|
|
في نموذجين مختلفين لشاعرين عراقيين ….. يُهجَّر المبدعون من أوطانهم وتبقى أرواحهم معلقة بها
خالد محمود خدر
الحوار المتمدن-العدد: 8859 - 2026 / 10 / 15 - 06:09
المحور:
المجتمع المدني
ثمة مبدعون يغادرون أوطانهم بأجسادهم، لكن أرواحهم تظل معلقة بأرضها واهلها ، تحمل ذكرياتها أينما ذهبت وتستعيد ملامحها في لحظات الحنين والوحدة. قد تفصلهم عن مدنهم آلاف الكيلومترات، وقد تمر السنوات وتتبدل الوجوه واماكن الإقامة والغربة ، لكن شيئا عميقا في داخلهم يظل مشدودا إلى مسقط الرأس أو النشأة الأولى، إلى البيوت والشوارع والأصوات التي صنعت ذاكرتهم ، وإلى الاصدقاء والمعارف وعموم الناس الذين أحبّوهم.
المنفى ليس دائما مدينة جديدة أو بيتا بديلا أو حياة يمكن البدء فيها من جديد. قد يكون المنفى حرمانا من العودة ليصبح اقسى من الرحيل نفسه بابتعاده عن الوجوه المألوفة وانقطاعا عن تفاصيل صغيرة لا يدرك الإنسان قيمتها إلا حين يفقدها. وقد يجد المبدع نفسه محاطا بأناس يقدّرون فنه، لكنه يظل يشعر بأن شيئا أساسيا ينقص حياته، لأن المكان الذي يمنحه الطمأنينة وذكريات الطفولة والنشأة والمدرسة ليس ذلك المكان حيث أصبح يقيم، بل ذلك الذي ترك قلبه.
إن الانتماء الحقيقي لا تصنعه وثيقة وحدها، ولا تلغيه أصول العائلة، بل تؤكده حياة الإنسان ومواقفه وإسهاماته وعلاقته بالأرض التي نشأ عليها وبالمجتمع الذي احتضنه ، ولنا مثلا في احتضان دول أوربا لآلاف من المهاجرين إليها من كل دول العالم ، إذ توفر لهم المسكن والمعيشة من اول يوم يدخلونها مهاجرين من دولهم التي استمرت عليهم ذلك.
إن ذلك لا يعني أن تتجاهل الدولة أهمية الجنسية والقانون في تنظيم شؤونها ، بل إن الدولة العادلة هي التي تطبق القانون من دون تمييز، وتحمي مواطنيها من الظلم، ولا تجعل الأصول العائلية أو الخلفيات القومية ذريعة للإقصاء الجماعي. كم من إنسان ولد في العراق وعاش فيه وأخلص له وأسهم في بناء ثقافته ، ثم وجد نفسه مطالبا بإثبات انتمائه إليه ،وكأن سنوات حياته وعطاءه وذكرياته لا تكفي لتأكيد أنه واحد من أبنائه.
لقد عانى العراق، في مراحل مختلفة من تاريخه، من سياسات الشك في الولاءات، ومن الخلط بين الانتماء الثقافي أو العائلي وبين الولاء السياسي. ودفع أفراد وجماعات أثمانا باهظة نتيجة قرارات التهجير والإبعاد والإقصاء. وكان من أكثر نتائج هذه السياسات إيلاما أنها لم تكتف بإبعاد الإنسان عن مكان ولادته، بل انتزعت منه بيته وذكرياته وشبكة علاقاته، وحرمته حقه الطبيعي في أن يعيش ويموت بين أهله.
