خالد محمود خدر
الحوار المتمدن-العدد: 8854 - 2026 / 10 / 10 - 07:55
المحور:
المجتمع المدني
في خضم الحياة ومسؤولياتها المتشابكة، قد يمضي الإنسان سنوات طويلة من عمره ، وهو يحاول إرضاء الآخرين واولهم الأقرباء ، عبر تلبية احتياجاتهم وتخفيف أعبائهم، مضحيا بحقوقه الشخصية ليضيف بهذا إلى نفسه أعباء مضاعفة.
كثيرا ما يندفع الإنسان في ذلك مقنعا ذاته بعناد ، بأن المحبة والوفاء يقتضيان منه أن يكون حاضرا دائما من أجلهم ماديا ومعنويا ونفسيا ، حتى لو كان ذلك على حساب راحته ومستقبله ومشاعره واحتياجاته الخاصة بوصفه فردا أو رب اسرة. وغالبا لا ينتبه الانسان إلى هذا الاستنزاف إلا بعد مرور وقت طويل، حين يصل إلى مرحلة تفرض ظروف الحياة ومستجداته ومفاجىاتها فيها امتحانا للآخرين ممن اشرت لهم او حين يصل إلى مرحلة متقدمة من العمر ، ليجد نفسه قد انشغل بحياة غيره إلى درجة أهمل معها نفسه تماما ، ليدفع بذلك هو واسرته الصغيرة ثمن عواطف وانتماء ليس له عند المقابل رصيد ، الا بقدر تفسير ذلك واستغلاله كفرصة يحققون فيها لانفسهم متطلبات حاضرهم ومستقبلهم .
كم هناك ممن أمضى شبابه في مساعدة إخوته على إكمال دراستهم أو في الوقوف إلى جانبهم حتى استقرت حياتهم أو في تحمل أعباء أسرته الممتدة ، مؤجلا زواجه أو راحته أو مشروعه الشخصي وحتى مستقبله ، معتقدا أن الوقت سيأتي يوما ليعيش من أجل نفسه. ثم تمر السنوات ويستقر الآخرون في حياتهم وينشغل كل منهم بأسرته ومستقبله، بينما يجد ذلك الإنسان نفسه أمام أسئلة لم يكن يجد يومها حتى الوقت لطرحها على نفسه : ماذا بقي لي من أحلامي ، وأين ذهبت السنوات التي كنت أظن أنني سأعوضها لاحقا ، وهل كان المعنيون الآخرون يدركون حقا حجم ما تنازلت عنه او ضحيت به من أجلهم ، ويزداد الامر ألما حين لا يجد منهم غير نكران الجميل.
إنها مفارقة إنسانية تستحق التأمل. ففي الوقت الذي نكون فيه سندا لمن يعنون لنا ونمنحهم ما نستطيع من وقت وجهد واهتمام، ننسى في غمرة العطاء والتضحية أن لنا أيضا حقوقا ومشاعر وأحلاما لا ينبغي أن تبقى مؤجلة إلى أن يحقق من يهمنا أمرهم كل ما يتمنونه.
لقد عبر الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط عن مبدأ أخلاقي مهم حين دعا إلى معاملة الإنسان بوصفه غاية في ذاته، لا مجرد وسيلة لتحقيق غايات الآخرين. ويمكننا أن نستخلص من هذا المبدأ ، أن قيمة الإنسان لا ينبغي أن تختزل في مقدار ما يقدمه للآخرين ، وأنه ليس مطالبا بأن يحول حياته إلى وسيلة دائمة لحل مشكلاتهم ، مهما كانت مكانتهم في قلبه. فكما أن للآخرين حقا في المساندة والدعم والاحترام، فإن لنا أيضا حقا في أن نحيا حياة لها معنى خاص بنا ، فكيف إذا كان ذلك على حساب حياتنا بالكامل.
المشكلة هنا لا تكمن في التضحية والعطاء بذاتهما ، فهما من أسمى مظاهر التضامن الإنساني، بل إن المشكلة تكمن في يتحول هذا العطاء إلى استنزاف مستمر، وفي أن يصبح رضا الآخرين هو المعيار الوحيد الذي نقيس به قيمتنا أمام أنفسنا قبل غيرها ، عندها نرفض التفرغ لحياتنا الشخصية أو العائلية، وتصل بنا الخشية في هذا إلى حد الخوف من التعبير عن احتياجاتنا الخاصة او تحويله إلى واقع قبل ان نتفرغ بالكامل لأجل غيرنا ، حدا نتهم بخلافه أنفسنا بالأنانية أو التقصير تجاههم. وهنا لا يعود العطاء اختيارا حرا، بل يتحول إلى عبء نفسي ومادي ثقيل، وتصبح التضحية وسيلة نخسر بها أنفسنا ونحن نحاول الحفاظ على ما يهمنا من امر الآخرين.
