خالد محمود خدر
الحوار المتمدن-العدد: 8845 - 2026 / 10 / 1 - 20:04
المحور:
المجتمع المدني
في الحياة الزوجية ، ليس من السهل تحقيق السعادة الزوجية المنشودة من دون وجود حب متبادل بين الزوجين. وليس من الضروري أن يكون هذا الحب موجودا قبل الزواج، فهناك حب ينشأ بعد الزواج، ثم يكبر مع الأيام، حتى يصبح أعمق وأقوى من حب تعود جذوره إلى ما قبل الزواج. وفي كل الأحوال، تبقى الحياة الزوجية التي تخلو من الحب المتبادل حياة فارغة جوفاء ، يسودها جفاف الإحساس وبلادة المشاعر وغياب الذوق وضعف التوافق بين الزوجين.
إذا كنا نسمع كثيرا عن أشخاص يشكون من أن مٓن حولهم لا يعبرون لهم عن حبهم أبدا، أو لا يفعلون ذلك إلا نادرا ، فإننا نادرا ما نسمع عن شخص يشكو من أن الآخر يكثر من التعبير عن محبته له أو يردد على مسامعه ما يشعره بأنه محبوب. فالحب، مهما كان صادقا وعميقا ، إذا لم يجد طريقه للتعبير عنه بالكلمة والفعل، فإنه مع مرور الزمن قد يضعف أثره ويتراجع تأثيره ، وربما يخبو شيئا فشيئا.
لذلك، من الضروري أن يحرص كل من الزوجين على استدعاء مشاعر الحب في قلب الآخر، وأن يبحث عن الوسائل التي تجددها وتحرك معانيها وتبقيها حاضرة في الحياة اليومية. ومن أبسط هذه الوسائل وأصدقها أن يقول أحدهما للآخر أو يردد على مسامعه ما يحمل معنى أحبك. فتلك الكلمة الصادقة حين تأتي في وقتها قد تفعل في القلب ما لا تفعله أشياء كثيرة.
الحب الحقيقي لا يقتله الزواج، إنما يتم التعبير عنه بصور أخرى تلحظها وتشعر بها الزوجة الواعية، ويدركها ويلمس حرارتها الزوج النبيه، وكل منهما يستطيع أن يعبر عن حبه بأسلوب أو بآخر. فالحب الزوجي هو حب من نوع خاص ، وله نكهة خاصة، وهو روح الزواج ومداد حياته التي من دونها تصبح العلاقة الزوجية جافة ناشفة كأوراق الخريف اليابسة.
من المهم جدا الحرص على ترسيخ ما يمكن أن يسمى بالسكن النفسي أو الاستقرار الأسري لدى الطرفين، فالزواج هو رحلة للبحث عن السكن النفسي والألفة وراحة البال. إن شعور الشريك بالاستقرار الأسري ، بخلق بيت يمنحه الشعور بأن له جذورا يربط بها وقلبا محبا يتجاوب معه في كل مراحل حياته.
إن الحب مثل أي علاقة إنسانية يطرأ عليها التغيرات والتطورات، والزوجان الواعيان يستطيعان الاحتفاظ بحرارة الحب ليس بالكلمات المعسولة فقط وإنما بالنوايا الطيبة والتصرفات الإيجابية حتى في الأمور الصغيرة. تفقد علاقة الحب بريقها عندما نتوقف عن استثمارها وتنميتها باستمرار، فبعد فترة من الحياة الزوجية نشعر بالأمان تجاه الطرف الآخر ونهجر التعامل معه برومانسية أو عفوية، وقد نكف عن التواصل معه، لنستيقظ صباح يوم ونجد أنفسنا متورطين في علاقة زوجية جافة كئيبة لم نكن نتصورها يوما ما. وتحصل هذه الحالات بعد الزواج ، رغم وجود الشعور العام بالأمان تجاه العلاقة الزوجية ، لأن كلا الشريكان يغفلان كثيرا عن بعض التصرفات الصغيرة التي تثير مشاعر الحب عند الطرف الآخر ، مثل تبادل نظرات الحب والإعجاب، والتلفظ بعبارات حب بسيطة بين الفينة والأخرى.
