرة اعتقال ضد مسؤ ...
- الأمم المتحدة تحذّر من -تطهير عرقي- على خلفية العملية الإسرا ...
- مصر تعلن موقفها من ترشيح الإماراتية لانا نسيبة لقيادة الأمم ...
- القضاء الكويتي يقضي بإعدام ثلاثة متهمين في قضية التخابر واست ...
- الكويت تحكم بالإعدام على 3 متهمين بـ-التخابر مع إيران وحزب ا ...
- اتحاد موظفي الأونروا بغزة يعلن العصيان الإداري احتجاجاً على ...
- الاحتلال يحرق خيام النازحين ويوسع نطاق التهجير القسري في غزة ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - خالد محمود خدر - عندما نخجل من أوفيائنا إرضاء لعيون من يقيسون العلاقات والصداقات وفقا للجاه والمال