من بين هؤلاء المبدعين العراقيين الذين عاشوا مرارة الغربة بعيدا عن وطنهم، يبرز اسما الشاعر الغنائي سيف الدين ولائي، وقبله الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري الذين اختلفت تجربتاهما في الشعر والاختلاف ، مثلما اختلفت طبيعة ما قدماه للثقافة العراقية عموما ، لكنهما التقيا في محبة العراق وفي الحضور الدائم للوطن في نتاجهما الشعري ، وفي نهاية الرحلة توفيا ودفنا بعيدا عن الأرض التي ارتبطا بها وجدانيا. كلما استمعت إلى أغنية عراقية قديمة تحمل بين كلماتها الشوق والحنين والفراق، أجدني أتساءل عن أصحاب تلك الكلمات الذين منحوا الأغنية العراقية جزءا من روحها ، لأجدهم غالبا من أولئك الذين عاشوا بعيدا عن العراق، فيما ظلت أعمالهم حاضرة في بيوت العراقيين وذاكرتهم. ومن هؤلاء الشاعر سيف الدين ولائي (ولقبه هذا جائه مبكرا لولائه العميق لوطنه العراق) الذي ارتبط اسمه بعدد من الأغنيات التي بقيت حية في الوجدان العراقي وتناقلتها الأجيال في مختلف الأزمان ، ورددها الناس في مناسباتهم وأوقات الفرح والحزن. لقد استطاع بكلماته أن يعبّر عن مشاعر الإنسان البسيط وعن الحب والاشتياق والحرمان ، وأن يجعل من الأغنية مساحة تلتقي فيها التجربة الفردية بالذاكرة الجماعية.
لم تكن الأغنية بالنسبة إلى مستمعيها مجرد لحن جميل وكلمات عابرة، بل كانت أحيانا مرآة لتجاربهم الشخصية ورسالة إلى حبيب بعيد أو استعادة لأيام مضت أو تعبيرا عن حنين لا تستطيع الكلمات العادية أن تحمله. وربما لهذا السبب بقيت ألاغنيات التي نظم كلماتها سيف الدين ولائي حاضرة لدى اكثر العراقيين واولهم الذين ابتعدوا هم أيضا عن وطنهم مهجّرين او مهاجرين تحت ضغط الظروف العامة والخاصة التي تعرضوا لها مكرهين او مرغمين ، لأنهم ببساطة وجدوا فيها شيئا من العراق الذي يحملونه في داخلهم.
لم تكن حياة سيف الدين ولائي بعيدة عن التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها العراق. فقد تعرض، شأنه شأن الكثير من العراقيين ، ومنهم الفيليين اهله ، لظروف التهجير القسري التي طالت عائلات عراقية بسبب يعود لأصولها وهويتها ، إذ ابعد في عام 1980 عن العراق ، وانتهى به المطاف في سوريا بعيدا عن بغداد التي ارتبطت بذكرياته وحياته الفنية. ولم يكن ذلك مجرد انتقال من بلد إلى آخر، بل اقتلاعا من الوطن الذي صنع تجربته والهمه أشعاره واستند من بيئته الكثير من مفردات إبداعاته الشعرية الغنائية. نقل سيف الدين الى حدود إيران والقي هناك ، باعتباره من التبعية الإيرانية، ولأنه لا يعرف شيئا من الفارسية، وليس له في إيران أهل ولا أقارب ولا حبايب، فقد وجد نفسه بين آلاف المهجرين الأبرياء، في خيمة عارية على تلك الحدود. بعدها ، لم يجد سيف الدين ولائي غير أن يرحل عن إيران إلى دمشق ليقضي آخر أيامه ، غارقا في كآبة مطبقة لا يبارح سريره ولا يستقبل أحدا ولا يكلم حتى نفسه ودمعه يتراقص على أجفانه صباح مساء. و حين زارته مذيعة عراقية من إحدى إذاعات المعارضة في الثمانينيات وحاولت استدراجه لحديث إذاعي رفض ولاذ بصمته المطبق ولم يرد عليها بشيء ، وبعدها سألته عما يريد، لم يُجب، وحين ألحت عليه نطق بثلاث كلمات لا غير، قال لها: أعيديني إلى العراق. وهنا يترجم سيف الدين بدموعه معنى انتماىه للعراق ومعنى لقبه ولائي. كانت أمنية بسيطة ، لم يطلب فيها قصرا ولا مالا ولا تكريما رسميا، ولم يحلم بمنصب أو جاه. كل ما أراده رجل أفنى عمره في خدمة الفن العراقي أن يرى بغداد مرة أخيرة قبل الموت. مدينة كانت قريبة من قلبه، لكنها أصبحت بعيدة عنه بقرار سياسي. وما أشد قسوة أن يتحول الوطن، الذي ينبغي أن يكون ملاذا لأبنائه، إلى حلم يتمنى المنفي أن يراه قبل أن يغادر الحياة.