ولعل من أكثر الأمثلة شيوعا على ذلك ، أن يظل أحد الإخوة الشخص الذي يلجأ إليه الجميع عند الأزمات. فإذا احتاج أحدهم إلى المال، كان أول من يفكرون فيه، وإذا واجه آخر مشكلة، وجدوه مستعدا للحل، وإذا تعثرت أمور الأسرة، تحمل هو العبء الأكبر. ومع مرور الزمن، قد يصبح هذا الدور أمرا مفروغا منه، فلا يعود الآخرون يسألون إن كان قادرا على المساعدة، بل يكتفون بافتراض أنه سيساعدهم كعادته. وقد لا يكون ذلك ناتجا دائما عن اعتيادهم على عطائه بل احيانا عن سوء النية ، ناسين او متناسين أن وراء ذلك العطاء إنسانا له ظروفه واحتياجاته وحقوقه وعائلته.
وهنا تكمن إحدى المفارقات المؤلمة في العلاقات الإنسانية التي يتحول فيها العطاء الذي بدأ بدافع المحبة إلى واجب غير معلن، وتتحول التضحية التي كانت موضع تقدير إلى توقع وانتظار دائم يصبح معه الاعتذار عن تقديم المساعدة استثناء يستوجب التبرير. وكأن الإنسان الذي اعتاد الجميع أن يجدوه حاضرا لا يحق له أن يتفرغ لنفسه ماديا وعائليا او يكون هو من يحتاج إلى من يقف إلى جانبه.
كثيرا ما نربط المحبة بالتضحية والوفاء بالصبر والطيبة بالقدرة على التحمل. ورغم أن هذه المعاني تحمل جانبا نبيلا، فإنها قد تتحول إلى قيود مكبلة حين نفهمها على أنها التزام مطلق مهما كانت الظروف المحيطة بنا ، و مهما كان الثمن الذي ندفعه من وضعنا المادي ومعه سلامنا الداخلي.
في هذا السياق، يمكن استحضار المعنى الذي طرحه جبران خليل جبران في كتابه النبي ، حين تناول العطاء بوصفه فعلا نابعا من الحرية الداخلية ، لا من الإكراه أو الخوف. فالعطاء الأصيل لا يفقد قيمته حين نختار له حدودا تحفظ قدرتنا على الاستمرار، بل قد يصبح أكثر صدقا حين يصدر عن إرادة واعية. فالإنسان الذي يعطي وهو قادر على الاختيار يختلف عن إلانسان الذي يعطي لأنه يخشى تانيب ضميره أو اللوم أو فقدان مكانته في قلوب الآخرين رغم حسن نيته وصدق واقع حاله.
نعم ، قد نوافق على ما يطلبه الآخرون منا وإن كان على حساب أنفسنا، وقد نتجاوز مواقف تجرح كرامتنا، لا لأننا مقتنعون بها، بل لأننا نخشى خسارة أعزاء علينا، أو نتوجس من تغير صورتنا في أعينهم، أو نتخوف من اتهامنا بأننا لم نعد كما كنا، وأحيانا نخشى أن يوصف موقفنا بالجحود وقلة الوفاء. ومع تكرار هذه التنازلات، نعتاد الصمت حتى يصبح التعبير عن الرغبة في التفرغ لبناء مستقبلنا والالتفات إلى احتياجاتنا أمرا شاقا، وربما نشعر بالذنب حين نختار راحتنا أو نرفض طلبا يتجاوز طاقتنا.
وقد يحدث ذلك في أبسط تفاصيل الحياة. فهناك من يعتذر عن قضاء يوم مع أسرته لأن أحد أقاربه طلب منه إنجاز عمل كان يستطيع إنجازه بنفسه، وهناك من يؤجل علاجا يحتاج إليه أو يواصل عملا إضافيا مرهقا حتى لا يرفض مساعدة شخص اعتاد الاعتماد عليه، وهناك من يتنازل عن فرصة مهنية مهمة لأن أحد أفراد العائلة لا يريد منه الابتعاد أو تغيير نمط حياته او ان ذلك الفرد يريد منه مساعدته في بناء دار له رغم حاجته هو لبناء دار لنفسه خ، ويمكن ان يقاس وفق هذا مواقف الكثير ممن ضحوا بانفسهم ومستقبل عوائلهم في سبيل غيرهم.