جميعنا ينتظر الثناء عندما نقوم بعمل جيد في مجال العمل أو الوظيفة أو العلاقات الاجتماعية العامة ، وذلك ينطبق أيضا على علاقة الحب بين الزوجين ، فالشريك يحب سماع عبارات الثناء من شريكه ، لانه يجد في هذه العبارات ما يبعث السعادة بداخله وتدفعه لمبادلته بنفس التصرف والاحساس، الأمر الذي يقوي مشاعر الحب بين الزوجين وتجعلها في حالة توقد دائم.
في زحام الحياة، وبين تفاصيلها الصغيرة التي تتكرر كل يوم داخل جدران بيوتنا التي يجمعنا بشراكة العمر، نمر بالكثير من تفاصيل عيشنا المشترك دون أن نقف لنتأمل عمقها الحقيقي ، كما نعيش أشياء كثيرة دون أن نتوقف أمام معناها الحقيقي . ومنها مثلا ، أن نعتاد وجود من نحب ونعتاد اهتمامه وسؤاله عنا وانتظار لنا ، حدا تصبح تلك التفاصيل امرا مألوفا من حياتنا، لا نكاد نراها او يقع عليها بصرنا او ربما لا ننتبه إلى قيمتها إلا عندما تغيب.
إن الإكثار من تصرفات التودد والمحبة من أكثر الأمور التي تعطي الحب دفعة للأعلى دوما. إنها تصرفات صغيرة وبسيطة ولكنها ذات قيمة كبيرة وثمن غال.
في الحياة الزوجية ، قد لا يظهر الحب دائما في الكلمات الكبيرة أو الهدايا والمناسبات ، بل كثيرا ما يختبئ في أفعال بسيطة تتكرر بصمت ، يفعلها أحد الزوجين للآخر دون انتظار مقابل أو ثناء.
يكون الحب في أن يضع أحد الزوجين اللحاف على الآخر ، إن رآه نائما من غير لحاف. يناوله المسند او الكرسي إذا أراد الجلوس. يضع اللقمة في فمه من باب المحبة. يربت على كتفه عند صدور تصرف او موقف حسن منه إزاء أمر عائلي. وكثيرا ايضا ما يكون الحب ، في كوب قهوة أعد في الوقت الذي يحتاجه فيه أو في ضوء يضوء يضاء حتى يعود أو في سؤال عن يومه بعد ساعات من التعب أو في انتظار هادئ لشريكه الذي قد لا يرى او يلمح ذلك الانتظار ، لكنه يقول له في كل منها إن هناك من يهتم بوجوده وراحته ، مثلما تهمه عودته.
كل هذه التصرفات او التفاصيل ، الصغيرة في حجمها والكبيرة في معانيها ، إذا صدرت عن الزوجة لزوجها أو عن الزوج لزوجته ، فإنها تؤكد اعمق معاني الحب الذي يحمله كل منهما تجاه الآخر.
المشكلة أن الإنسان قد يعتاد ما كان في بداية حياته مصدر سعادة وامتنان ، فيتحول مع مرور الوقت من نعمة يقدرها إلى أمر يتوقعه ، ثم إلى واجب لا يرى فيه شيئا يستحق الشكر. وهنا تبدأ بعض أجمل صور المحبة بالاختفاء ، لا لأنها انتهت، وإنما لأنه لم يعد يراها.
الزواج ليس عقدا إداريا يقوم على الأدوار والواجبات والحساب الدقيق لما يقدم كل طرف وما يحصل عليه في المقابل. إنه قبل ذلك مشاركة في الحياة وسكن للروح ومساحة يجد فيها الإنسان من يفهم تعبه ويلاحظ صمته ويشعر بما يحتاج إليه قبل أن يطلبه. ولذلك فإن البيوت التي تستمر فيها المحبة لا تبنيها القوانين الجافة ولا التوقعات الصارمة وحدها، بل تحرسها التفاصيل الصغيرة التي قد لا يلتفت إليها أحد. كلمة طيبة في وقت مناسب ، ابتسامة عند العودة ، سؤال صادق عن التعب ، مراعاة لحظة ضعف، أو اي فعل آخر بسيط يبدو عاديا في ظاهره، لكنه يبقى يحمل في داخله رسالة تقول: أنا أراك وأهتم بك، وان وجودك يعني لي شيئا كبيرا.