توفي سيف الدين ولائي او العراقي في دمشق عام 1984، بعيدا عن العراق الذي أسهم في إثراء ذاكرته الفنية والثقافية ، لتنتهي بذلك حياته ، فيما بقيت كلماته تتردد على ألسنة العراقيين، وكأنها تؤكد أن الإنسان قد يُحرم من وطنه، لكن وطنه لا يستطيع او لا يقبل أن ينتزع منه ما أبدعه وما تركه في ذاكرة الناس.
من أكثر ما يثير الأسى في حكاية سيف الدين ولائي او بلغة المنطق الوطني سيف الدين العراقي أن كثيرا من الناس يستطيعون ترديد كلمات أغنياته والتفاعل معها عاطفيا، من دون أن يعرفوا بالضرورة تفاصيل حياة كاتبها أو ما تعرض له من تهجير وأين انتهت رحلته. إنها مفارقة مؤلمة، أن تبقى الكلمات في وطنها، بينما يعيش مبدعها بعيدا عنه، وأن تستمر الأغنيات في مرافقة أفراح الناس وأحزانهم، فيما يُحرم من كتبها من العودة إلى الوطنو الذي استلهم منه بعضا من روحه وتجربته. استعدت هذه الحكاية المؤلمة بعد أن أرسل إليّ صديق عزيز عبر الماسنجر رسالة تضم محتوى يتناول سيرة سيف الدين ولائي وأعماله الغنائية. أعادتني تلك الرسالة ومحتواها إلى رسالة أخرى مرفقة بمقال استمدت منه جانب من هذا المقال عن سيف الدين العراقي ، وردني قبل قرابة خمسة عشرة عاما ، من صديق اخر مغترب تناولت سيرة الفنان سيف الدين (العراقي) يستحق أن تُستعاد تجربته لا بوصفه كاتبا للأغنيات فحسب، بل بوصفه إنسانا ارتبط اسمه بإبداع عراقي أصيل ، ثم وجد نفسه بعيدا عن وطنه.
إن استعادة سير المبدعين المهجرين ليست مجرد استذكار لأسماء غابت عن المشهد، بل هي محاولة لإنصافهم وإعادة وصل ما انقطع بين حياتهم وإبداعهم، وبين الأجيال التي ما زالت تستمتع بأعمالهم ولا تعرف دائما ما وراءها من حكايات إنسانية. لم تكن مأساة سيف الدين ولائي حالة منفردة في تاريخ الثقافة العراقية، فقد عرف الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري بدوره تجربة الابتعاد عن الوطن، وعاش سنوات من الغربة، فيما ظل العراق حاضرا في شعره ووجدانه حتى أيامه الأخيرة. كما عرف ذلك الكثير من المبدعين والشعراء كما الفنانين والملحنين وغيرهم الكثير ، ولنا في الفنان فوائد سالم والملحن كوكب حمزة ، مثلما لنا في كثير من العلماء والأطباء والمهندسين الكثير ممن لا يسع المجال لتناول سيرتهم في هذا المقال للتعريف بهم وتناول مسيرتهم العلمية أو الفنية أو الشعرية وقبلها الوطنية ، بما يمكن القول معه أن تناول سيرة الشاعرين تختصر ضمنا سيرة من كل اشرت لهم من ابناء العراق.