المؤلم في مثل هذه الحالات أن الإنسان قد لا يكون محروما من حقه على نفسه بفعل الآخرين وحدهم، بل قد يشارك هو نفسه في ذلك من حيث لا يشعر او لا يريد ان يشعر، لفرط اهتمامه بغيره ، في حرمان نفسه ، حين يعتاد تقديم اولياتهم على اولياته من دون تفكير أو تفاهم أو تحديد لما يستطيع تحمله او يتوجب ذلك عليه. ولكن في كثير من هذه الحالات و مع تغير الاحوال والظروف قد يتراكم في داخله شعور بالمرارة لا يعرف كيف يعبر عنه، وربما يظهر في صورة غضب مفاجئ أو فتور في العلاقات أو إحساس بأن الآخرين استغلوه بغير انصاف ، خاصة عندما يدور الزمان ويتغير الحال.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا:
هل تعني المحبة أن نتحمل كل شيء.، وهل يقتضي الوفاء أن نتخلى عن أنفسنا كي يبقى الآخرون راضين عنا ، والاهم هل انهم سيقومون بأداء الأدوار نفسها لو تغيرت المعادلة وجاء دورهم في مراعاتنا والتضحية من اجلنا ، كما كانوا يعدوننا به دائما؟
إن الإجابة لا يمكن أن تكون واحدة في كل الظروف، لأن الحياة تضعنا أحيانا أمام مسؤوليات استثنائية تستحق منا تضحية استثنائية، ولا سيما حين يتعلق الأمر بمرض أحد الوالدين أو أزمة حقيقية تمر بها الأسرة. لكن الفرق كبير بين أن نتحمل عبئا ضروريا في وقت الشدة، وأن نحول الاستثناء إلى أسلوب حياة دائم. فالمساندة في الأزمات واجب إنساني، أما إلغاء الذات بصورة مستمرة فليس شرطا للمحبة ولا دليلا على الوفاء.
كم أظهرت تجارب أسرية كثيرة ، أن أحد أفراد العائلة قد يتحمل وحده رعاية والد أو والدة مسنين لسنوات طويلة، بينما يكتفي بقية الأبناء بالتعاطف أو الوعود أو الزيارات المتباعدة. وفي مثل هذه الحالات، لا يكون الحل في التخلي عن الوالدين أو التنصل من الواجب، بل في مصارحة أفراد الأسرة بحقيقة الأعباء وتوزيعها بحسب الإمكانات، سواء أكانت مساهمة بالوقت أم بالمال أم بتوفير الرعاية اللازمة. فالواجب المشترك لا ينبغي أن يتحول بصمت إلى عبء دائم على شخص واحد لمجرد أنه الأكثر صبرا أو الأقل قدرة على الرفض.
إن العلاقة الإنسانية المتوازنة لا تقوم على أن يمنح طرف باستمرار، بينما يعتاد الطرف الآخر الأخذ بلا حدود. فالعلاقات السليمة حتى بين الإخوة ، تحتاج إلى تبادل في ادوار التعاون والتآزر مثل ما تحتاج إلى تبادل التقدير والاحترام ، وإلى استعداد متبادل لتحمل المسؤولية. ولا يعني ذلك بالطبع أن نحول المحبة إلى حسابات جافة أو أن ننتظر مقابلا مساويا لكل ما نقدمه، فالعطاء يفقد نبل معناه حين يتحول إلى تجارة للمشاعر. لكن هناك فرقا شاسعا بين أن نعطي لأننا نريد العطاء والتضحية تلبية للواجب، وبين أن نستمر فيه خوفا من إساءة الظن بنا رغم حسن نوايانا.
من المفيد هنا أن نتذكر معنى قديما تؤكده تجارب الحياة، وهو أن المعروف لا ينبغي أن يتحول إلى قيد في عنق صاحبه. فحين يساعد الإنسان أخاه في بناء مستقبله أو يقف إلى جانب صديقه في محنته، فإنه يفعل ذلك بدافع المحبة والتكافل، لا ليشتري لنفسه حقا في التحكم بحياته لاحقا، ولا ليجعل نفسه أسيرا لطلبات لا تنتهي. وفي المقابل، فإن من يتلقى المعروف عليه أن يدرك أن إحسان الآخرين ليس دليلا على خلو حياتهم من الاحتياجات، وأن من اعتاد العطاء قد يكون هو أيضا بحاجة إلى يد تمتد إليه وعندها يفسرموقفه بالإنسانية والاستغلال لطيب الآخر.