من أخطر ما يفعله الاعتياد بالعلاقات الإنسانية أنه يجعلنا نرى ما يفعله الآخر من أجلنا وكأنه أمر طبيعي لا يحتاج إلى تقدير ، وعندها يتحول الحب إلى عادة بعد أن كان المحب قبل الزواج محط اهتمام وعبادة أن صح التعبير.
قد تعتاد الزوجة عودة زوجها في وقت معين، كما يعتاد الزوج أن يجد زوجته في انتظاره. قد يعتاد أحدهما أن يسأل الآخر عن صحته أو أن يهيئ له ما يحتاج إليه أو أن يتذكر تفاصيل صغيرة نسيها هو نفسه. ولكن مع مرور السنوات ، قد تتحول هذه الأفعال في نظر الطرف الآخر من علامات محبة إلى مجرد واجبات يومية.
لكن ما يعد واجبا قد يكون في حقيقته اختبارا متكررا للحب.
فليس كل من يهتم بنا يفعل ذلك لأنه مطالب به ، وليس كل من ينتظرنا يفعل ذلك لأنه يرى الانتظار جزء من واجبه. أحيانا تكون وراء هذه الأفعال مشاعر لا تجد الكلمات طريقا للتعبير عنها.
إن بعض العلاقات لا ينقصها الحب بقدر ما ينقصها الانتباه إلى ما موجود فيها من حب.
في قصة مصباح الرواق ، التي كتبها احد منشئي المحتوى الرقمي على صفحته بالفيسبوك ، خلص مؤلفها إلى القول:
نحن نعتاد النعم والتفاصيل الدافئة حتى تكف عن رؤيتها. الكثير من أفعال من يحبونا قد تبدو لنا عادية أو غير مبررة، لكننا لا ندرك قيمتها الحقيقية إلا حين نفقدها، لنكتشف أنها كانت تحرسنا من وحشة الأيام.
هذه القصة تحكي عن زوج اعتاد لسنوات طويلة أن يوبخ زوجته كل ليلة لأنها تترك مصباح الرواق مضاء حتى الصباح. كان يرى في ذلك إسرافا في الكهرباء وانفاقا لا داعي له ، بينما كانت هي تتلقى اعتراضه بابتسامة هادئة ، دون أن تدخل معه في جدال طويل.
لم يسأل نفسه يوما لماذا تصر على إبقاء المصباح مضاء، ولم يحاول أن يبحث خلف ذلك التصرف البسيط عن معنى آخر.
وفي إحدى الليالي، وبعد خلاف قاس، غادرت الزوجة المنزل. عاد الزوج في وقت متأخر، فوجد البيت غارقا في الظلام. دخل وحيدا، وكانت خطواته في الممر المظلم مختلفة هذه المرة. لم يكن الظلام ظلام المكان وحده ، بل كان شيئا أثقل يسكن داخله.
عندها تذكر كلمات كانت قد قالتها له في بداية زواجهما، حين سألها عن سبب تركها المصباح مضاء: أنا لا أخاف الظلام، أنا فقط لا أحب أن تفتح الباب بعد يوم طويل فتجد بيتا معتما. أحب أن تشعر أن هناك نورا ينتظرك.
عندها فقط فهم.
لم يكن المصباح مجرد ضوء يستهلك الكهرباء ، ولم تكن زوجته تهدر المال كما كان يعتقد. كان ذلك الضوء رسالة حب صغيرة تتكرر كل ليلة ، تقول له دون كلمات: هناك من ينتظر عودتك.
فكم من أفعال الحب تشبه ذلك المصباح؟
أشياء نفعلها لمن نحب دون أن نشرح أسبابها، وأشياء يفعلها الآخرون من أجلنا دون أن نكلف أنفسنا عناء السؤال عن معناها. ومع مرور الوقت ، تتحول تلك الأفعال إلى جزء من المشهد اليومي حتى ننسى أنها كانت في يوم من الأيام لغة خاصة بين قلبين.
من جانب آخر ، نجد إن فقدان الشيء لا يصنع قيمة ذلك الشيء ، لكنه يكشف لنا أحيانا قيمته التي لم نكن نراها وهي بين أيدينا.