أذا كان سيف الدين ولائي قد دخل بيوت العراقيين من أبواب الأغنية، فلامست كلماته مشاعرهم في الحب والفراق والحنين، فإن الجواهري دخل وجدانهم من باب القصيدة الوطنية، وجعل من الشعر صوتا للدفاع عن كرامة الإنسان وحرية الرأي والتعبير عن آلام الشعب وتطلعاته إلى وطن تسوده العدالة والحرية ، وهذا كان دينه منذ شبابه عندما كان يخرج منذ الأربعينات من القرن العشرين مع الجموع المحتشدة في مظاهرات تطالب بتحقيق آمال العراقيين في ظروف افضل وحياة سعيدة. لم يكن الجواهري شاعرا يكتفي بجمال العبارة ورصانة اللغة، بل كان يرى في القصيدة موقفا ومسؤولية، وفي الكلمة وسيلة للتعبير عن هموم الناس ومواجهة الظلم والاستبداد. لذلك ارتبط شعره بقضايا وطنه، وعبّر عن آمال العراقيين وآلامهم، واحتفظ بمسافة من الاستقلال في الرأي والموقف، حتى عندما كان ثمن ذلك صعبا على حياته الشخصية.
لقد حمل الجواهري العراق في قصائده، كما حمله في ذاكرته وحنينه. ولم تكن الغربة بالنسبة إليه انقطاعا عن الوطن بقدر ما كانت شكلا آخر من أشكال التعلق به، فظل يكتب عنه، ويستعيد أنهاره ومدنه وأهله، ويعبّر عن ألمه لما آل إليه حاله. كان العراق حاضرا في شعره حتى حين لم يكن الشاعر قادرا على العيش فيه ليعيش أثره مغتربا في دول شرق أوربا او سوريا. انتهت رحلة الجواهري في دمشق يوم 27 تموز عام 1997، بعد حياة حافلة بالشعر والمواقف والتحولات، ودُفن في مقبرة الغرباء. ونقشت على قبره خريطة العراق وعبارة: يرقد هنا بعيدا عن دجلة الخير، في مشهد تختصر رمزيته مأساة شاعر ظل وطنه حاضرا في وجدانه، لكنه رحل عن الدنيا بعيدا عن أرضه. كم هو مؤلم أن يموت شاعر كرّس قسما كبيرا من حياته للدفاع عن وطنه، وأن يكون مثواه الأخير خارج حدوده. وكم تحمل عبارة (بعيدا عن دجلة الخير) من معان، فهي لا تشير إلى المسافة الجغرافية وحدها، بل إلى المسافة التي قد يصنعها الظلم والاضطهاد بين الإنسان ووطنه، حتى يصبح النهر الذي عاش في قصائده أقرب إليه من المكان الذي يرقد فيه جسده.
ومع ذلك، لم تستطع الغربة أن تفصل الجواهري عن العراق فصلا كاملا. فقد بقي شعره جزءا من الذاكرة الوطنية ، فيما ظلت قصائده شاهدة على زمنه و إيمانه بقدرة الكلمة على أن تقول ما يعجز الآخرون عن قوله. هكذا عاد الشاعر إلى وطنه عبر قصائده حتى وإن لم يعد جسده إلى ترابه. إذا تأملنا تجربة سيف الدين ولائي وتجربة محمد مهدي الجواهري، وجدنا اختلافا واضحا في طبيعة الإبداع الذي قدماه. فالجواهري كرّس شعره لقضايا الوطن والإنسان وحرية الرأي، وجعل من القصيدة منبرا للموقف الوطني والاحتجاج على الظلم. أما ولائي، فقد أسهم من خلال الكلمات التي صاغها للأغنية العراقية في تشكيل جانب من الذاكرة العاطفية والاجتماعية للعراقيين، فلامست أعماله مشاعر الحب والفراق والاشتياق. ومع اختلاف التجربتين (كما تختلف تجارب الكثير من العلماء والشعراء والفنانين والأطباء والمهندسين العراقيين المغتربين) ، يلتقي الشاعران في حقيقة إنسانية عميقة، وهي أن الإبداع لا ينفصل عن صاحبه، وأن العلاقة بين المبدع ووطنه لا تختصرها الإقامة أو الغياب. فالكلمة التي يكتبها الشاعر، والأغنية التي يصوغ كلماتها والنظرية التي وضعها عالم مغترب والإبداع الذي وصل إليه مهندس او طبيب عراقي ، قد تعيش بعده سنوات طويلة، وتتجاوز الحدود التي عجز هو عن تجاوزها في حياته ، ولنا في المهندسين زها حديد ومهدي حنتوش وغيرها الكثير شواهد على ذلك. ولا يعني هذا أن ظروف ابتعاد كل هؤلاء ومنهم الشاعرين موضوع الحديث ، عن العراق كانت واحدة، فلكل منهم تجربته وسياقه التاريخي والسياسي الخاص. لكن ما يجمع الشاعرين على سبيل المثال هو أن كليهما انتهى إلى دمشق بعيدا عن الوطن، وأن العراق ظل حاضرا في نتاجهما وفي الذاكرة التي تركاها للأجيال.