إن التضحية النبيلة لا تعني إلغاء الذات ، مثلما لا تعني المحبة او الرحمة قبول الأذى بلا حدود، والوفاء لا يعني تفريط الإنسان في حياته ومستقبل أولاده.
من حق الإنسان أن يقول لا حين يكون الأمر فوق طاقته، وأن يوضح حدوده من دون أن يفقد احترامه للآخرين، وأن يختار ما يناسب ظروفه دون أن يشعر بأنه مطالب بتبرير كل موقف يتخذه. فاحترام الذات لا يتعارض أبدا مع احترام الآخرين وحاجاتهم ، بل إن معرفة الإنسان لحدوده تجعله أقدر على العطاء من دون مرارة، وعلى المحبة من دون تبعية، وعلى إقامة علاقات تقوم على الصراحة بدلا من المجاملة المستمرة والتضحية المفرطة بحق النفس.ولكن مقابل ذلك ايضا كم اخ استغل طيبه اخيه ، بل يمكن الذهاب بعيدا بالقول كم من ام ضحت واستغلت احد ابنائها من اجل اخر وفق حسابات خاطئة.
يقدم لنا الطبيب النفسي الأمريكي ألبرت إليس، أحد رواد العلاج العقلاني الانفعالي السلوكي، مدخلا مهما لفهم جانب من هذه المشكلة، من خلال تأكيده أهمية مراجعة المعتقدات وحتى الموروثات التي قد تزيد معاناة الإنسان ، ومنها مثلا ، أن يظن المرء أنه يجب أن يحظى برضا الجميع، أو أن رفضه لأي طلب يجعله إنسانا سيئا يعرفهم. فهذه الأفكار هي بمثابة تفسيرات قد تحاصر الإنسان وتدفعه إلى سلوك يرهقه.
لا تكمن الحكمة هنا ، في التمسك بالجميع مهما كان الثمن، ولا في التخلي عن الجميع عند أول خيبة، بل في القدرة على التمييز بين ما هو واجب وما هو مطلوب، وبين حق الغير على النفس وحق النفس على صاحبها.
ولعل من المناسب أن نستحضر في هذا الموضع مقولة سقراط الشهيرة: الحياة التي لا تُختبر لا تستحق أن تُعاش ، وهي عبارة تدعونا إلى التأمل في اختياراتنا ومراجعة مسارنا، لا إلى إدانة أنفسنا على ما مضى. فمن الممكن أن يكتشف الإنسان، بعد سنوات من التضحية ، أنه كان يستطيع مساعدة الآخرين مع الاحتفاظ بمساحة أوسع لحياته، وأن بعض الأعباء التي تحملها وحده كان بالإمكان توزيعها، وأن بعض المخاوف التي منعته من قول لا لم تكن تستند إلى واقع بالقدر الذي كان يتصوره.
ليس المطلوب أن نضحي دائما كي نرضي الآخرين مهما كانت درجة علاقتهم بنا او قرابتهم لنا ، بل أن نكون منصفين مع أنفسنا ومعهم على حد سواء. ومراجعة النفس ليست إدانة للذات، بل فرصة لفهمها وتطويرها، وتصحيح ما يمكن تصحيحه قبل أن يتحول الندم إلى رفيق دائم.
قد يمضي العمر أسرع مما نتصور، وقد نكتشف بعد سنوات من الانشغال بمسؤوليات الآخرين أننا أجلنا أشياء كانت تمنح حياتنا معناها، وأهملنا أحلاما انتظرناها طويلا، ولم نمنح أنفسنا الوقت الذي تستحقه لتحويل تلك الأحلام إلى واقع. وحينها قد نسأل أنفسنا متأخرين: متى نعيش حياتنا إذا كنا نؤجلها باستمرار إلى أن ننتهي من إرضاء الجميع؟
وقد نرى ذلك في إنسان ظل يؤجل إكمال دراسته أو بناء دار لعائلته الصغيرة ، بحجة أن مسؤولياته العائلية الاوسع لا تسمح له الآن. ثم تتغير الظروف وتظهر مسؤوليات أخرى، ويكتشف أن كلمة لاحقا كانت تتجدد كلما اقترب من تحقيق ما يريد. وهناك من قضى عمره يعمل لتأمين حياة أفضل لإخوانه او لأبنائه، وهو أمر نبيل، لكنه نسي أن الإخوة او الأبناء حين يكبرون ويستقلون لا يستطيعون إعادة السنوات التي لم يعشها اهلهم او والدهم، مهما أحاطوه بالحب والتقدير ، فكيف يكون الحال او وقع ذلك إذا استنكروا كل ذلك.