وهذا ما يحصل ، عندما يغيب شخص ، اعتدنا وجوده ، و نكتشف بغيابه أن أشياء كثيرة كانت مرتبطة به أكثر مما كنا نظن. مكانه في البيت ، صوته ، طريقته في السؤال ، عاداته الصغيرة ، وحتى الأشياء التي كنا نعدها مزعجة أحيانا ، قد تتحول بعد غيابه إلى تفاصيل نتمنى لو عادت.
وهنا تكمن إحدى مفارقات الحياة الإنسانية التي تتمثل في أن الانسان قد يضيق أحيانا بما سيشتاق إليه لاحقا ، لذلك ليس المهم أن ينتظر الغياب حتى يعرف قيمة الحضور، ولا أن ينتظر الفقد حتى يفهم معنى ما كان يفعله من يحب من أجلنا ، بل أن ينتبه الآن ، وهما ما يزالا يعيشان معا، ليكون كل ذلك أجمل أشكال الوفاء.
وإذا كان قصة مصباح الرواق تكشف لنا كيف يمكن للحب أن يختبئ في تفاصيل الحياة اليومية ، فإن قصة الوردة البيضاء لنفس المنشىء الرقمي تأخذنا إلى وجه آخر من وجوه المحبة ، وهو الوفاء الذي يستمر بعد غياب من نحب.
هذه القصة خرج منها مؤلفها بعبارة حكيمة مفادها أن الحب الصادق لا يموت بغياب الجسد ، والوفاء الحقيقي هو أن تظل تزرع الورد في درب من تحب حتى وإن أصبح دربه تحت التراب. وأحياناً، تأتينا أعظم المواساة لقلوبنا المحطمة من غرباء يملكون بصيرة تفوق المبصرين.
في هذه القصة ، كان شاب يمر كل مساء على بائع ورد كفيف ، ويشتري وردة حمراء لزوجته التي تنتظره. لم يكن بحاجة إلى كلمات كثيرة ليقول لها إنه يحبها ، فقد كانت الوردة الصغيرة تحمل في كل مساء معنى متجددا للمحبة.
لكن زوجته رحلت عن الدنيا. وبعد رحيلها ، عاد الشاب إلى بائع الورد بخطوات مثقلة بالحزن، وطلب منه وردة بيضاء يضعها عند قبرها. لم يعد الورد الأحمر بالنسبة إليه كما كان، فقد أصبح يريد شيئا يليق بذكرى امرأة غابت عن عينيه، لكنها بقيت حاضرة في قلبه.
وكان بائع الورد كفيفا، لكنه بدا في تلك اللحظة أكثر قدرة على رؤية الحزن من كثير من المبصرين. جمع له من وروده ما استطاع، ووضعها بين يديه في مشهد تختلط فيه المحبة بالتعاطف والوفاء.
في هذه القصة لا تكمن قيمة الوردة في لونها أو شكلها، وإنما في المعنى الذي حملته. فالوردة كانت في البداية تعبيرا عن الحب في الحضور، ثم أصبحت بعد الرحيل تعبيرا عن الوفاء في الغياب.
وهكذا قد تتغير الأشياء ، ولكن المعنى الذي منحناه لها يبقى. وعليه كم ينبغي أن نتساءل قبل فوات الآوان: ما الذي ينبغي أن نراه قبل فوات الأوان؟
الحياة الزوجية لا تحتاج دائما إلى أفعال استثنائية كي تبقى حية. أحيانا تحتاج فقط إلى عين ترى ما اعتادت عليه وقلب لا يعتبر اهتمام الآخر أمرا مفروغا منه.
أن نشكر الشريك على ما يفعله، حتى وإن فعله لسنوات.
أن نلاحظ التعب الذي يخفيه وراء ابتسامته.
أن نفهم أن بعض الصمت قد يكون اهتماما، وأن بعض العادات اليومية قد تكون لغة حب، وأن بعض التصرفات التي نراها بسيطة قد تكون ذات معنى كبير عند من يفعلها.
فليس كل حب يقال ، وليس كل اهتمام يحتاج إلى إعلان.