ومن هنا تتجاوز حكايتهما سيرة شخصين، لتصبحا مدخلا إلى سؤال أوسع: ماذا يخسر الوطن حين يفقد مبدعيه ، وماذا يخسر المجتمع حين تصبح حرية التعبير أو الهوية أو الموقف سببا في إبعاد أصحاب العقول والكلمات والفنون؟ إن حكاية المبدعين الذين عاشوا خارج العراق لا تنحصر في الشعراء والفنانين او السياسيين ، ولا في جيل أو فئة بعينها. فهناك علماء وأدباء وموسيقيون ومهندسون وأطباء، اضطر كثير منهم إلى مغادرة وطنهم لأسباب مختلفة، بعضهم بحثا عن الأمان، وبعضهم طلبا للحرية ، وبعضهم سعيا إلى فرصة يستطيع فيها أن يعمل ويبدع ويعيش بكرامة.
هكذا ، أصبح العراقيون الموزعون في بلدان العالم جزءا من مشهد إنساني وثقافي واسع، يحملون معهم لغتهم وذكرياتهم وأغانيهم وعاداتهم. وفي تجمعاتهم العائلية والثقافية، سواء في المانيا او الملكة المتحدة أو الولايات المتحدة أو أستراليا أو كندا أو غيرها من البلدان، لتتردد الأغنيات العراقية، وتُستعاد القصائد والحكايات في كل فرصة لقاء او مناسبة شخصية أو وطنية ، وكأنها خيوط تصل الحاضر بالماضي، والغربة بالوطن. ولنا في ذلك مناسبات أبناء الجاليات العراقية، ومنها تجمعات العراقيين المسيحيين والايزيديين في بلدان الاغتراب، تتردد الأغاني التي تحمل ذاكرة العراق، وتستعيد الأجيال من خلالها ملامح وطن تركته خلفها. وهذه المشاهد لا تخص جماعة واحدة، بل تعبّر عن حاجة إنسانية مشتركة إلى الحفاظ على الصلة بالمكان الأول، مهما اختلفت الأصول والانتماءات والتجارب. الوطن ليس مجرد أرض وحدود وجواز سفر، بل هو أيضا ذاكرة مشتركة ولغة وأغان وقصائد ووجوه وأماكن. وحين يغادره الإنسان قسرا أو اختيارا قد يحمل معه بعضا من تفاصيله، لكنه يظل يتوق إلى وطن يستطيع أن يعود إليه آمنا، ويجد فيه مكانا يليق بكرامته وحقوقه. إن استذكار سيف الدين ولائي ومحمد مهدي الجواهري كنموذج لكل المبدعين لا ينبغي أن يبقى وقفة حزينة عند قبريهما في دمشق، بل يجب أن يتحول إلى تأمل في معنى الوطن الذي نريده، وفي المسؤولية التي تقع على عاتق الدولة والمجتمع تجاه المبدعين والمواطنين جميعا. العراقيون جميعهم ، يريدون وطنا لا يُقصي أبناءه بسبب أصولهم أو هويتهم، ولا يعاقبهم لأنهم يختلفون في الرأي، ولا يدفع علماءه إلى الرحيل حين يحلمون بتوظيف علمهم وخبرتهم في خدمة أهلهم. يريدون وطنا يحتضن علمائه و شعراءه وفنانيه ومفكريه ومبدعيه وكل مواطنيه بمختلف أطيافهم ، ويصون حقهم في التعبير ويمنحهم الشعور بأنهم شركاء في بنائه لا غرباء فيه ولا فرق بينهم لأي اعتبار.