إن الاعتراف بقيمة ما قدمناه لا يمنعنا من الاعتراف أيضا بأن لنا حقا في حياة تتجاوز الواجبات، وأن التضحية لا تفرض علينا تكرارها إلى نهاية العمر.
يشير الفيلسوف الرواقي ماركوس أوريليوس إلى أهمية الانتباه إلى قصر الحياة، وإلى ضرورة ألا نهدر أيامنا فيما لا يستحق أن يستولي على عقولنا وأفعالنا. ويمكننا أن نستخلص من هذا المعنى أن الوقت ليس موردا يتجدد بلا نهاية، وأن حسن استخدامه يقتضي أن نمنح انفسنا حقها ومعها كل ما يمنح وجودنا طعما ومعنى.
إن العناية بالنفس ليست أنانية، كما أن الاهتمام بالآخرين لا يقتضي إهمال الذات. فحياتنا ليست مجرد واجبات نؤديها للآخرين، بل هي فرصة لنا في كل ما يمنح أيامنا قيمة. يمكننا أن نكون أوفياء من دون أن نضحي بكل شيء. ويمكننا أن نساعد الآخرين من دون أن نستنزف طاقتنا وأن نتمسك بالعلاقات الثمينة من دون الخوف من مراجعتها وقت الحاجة.
ويكفي لبيان ذلك ، أن نتأمل تجربة إنسان يعتني بصحته وينظم وقته ويخصص مساحة لزوجته وأبنائه، ويستمر في مساعدة أقاربه او غيرهم ضمن حدود قدرته، لندرك أن التوازن لا يجعل الإنسان أقل وفاء ، بل يجعله أكثر استقرارا وقدرة على الاستمرار. فالشخص الذي يحافظ على صحته وراحته النفسية لا يفعل ذلك لنفسه وحدها، بل يحمي أيضا قدرته على رعاية من يحتاجون إليه. أما من يستنزف نفسه حتى الإنهاك، فقد يجد نفسه في نهاية المطاف عاجزا عن تقديم المساعدة التي طالما أراد تقديمها.
إن استعادة التوازن لا تعني الانسحاب من حياة الآخرين ممن يعنوننا أو التخلي عن المسؤولية ، بل تعني العودة إلى الحياة بوعي أكبر وأن نعيد ترتيب أولوياتنا، ونمنح وقتنا لمن يقدرونه ونحتفظ بمساحة لما يسعدنا.
كلمة اخيرة:
أن قيمة الإنسان لا تقاس بعدد من أرضاهم ، وإن كانوا أقرب الناس إليه، ولا بحجم ما تنازل عنه من أجلهم، بل بقدرته على أن يعيش بضمير مرتاح ، وأن يقدر حق نفسه عليه، وأن يمنح محبته من دون أن يفقد ذاته، وأن يعطي نفسه أيضا حقها في الحياة. فالحياة لا تطلب منا أن نكون كاملين او أن نرضي الجميع و نتحمل كل شيء بصمت. الحياة تطلب منا فقط أن نعرف متى نعطي ، ومتى نتمسك او نغادر، ومتى نعتذر او نضع حدا لما يؤذينا.
كم هو جميل ان نعطي الآخرين من قلوبنا ما نستطيع، ونقف إلى جانبهم حين يحتاجون إلينا، ولكن من دون أن ننسى أن لنا قلوبا تحتاج إلى العناية وأرواحا تحتاج إلى الراحة، وأحلاما تستحق أن نمنحها فرصة للحياة.
إن أعظم العطاء لا يكمن في أن نمنح الآخرين كل ما نملك حدا لا يبقى لنا معه شيئا ، بل أن نمنحهم من محبتنا ما نستطيع، وأن نحتفظ في قلوبنا بمكان لا نهجر فيه انفسنا.
واذا كان هناك من يستحقون أن نقف إلى جانبهم، فنحن أيضا نستحق ألا نصل إلى نهاية الطريق ونحن غرباء عن أحلامنا، محرومين من الحياة التي طالما أجلناها من أجل حياة الآخرين.
ب. د. خالد خدر
#خالد_محمود_خدر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