هناك محبة تختبئ في التفاصيل الصغيرة كما تم بيانه ، في الضوء الذي ينتظر عودتنا، وفي الباب الذي يفتح لنا ، وفي السؤال الذي يأتي في الوقت المناسب ، وفي يد تمتد إلينا عندما نتعب، وفي شخص يظل حاضرا في حياتنا دون أن يطالبنا كل يوم بأن نثبت له أننا نقدر وجوده.
ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان لمن يحب هو ألا يسمح للاعتياد أن يحجب عنه قيمة ما يملكه. فالحب لا يموت دائما بسبب غيابه، بل قد يضعف أحيانا لأننا توقفنا عن رؤيته.
كم ينبغي بعد هذا ، ان ننظر إلى التفاصيل من جديد، ولنقرأ ما وراء الأفعال الصغيرة، ولنقل لمن نحب إننا نرى ما يفعلونه من أجلنا ونقدره. ان بعض أجمل رسائل المحبة لا تُكتب بالحروف ، ولا تُقال بالكلمات، وإنما تظل مضاءة في ركن من أركان حياتنا، تنتظر فقط أن نلتفت إليها.
ب. د. خالد خدر
……..
الملحق:
القصتان اللتان ورجال في متن المقال ، مأخوذتان عن منصة الفيسبوك ، صفحة :حكايات من القلب ، لأحد منشئي محتوى ريلز
القصة الاولى :
مصباح الرواق
طوال سنوات زواجهما، كان يوبخ زوجته بحدة كل ليلة لأنها تترك مصباح الرواق مضاءً حتى الصباح، معتبراً ذلك إسرافاً لا داعي له. وكانت هي تتقبل غضبه بابتسامة هادئة دون أن تجادله.
ذات يوم، حدث بينهما خلاف قاسي، فغادرت المنزل لتبقى عند أهلها لبضعة أيام.
عندما عاد في تلك الليلة من عمله المتأخر، وجد البيت غارقاً في ظلام موحش وبارد. تعثر في خطواته، وشعر بوحدة قاسية تعتصر قلبه.
حينها فقط، تذكر جملة قالتها له مرة في بداية زواجهما ولم يُلقِ لها بالاً:
أنا لا أخاف الظلام يا عزيزي، أنا فقط أكره أن تفتح الباب بعد يوم شاق لتجد بيتاً معتماً لا يرحب بك.
أدرك أن ذلك المصباح لم يكن مجرد ضوء يستهلك طاقة، بل كان "عناقاً صامتاً" ينتظره كل ليلة ليخبره أن هناك من يهتم لعودته. وقف في العتمة طويلاً، ثم أضاء المصباح بيده المرتجفة، وأمسك هاتفه ليرسل لها رسالة قصيرة: البيت مظلم جداً من دونك.. أرجوك عودي.
القصة الثانية:
الوردة البيضاء
لسنوات طويلة، اعتاد شاب أن يمر كل مساء على بائع ورد كفيف يفترش زاوية الشارع، ليشترى منه وردة حمراء.
كان البائع يبتسم دائماً حين يسمع خطواته ويسأله: لمن الوردة اليوم يا بني؟ ، فيجيبه الشاب بحب: لزوجتي التي تنتظرني.. إنها تعشق هذا اللون.
مرت الأيام، وغاب الشاب لعدة أشهر متواصلة. وفي عصر يوم شتوي حزين، عاد الشاب بخطوات ثقيلة، وصوت مكسور، وطلب من البائع وردة "بيضاء".
تعجب البائع الكفيف وسأله بقلق:
على غير عادتك يا بني! لماذا بيضاء اليوم؟
أين الوردة الحمراء؟
اختنق الشاب بالبكاء وهو يجيب:
لأنها رحلت يا عم... ولم يعد الورد الأحمر يليق إلا بقلبها النابض بالحياة. أما اليوم، فأنا أشتري هذه الوردة البيضاء لعلها تؤنس وحشتها في قبرها.
ساد صمت ثقيل أوقعه وجع الكلمات، ثم تحسس البائع الكفيف طريقه نحو دلو وروده، وجمع كل الورود الحمراء والبيضاء التي يملكها ووضعها بين يدي الشاب قائلاً بصوت يرتجف: أغلق متجري اليوم.. خذني معك يا بني، ففي هذا المساء ورودي كلها لن تتفتح إلا من أجلها.
#خالد_محمود_خدر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