ليس من مصلحة العراق أن يخسر أبناءه المبدعين، وليس من العدل أن يُحرم الإنسان من وطنه بسبب هويته الإثنية او الدينبة أو موقفه أو رأيه السياسي أو انحداره الاثنين او القومي . إن قوة الأوطان لا تُقاس فقط بما تمتلكه من ثروات وموارد، بل بقدرتها على صيانة كرامة مواطنيها وحماية حرياتهم وتهيئة الظروف التي تسمح لهم بالإبداع والمشاركة في صنع مستقبلهم.
وإذا كانت الأغنيات والقصائد قد حفظت لنا أصوات مبدعين رحلوا عن العراق، فإن الواجب اليوم أن يحفظ المواطن في وطنه كي لا يضطر إلى مغادرته، وأن يتم العمل من أجل أن تكون العودة إليه أملا ممكنا، لا حلما مؤجلا حتى آخر العمر. قد يموت المبدع بعيدا عن أرضه، وقد يُدفن في مقبرة الغرباء، لكن أثره لا يموت ما دامت كلماته تجد من يقرأها وأغنياته تجد من يرددها ومواقفه تجد من يستعيد معناها. فالجواهري يعود إلى العراق كلما قرأ أحد العراقيين قصائده، وولائي يعود إليه كلما ارتفع صوت أغنية من كلماته في بيت عراقي أو مجلس غربة او حفلة عرس او حتى مهرجان عام.
إن الوطن الحقيقي لا يسكن الخرائط وحدها، بل يسكن الذاكرة والوجدان، وتبقى صلته بأبنائه قائمة ما داموا يحملون لغته وقصائده وأغنياته وقيمه الإنسانية. غير أن هذا الوفاء لا يعفي الوطن من مسؤوليته تجاههم، ولا يجعل الغربة بديلا عادلا عن حق الإنسان في العيش بكرامة في أرضه. لله درك يا عراق، ولله در مبدعيك الذين ظلوا أوفياء لك، حتى حين لم تكن قادرا على احتضانهم. كم كان جميلا لو أن كل شاعر وفنان وعالم ومفكر وكل مواطن غادره مضطرا او مكرها استطاع العودة ليعيش بحق في وطنه آمنا حرا وأن يقدم إبداعه لأهله ويودع الحياة في الأرض التي أحبها لا بعيدا عنها وفي قلبه حسرة العودة. ما أقسى أن يبقى صوت المبدع في وطنه، بينما يُحرم هو من العيش فيه، وما أعمق الوفاء الذي يجعل روحه معلقة به حتى بعد الرحيل. إن إنصاف هؤلاء لا يكون باستذكار أسمائهم فحسب، بل ببناء وطن لا يكرر مأساتهم مع أجيال أخرى.
المصادر المعتمدة: 1- https://www.facebook.com/100025437563232/posts/1521751342016103/ 2- https://www.facebook.com/groups/aloghnia.aliraqia/permalink/29233200419613116/?app=fbl 3- https://www.facebook.com/1270851393/posts/10228042404266668/?app=fbl 4- https://www.facebook.com/100067246470969/posts/553077326943812/?app=fbl 5- https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF_%D9%85%D9%87%D8%AF%D9%8A_%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%88%D8%A7%D9%87%D8%B1%D9%8A 6- https://uomustansiriyah.edu.iq/media/lectures/14/14_2020_03_03!03_11_46_PM.pdf 7- https://foulabook.com/ar/author/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D9%85%D9%87%D8%AF%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%88%D8%A7%D9%87%D8%B1%D9%8A 8- https://aijh.modares.ac.ir/article_19676_ebddf459cdcc26ba8a6fb4d910e27eff.pdf 9- https://www.scribd.com/doc/134204967/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D9%85%D9%87%D8%AF%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%88%D8%A7%D9%87%D8%B1%D9%8A
10- https://www.facebook.com/100044560024022/posts/1280879506740705/
#خالد_محمود_خدر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
للتضحية حدود وللنفس حقوق: حين نعيش للآخرين وننسى أنفسنا
-
حين تختبئ المحبة في التفاصيل الصغيرة للحياة الزوجية
-
حين يسبق الشعور المعرفة، وتسبق الألفة الزمن في العلاقات الاج
...
-
متى تستحق علاقاتنا الاجتماعية الاستمرار او يكون معها الابتعا
...
-
الأمانة والحلال لا يضيعان... حين يكون الضمير حاضرا
-
كم من القضايا الثانوية تكبر في أعيننا حتى تنسينا ما يستحق أن
...
-
في زمن كثرت فيه العلاقات وتشابكت أبعادها، وقل فيه فهم معانيه
...
-
في زمن كثرت فيه العلاقات وتشابكت أبعادها ، وقل فيه فهم معاني
...
-
يصبح الحب وطنا بعد الزواج حين يتم إختيار الإنسان قبل المال و
...
-
صناعة النخب... حين نصنع الإنسان نصنع المستقبل / مسؤولية مشتر
...
-
حين يسقط القناع... ويتكلم الزمن
-
لا تسمح للعالم أن يسرق قلبك
-
حين يرى الإنسان الآخرين بعيني نفسه يكون حكيما
-
بين براءة البدايات وحكمة الحدود: كيف نحمي قلوبنا دون أن نفقد
...
-
انكسار القلب…. حين يقود الوفاء وايثار الغير إلى الخذلان / ال
...
-
انكسار القلب …. حين يقود الوفاء وايثار الغير إلى الخذلان / ا
...
-
انكسار القلب …. حين يقود الوفاء وايثار الغير إلى الخذلان / ا
...
-
تنهيدة الأرض وأثقال البشر / الجزء الثالث : عندما يثقل العالم
...
-
تنهيدة الأرض وأثقال البشر / الجزء الثاني / عندما يثقل المجتم
...
-
تنهيدة الأرض وأثقال البشر/ الجزء الاول: أول طريق لتخفيف ثقل
...
المزيد.....
-
-وول ستريت جورنال-: إدارة ترامب ترى أوربان مرشحا مناسبا لمنص
...
-
ثمانية شهداء في غزة وحصار مشدد وموجة اعتقالات في الخليل
-
تنفيذية التحرير تتصدى لخطة الأونروا خفض الوظائف وتطلب 70 ملي
...
-
سويلم يلتقي مساعد وزير الخارجية الإماراتي لبحث تعزيز التعاون
...
-
غزة.. نقص المساعدات ومخاوف المجاعة
-
قاليباف يربط ترشيح دبلوماسية إماراتية لمنصب الأمين العام للأ
...
-
سويلم يلتقي الرئيس المشارك للحوار التفاعلي الثالث من الجانب
...
-
وزير التخطيط يبحث مع مفوضية اللاجئين توسيع التدخلات الإنساني
...
-
اعتقالات وإغلاق معابر في الضفة قبل انتخابات إسرائيل.. وترامب
...
-
اعتقالات واسعة في فرنسا وإسبانيا خلال الاحتجاجات
المزيد.....
-
مدرسة غامضة
/ فؤاد أحمد عايش
-
أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال
...
/ موافق محمد
-
بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ
/ علي أسعد وطفة
-
مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية
/ علي أسعد وطفة
-
العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد
/ علي أسعد وطفة
-
الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي
...
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن
...
/ حمه الهمامي
-
تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار
/ زهير الخويلدي
-
منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس
...
/ رامي نصرالله
المزيد.....
|